• ×

02:37 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

انظر (ابن الديرة , وصل إلى أين ؟ )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ـ
أما بعد : دائماً أحب أن تكون مقالاتي ذات علاقة بهذا التلميذ "1" , وذلك الطالب "2" ولم لا ؟ والأول بمثابة "الابن" والثاني بمثابة "الأخ والصديق" وكيف لا ؟ وهم في الغد القريب أملنا وقادة مستقبلنا ونهضتنا وهم الذين سيحملون هم هذا الوطن وهم المجتمع من بعدنا .
موضوعي ليس هذا , إنما جعلت هذه المقدمة "فرشة"3 لمقالي واسمح لي أخي القارئ إن خرجت قليلاً عن الموضوع ؛ لأن "الذاكرة" حفظها الله وسامحها الله أيضا ؛ حنت إلى الماضي عندما ذكرت كلمة "فرشة" وذلك عندما كنا صغاراً على مقاعد الدراسة , وبالتحديد في حصة "الإنشاء" عندما كان مدرس اللغة العربية في مادة الإنشاء يكتب الموضوع على السبورة ويجعل له " مقدمة " من سطرين ؛ لا أكثر .
فيقول : لنا هذه "فرشة" للموضوع لتتمكنوا من خلالها صياغة عناصره ... ثم يطلب منا الكتابة عن الموضوع ولايقل عن عشرين سطرا , مع ذكر بعض الشواهد ذات الصلة بالموضوع , إما من القرآن أو الحديث أو الشعر ...
نعم إن حصة الإنشاء كانت كبيرة عند "المعلم والمتعلم " رغم صغر سننا في ذلك الوقت .
إيه ؛ ياحصة الإنشاء أيام زمان !! ...
المهم ليس هذا . بل , فائدة لطيفة , أحببت إيرادها .
إذن أرجع إلى مقالي ـ لأقلب معكم صفحات من واقع الحياة .. فأقول : لقد التقيتُ بطالب "جامعي" في إحدى المدن وذلك بالصدفة , فعانقني بحرارة , فقابلته بمثلها .
وقال : أعرفتني ؟
فقلت : نعم أذكرك , ولكن لم أذكر اسمك .
فقال : أنا فلان ...درستني في المرحلة الابتدائية وأنا الآن طالب في الجامعة.. فحييته , وباركتُ له على هذه الهمة وهذا الطموح ,
وهذا الوفاء منه أيضاً ..
ثم قال لي : أريد منك طلبا ...فلا تردني . فقلتُ له : حُباً وكرامةً اطلب ماشئت ..
فقال : أريد أن تتفضل معي إلى "العزبة"4 فقبلتُ دعوته , وذهب بنا إلى العزبة وقابلتُ زملاء له في العزبة يسكنون معه , ورحبوا بي أجمل ترحيب , وأكرموني أجل تكريم ...ثم أخذنا الحديث من هنا وهناك . حتى سألتهم عن أحوالهم , ووضعهم الدراسي في الجامعة ...
فأجابوا : جميعاً بلسان واحد , الحمد لله وضعنا طيب . ولكن لحظتُ أن الإجابة منهم كانت على استحياء .. وقد لحظوا مني أيضا .
ثم قال لي : هذا الطالب الذي وجه إلي الدعوة ؛ يــا أستاذي . لقد درستني في مادة القراءة موضوعاً عن الصدق وأنا في المرحلة الابتدائية . فأريد أن أكون صادقاً معك كما علمتني , ولا أخفيك سراً ...لأنك لي بمثابة الوالد والأخ ..
فقلتُ له : تفضل . قل : سأكونُ لك مُنصتاً .
فقال : والله , وتالله إننا نعاني صعوبات لا يعلمها إلى الله .
فقلتُ له : ماهذه الصعوبات ؟ قال : الصعوبات كثيرة ومنها
ــ غلاء السكن "العزبة" والمواصلات من وإلى الجامعة , وشراء بعض المراجع والمصادر , وتسديد فواتير الكهرباء والماء والجوال ... و ...
ثم قلتُ له : وبالنسبة للأكل , هل تطبخون الطعام في العزبة , أم تأخذونه من المطعم ؟
فرد مسرعاً وقال : لا هذا ولاذاك , بل , طعامنا المفضل من عند " الفوال" الفول والتميس .هذا هو المقدورُ عليه . أما الوجبات آه
" السنعة" فلا نعرفها إلا في " الديرة" عند الوالدة في الإجازات الرسمية ..
فقلتُ له : طيب , أبناء الديرة من الجماعة , نسمع بأنهم في كل مدينة يقومون بتفقد أحوال الطلاب في " العزب " ويقومون بمساعداتهم مادياً ومعنوياً ..
فرد علي وقال : نعم إن هذا في بعض المدن ولا ينكر أحد فضل هؤلاء على إخواننا الطلاب في تلك المدن , وفي تلك العزب ,
أما في مدينتنا هذه . فلا نسمع بما ذكرت منه شيئا .
فقلت : ألا يوجد في هذه المدينة من جماعتنا من يقدر على مساعدتكم ؟ كما في المدن الأخرى .
قال : نعم , يوجد الكثير من جماعتنا , ولكن لا أحدٌ يسأل عن أحد ونعرف أيضاً زملاء لنا في " عزب " أخرى هم أشد منا حالةً وبؤسا . ولا أخفيك بأننا في يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع نتمنى أن نجد واحداً من هؤلاء يتصل علينا ويدعونا إما لوجبة غداء , أو عشاء عنده في البيت , لنترك ولو مرةً واحدةً هذا "الفوال" ولنذكر الديرة وأهلها وأكلاتها " السنعة" ولكن دون جدوى ..!! حتى في بعض المناسبات العامة .. لم نحظ بدعوة تقدم إلينا بالحضور , ولكن نستغلها كفرصة للحضور بصفتها مناسبة عامة للجميـــع .
فقلتُ له : ماهذا ؟ ماهذه التغيرات التي تحصل في مجتمعنا ؟ أين التكافل الإجتماعي ؟ وأين نحن من ديننا القويم ؟
فقال : لا أدري .. بل هذه الحقيقة .
فاستأذنتُ منه ومن زملائه , وخرجتُ من عندهم من العزبة وقد
" صُدع"5 رأسي مما سمعتُ ..
وبعد سنة قابلت هذا الطالب وبالصدفة أيضاً في إحدى المناسبات خارج هذه المدينة التي يدرس فيها , والتي قابلته فيها في المرة الأولى . ثُم سألته عن حاله وعن العزبة وعن زملائه .
فقال : الحمد لله أبشرك وضعي اليوم "زين" وأنا الآن على وشك التخرج من الجامعة لم يبق علي إلا فصل دراسي واحد , أما العزبة فقد سلمناها لصاحبها , وأما زملائي فواحد قد تخرج في نهاية الفصل الدراسي الأول من هذا العام . وأما زميلي الآخر "فمسكين" ترك الدراسة وذلك لظروفه المادية وظروف أسرته أيضاً رغم أنه كان طالباً متوفقاً ومتميزاً لكن ظروفه المادية كسرت تفوقه وتميزه وطموحه ... والآن في الديرة "عطلان" لا شغل ولا مشغلة ؛ عند والده المسكين أيضاً الذي يعول أسرة كبيرة وليس له إلا الضمان الإجتماعي ...انتهى حديثه .
فأخذتُ نفساً طويلاً ...فقلتُ في نفسي : آه ! يالها من حرقة , ويالها من حسرة على بعض طلابنا في الجامعات , الذين تركوا جامعاتهم بسبب ظروفهم المادية الصعبة رغم تميزهم . لأنهم لم يجدوا من يقف معهم ويساندهم ...
"ياناس" يا أبناء الديرة يا من يغرق في الترف والنعيم في حياته العائلية ويمتع نفسه وأهله بكل مباهج الحياة ولذائذها ... وأبناؤنا طلاب الجامعات وهم من حولنا في أمس الحاجة إلينا , إلى مساعدتهم ومساندتهم في مواصلة دراستهم الجامعية . والجميع يعلم بأن مستوى المعيشة اليوم أصبح صعباً حتى على الموظف نفسه , فما بالك بهذا الطالب المسكين " المغترب" الذي أتى من تلك القرية البعيدة إلى هذه المدينة لكي يواصل تعليمه الجامعي , فهو بحاجة إلى سكن وإلى مواصلات وإلى معيشة و .... و .... من أين له هذا؟ إذا لم نقف بجانبه , فسوف نخسر " ثروة كبيرة" بل أغلى من الذهب . نخسرُ " وطن " نخسرُ " أمة " نعم إنه الجيل الصاعد إنه الثروة الحقيقية لهذا الوطن وهذه الأمة . والحمد لله نسمع في بعض المدن بأن هناك الكثيرُ والكثير من أهل الخير ومن الخيرين من أبناء الديرة يتلمسون احتياجات هؤلاء الطلاب ويقفون بجانبهم لمواصلة تعليمهم الجامعي حتى أصبح الطالب نفسه لم يحس بالغربة وكأنه بين أسرته وأهله .. فأهل الخير لا ينكر جميلهم أحد.
فانظر أخي إلى أبناء الديرة قد وصلوا إلى أعلى الرتب ونالوا على أعلى الشهادات في شتى التخصصات . أليس هذا فخرٌ وعزٌ لنا جميعاً .
فمن الإنصاف أن نقف مع أبنائنا الطلاب وخاصةً هذا الطالب المغترب الذي ودع أسرته وأهله من أجل مواصلة تعليمه الجامعي.
وألا نجعل بيننا وبين هؤلاء الطلاب "جفاءٌ" وبعد وعدم تواصل وكأنهم من " طينة" ونحن من طينة أخرى وليعلم الجميع بأننا مدينون لهؤلاء الطلاب الذين هم على مقاعد الدراسة في الجامعات الذين وهبوا جلّ أوقاتهم للدراسة والبحث والتطبيق من أجل خدمة أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم ... أليس يستحقوا أن نقف بجانبهم ؟
فبارك الله في أمتنا وشبابنا , وبارك الله فيمن يقف مع طلابنا ويساعدهم وخاصة المغترب منهم , ابن الديرة الذي قطع الكيلو مترات بعيداً عن أسرته وأهله من أجل التعلم والحصول على أعلى الشهادات ليخدم دينه ووطنه ومليكه ..
وندائــــــي لمن لم يُحس بمعاناة طلابنا في الجامعات أن يزورهم في عزبهم وأن يجعل نفسه أخاً وصديقاً لهم في غربتهم وسوف يعرف هذه المعاناة على حقيقتها . .

ــــــــــــــــــــــــــــ


1 ـ التلميذ : هو طالب العلم وهو الصغير ونطلق كلمة تلميذ على الطالب في المرحلة الابتدائية .
2ـ الطالب : الذي يطلب العلم ويطلق على التلميذ في مرحلتي الثانوية والعالية .
3ـ فرشة : بفتح الفاء هو البسطُ والتوضيح للشيء .
4ـ العزبة : بكسر العين هو المكان وتطلق على الدار .
5ـ صدع : أصابه صداع فهو مصدوع .


يحيى محمد المخشمي الفيفي

 9  0  1647
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:37 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.