• ×

08:55 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

(محادثة بين معلم وتلاميذه )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(محادثة بين معلم وتلاميذه )

بقلم :أ. يحيـــى محــمد الفيفي

الحمد لله المتفضل،الذي علم بالقلم ،علم الإنسان مالم يعلم، والصلاة والسلام على نبيه معلم البشرية ،ورائدها إلى الطريق المستقيم ، وبعد :
دخل هذاالمعلم الصف ليشغل \\\" حصة انتظار\\\"لأحد زملائه الذي كان في لقاء تربوي خارج المدرسة في ذلك اليوم .فدخل هذا المعلم الصف .
فقال لتلاميذه : ما رأيكم أن تكون هذه \\\"الحصة \\\"درس \\\"محادثة \\\" ؟
أتحدث أنا , وأنتم , أسألكم وتسألونني ؛ فكل التلاميذ رحبوا بالفكرة وبموضوعها , حتى بدا الفرح والسرور على وجوههم , ولم لا ؟ والموضوع \\\" محادثة\\\" فيه حرية التعبير والحديث , وإبداء الرأي . نعم . إنه هدف يسعى إليه الجميع , بل هدف تربوي نبيل .
ولكن أخي القارئ :

أتدري متى كانت هذه المحادثة بين هذا المعلم وهؤلاء التلاميذ , كانت قبل \\\" عشرين\\\" عــاماً من تحرير هذه المحادثة إليكم . ولكن ليس هذا ببعيد ! كما يتصوره البعض .
{ فاسمعوا ماجرى في هذه المحادثة }

بدأت المحادثة , بسؤال من المعلم . وهذا السؤال دائما يطرحه المعلم على تلاميذه كلما لاحت له مناسبة بذلك .

ـ ماذا تريد أن تكون في المستقبل ؟ ماهي المهنة التي تريد أن تختارها , إذا كبرت ؟
ـ قال واحد منهم : بصوت عال , أريد أن أكون معلما مثلك يا أستاذ .
ـ قال المعلم : بارك الله فيك , فإن المعلم له دور كبير , ومهنة التعليم مهنة إنسانية , ورسالة عظيمة , لأنها تركز على إعداد هذا النشء , ليكون مواطنا صالحا في مجتمعه ووطنه . وتتابعت الإجابات من بقية التلاميذ ـ فكانت إجاباتهم بل أغلبها , مثل إجابة زميلهم السابق, أريد أن أكون \\\" معلماً\\\"

ـ قال المعلم : شيء طيب ! ولكن , ما سبب اختيار أغلبكم هذه المهنة ؟

ـ قال التلاميذ : بلسان واحد , لأنها مهنة مقدسة , ولها ولصاحبها كل احترام وتقدير من الناس جميعاً , ولنا في رسول الله قدوة فقد كان خير \\\" معلم \\\" لهذه الأمة التي أخرجها من الجهل ـ إلى النور .. حتى أصبحت \\\" خير أمة أخرجت للناس\\\" .

ـ قال المعلم : أحسنتم , ولكن الوطن والأمة بحاجة إلى \\\" مهن وتخصصات \\\" أخرى إلى جانب هذه المهنة التي أخترتموها ,فكلنا جنود لهذا الوطن كل على حسب تخصصه . ومنها \\\" جنود الجيش ,والأطباء , والشرطة , ورجال الإسعاف , والعمال , والفلاحون و...و...إلخ .

ـ قال التلاميذ : شكرا لك أيها المعلم على هذه الحصة الجميلة وسنعدك أن نجتهد ونعدَّ أنفسنا إعداداً صحيحا حتى نكون جنودا من جنود هذا الوطن إن شاء الله كل على حسب تخصصه وميوله ...

انتهت الحصة ـ بقرع الجرس ـ وانتهت المحادثة ....

ودارت الأيام ـ ومر الزمان . عاما بعد عام ....فدخل هذا المعلم إلى صف ما , من صفوف المدرسة ولكن متى ؟ في وقتنا \\\" الحاضر\\\" أي في زماننا هذا , أي في حصة \\\" انتظار\\\" أخرى .
ـ وقال في نفسه: سأعيد وأطرح السؤال نفسه الذي طرحته على هؤلاء التلاميذ قبل \\\" عشرين \\\" عاما ً لأعرف وأتعرف على الفرق بين \\\" جيل \\\" الأمس واليوم .

ـ قال المعلم : ســـؤال, أريد أن أطرحه عليكم , وأريد منكم الإجابة عليه بكل صراحـة .

ـ قال التلاميذ : حبا وكرامة , اسأل , ونحن نجيب بكل صدق وأمانة .

ـ قال المعلم : ماذا تريد أن تصبح في المستقبل ؟ ماهي المهنة التي تريد أن تختارها ؟
فكانت الإجابات مختلفة ـ فهذا يريد أن يكون طبيبا , وآخر يريد أن يكون ضابطا , وآخر مهندساً ...و...و...إلخ
ـ قال المعلم : بارك الله فيكم لقد سمعت منكم جميع الإجابات عن هذا السؤال وأنواع المهن التي اخترتموها , ولكن هناك \\\" مهنة \\\" واحدة , لم أسمع تلميذاً واحدا منكم أقدم على اختيارها .

ـ قال التلاميذ : ماهي هذه المهنة يا أستاذ ؟ قل , أسرع , ماهي ؟

ـ قال المعلم : مهنة \\\" التعليم \\\" لم أسمع تلميذا منكم أجاب , وقال : أريد أن أكون \\\" معلماً \\\"

أجاب التلاميذ بسرعة : يا أستاذ ! من يريد أن يكون معلما في زماننا هذا ؟ ... كل شيء إلا \\\" المعلم\\\" كل حياته \\\" تعب ونكد \\\" في المدرسة وفي البيت , ولا راحة لديه , وكل يوم يعامل أسوأ من اليوم الذي قبله , ولا تمييز له حتى من المجتمع نفسه , لم يعد ينظر إليه نظرة التقدير والتبجيل والإحترام كما كان مجتمع الأمس الذي كان يميز هذا المعلم بكل تقدير واحترام وانصاف على ما يقوم به من جهد وعلى رسالته العظيمة التي يؤديها ....
- قال المعلم :لا ليس صحيح،فالمعلم هوأساس المجتمع، لأنه يقوم على تربية وتعليم الأجيال، فتراه يعلم بعقله وقلبه وسلوكه، فهذا هو \\\"المعلم\\\" سواء معلم الأمس أو اليوم ،فالرسالة واحدة، فانظرمعي إلى هذا المهندس الذي يتباهى بأروع \\\"بناء\\\" صممه ،والمخترع بأحدث \\\"جهاز\\\" ابتكره،والطبيب الذي نجح في إجراء هذه \\\"العملية\\\" المعقدة ...و... إلخ .ألا يحق للمعلم أن يفخر بمهنته هذه؟ لأنه الذي قام بتربية وتعليم هؤلاء جميعا .
لماذا نجهل هذا الرجل؟ وقد تخرج على يديه الكثير والكثير وهم الآن من ُبناة وحماة هذا الوطن الغالي .ولنا في قول الشاعر حكمة .عندما قال :

أعلمت أشرف أوأجل من الذي = يبني وينشئ أنفسا وعقولا
- قال أحد التلاميذ: نعم هذا صحيح، لاأحد ينكره ،ولكن!
- ماذا نفعل؟ هذا مانسمعه ونشاهده من حولنا .
ثــــــــــم :
- قال آخر : يا أستاذ، كيف تريدني أن أكون معلما؟
وأنا أسمع وأقرأ بين الحين والآخر- أن هناك \\\"تلميذا\\\"
اعتدى على \\\"معلمه\\\" إما بالضرب،أو بتكسير سيارته التي لازال \\\" يقسط\\\" فيها ، أومن ولي أمر قام بالإعتداء عليه وإهانته إما في المدرسة ،أوخارجها،فلا يجد هذا المسكين من يحميه؟..فتريد مني أن أكون معلما،وأتعرض لما يتعرض له البعض من هؤلاء المعلمين من إهانة وغيرها،إما من هذا أو ذاك ..و المعــــــلم صـــــامت وصـــــامت
والتلاميذ يتحدثون بكل حرية ،ولم لا؟أليس الدرس درس محادثة..!

المعلم يستمع- حتى رأى تلميذا في زاوية من زوايا الفصل يخز رفيقه بمرفقه أثناء الحديث.
- فقال المعلم له: لماذا لم تشاركنا في الحديث؟
أجاب التلميذ: وبكل ثقة أما أنا يا أستاذ، أريد أن أكون موظفا؛ بل أي موظف حتى.! ولا أكون \\\"معلما\\\". فرد عليه المعلم، ولماذا؟
فقال : المعلم هوالمعلم!! منذ التخرج إلى التقاعد أو الموت...وهو على حالة واحدة ، ومستوى واحد ، حتى \\\"المركبة\\\" لم نر معلما واحدا ،أعطيَ \\\"سيارة\\\" من جهة عمله لتكون عونا له على تنقله بين هذه الجبال والسهول والصحاري وذلك عونا له على أداء رسالته هذه ..بينما نجد بعض الموظفين في الدوائر الحكومية ،بـــــل حتى الصغار منهم في \\\"الوظيفة\\\"يمتلكون سيارات من جهة عملهم ،لتكون لهم عونا في نجاح عملهم أثناء الدوام الرسمي ، والبعض منهم هدانا الله وإياهم ، قد\\\" يستغل\\\" هذه السيارة خارج نطاق العمل في أموره الخاصة ..
ثــــــمّ استرسل هـــــــذا التلميذ في الحديث.
وقـــــال: أزيد ك من الشعر بيت... في يوم من الأيام...لحظت \\\"معلما\\\" قـــــــــد \\\" بلغ من الكبر عتيا..\\\" يراجع في إحدى الدوائر الحكومية، وقد كان رئيس هذه الدائرة من \\\"تلاميذ\\\" هذا المعلم..
وأنا أراقب الموقف من بعيد..فلم أر هذا الرئيس يلقي لهذا المعلم أي اعتبار ،حتى السلام لم يرد عليه؛ حتى ولو بنظرة عابرة .
فقلت في نفسي ـ مسكين والله المعلم .
ألم يقرأ هذا الرئيس بيت الشعر الذي يقول :

قمْ للمعلم وفه التبجيلا = كاد المعلم أن يكون رسولا
وانتهت حصة الانتظار ـ وانتهت المحادثة
فـــ \\\" رسالتي \\\" هـــــــي :
علامات استفهام بحاجة منا جميعا إلى الإجابة عليها بكل صدق , ومنها
= لماذا كان المعلم في الماضي سعيدا بمهنته وعمله, وصاحب علاقة حميمة مع تلاميذه , وصاحب تقدير وإجلال من مجتمعه ؟
أما اليوم فــــ\\\"لا\\\" !
فقد نجد بعض المعلمين بل أغلبهم لم يسعد بهذه المهنة , بل يتذمر منها أحيانا , لمـاذا ؟
رغم أن الدولة حفظها الله بقيادة خادم الحرمين الشريفين ونائبيه
اهتموا بالعلم والتربية والتعليم كل اهتمام , فكل السبل والإمكانيات متاحة ومتوفرة من قيادتنا الرشيدة من أجل الرقي بالتعليم وأهله من معلم ومتعلم على حد سواء .
= ولماذا نرى ونسمع من أبنائنا التلاميذ في زماننا هذا ـ بعدم الإقبال على هذه المهنة \\\" مهنة التعليم \\\" وكأن بينهم وبينها عداوة ؟
= أليس هذه \\\" نكبة \\\" لنا جميعا ؟ عندما نسمع من جيل المستقبل هذا الكلام .
= من سيعلم أبناءنا في الغد ؟ وهذا الجيل الصاعد قد امتلأ قلبه
كراهية لهذه المهنة الشريفة , ولكن بسبب من ؟ وممن ؟ لانعلم .أمن المعلم نفسه , أو من الأسرة , أو من ولي الأمر , أو من المجتمع عامة , أو من وسائل الإعلامالمختلفة....أو...
أو....
وأخيرا ـ وليعلم الجميع بأن هذه \\\" المحادثة \\\" ليس قصة من نسج الخيال . إنما هي واقعة من الميدان .... فمسكين والله هذا المعلم . في زماننا هذا ومسكين أيضا ـ هذا النشء الذي يتعلم من هنا ويلقى نقيضه هناك ,ويبقى في حيرة من أمره أمن هذا يتعلم , أو من ذاك؟
واعلم أخي بأن هذا الجيل الصاعد والذين هم على مقاعد الدراسة الآن أمانة في أعناقنا جميعا ـ دون استثناء أحد، فهم الثروة الأساسية في بناء هذا الوطن ورقيه ....
وأختم \\\" بحكمة \\\" جميلة قالها وزير المعارف السابق الدكتور محمد بن أحمد الرشيد حفظه الله عندما قال :
وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة , ووراء كل تربية عظيمة معـلمــــون مخلـصــون..

أخوكم الأستــاذ / يحيـــى محــمد الفيفي

 9  0  1805
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:55 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.