• ×

08:46 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

تراث فيفاء بين التحوير والتزوير  

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تراث فيفاء بين التحوير والتزوير
1 من 3
الباحث : عبدالرحمن بن قاسم الفيفي




image

ما من أمة من الأمم إلا و لها تراثها الخاص .. والذي تحافظ عليه أكثر من أي شيء آخر .. لأنه يعني كيانها وهويتها .. وصمام الأمان لتماسكها وترابطها .. والمنظم لعلاقتها بالآخرين وعلاقة الآخرين بها .
فحتى الغجر وهم ادني الأعراق مكانة بين الأمم , ورغم شتاتهم وتفرقهم في أقطار الأرض , واختلاف ألسنتهم وجنسياتهم إلا أننا نجدهم رغم كل ذلك محافظين على عاداتهم وتقاليدهم وأزياءهم من مئات السنين ..مما أكسبهم احترام العالم كله وجعل العالم شرقه وغربه يعترف بهم ويسن القوانين والتشريعات التي تهدف إلى حمايتهم وتذليل الصعاب لهم .

وفي الوقت الذي نجد فيه الكثير من الأمم والشعوب والقبائل تحيي موروثاتها الشعبية , وتتسابق في إظهاره في كل محفل , و توثيقه بكل السبل , ومحاولة غزو الآخرين به والتأثير فيهم من خلاله نجد في المقابل قبائل أخرى تسير عكس التيار , فبدلا من إحياء تراثها والتفاخر به بين القبائل فقد فتنها حب التقليد الأعمى .. فأخذت تحتفي بتراث (1) الآخرين مقلدة له أحيانا وفي أحايين أخرى تسرقه عيانا بيانا وفي وضح النهار .
وهذا للأسف ما دأب عليه بعض المحسوبين على فيفاء والمنتمين لها والمتفاخرين بأنهم منها !! .
فهذا الانفتاح المعلوماتي المذهل عبر العديد من الوسائط والوسائل الالكترونية وغيرها قد جعلهم يطلعون على الكثير من الألوان الشعبية في كثير من أصقاع الأرض , ولعلهم تفاجئوا بتمسك الكثير من القبائل برقصاتها الشعبية وموروثاتها حتى صغار السن منهم , وهذا بعكس ما هو سائد في فيفاء , وبدلا من التنقيب عن العاب فيفاء الكثيرة والأصيلة .. ومحاولة إتقان حركاتها وألوانها التي تؤدى بها وغرس حب تلك الرقصات في قلوب الناشئة , وتعليمهم إياها في عمر الزهور - كان من السهل عليهم متابعة ( اليوتوب ) , وكلما عثروا على مقطع لرقصة أعجبتهم درسوا أوزانها وحركاتها - ثم في أقرب مناسبة رأيناهم يقدمون عليها بهذه الرقصة المهجنة , وإذا ما سألهم أحد الناس عنها قالوا : ( هذه لعبة فيفية قديمة ولكن الناس لم تعد تلعبها ) !! .
وإذا كانت هذه الفرية على تراثنا قد تنطلي على صغار السن وبعض الجهلة - فهي حتما لن تنطلي على من أعمارهم قد تجاوزت التسعين عاما .. ولا من أفنوا شبابهم في دراسة وتوثيق عناصر التراث الشعبي في المنطقة . بل لن تطلي على متابعي مواقع الفيديو والبلوتوث وأناشيد الأطفال .. ناهيك عن القبائل المجاورة التي أهلها أكثر منا معرفة واحتفاء بالرقصات الشعبية وألوانها .. ويعرفونها كما يعرفون ملامح أطفالهم .
وان المتابع لما يجري خلال العقد الماضي من عبث وتشويه وتزوير لتراث جبال فيفاء (2) وخصوصا جانب الرقصات الشعبية - وعلى يد بعض أبناءها - لا يجد من تفسير لهذه الظاهرة أوالموضة الجديدة إلا التسلية والعبث فقط , والجهل المريع بتراث المنطقة وعدم تقدير قيمته وخطورة التلاعب به .. فهم مثل صبي ورث جوهرة ثمينة عن أجداده لا تقدر بثمن .. فلم يدري ما هذه الحجرة بين يديه وما قيمتها .. فأخذ يعبث بها ويلونها كل يوم بلون , ولن يلبث مستقبلا أن يأخذ مطرقة ومنشارا كبيرين لتشذيبها !! .


image


وهم أشبه ما يكونون بمن يملكون خيول أصيلة ورثوها عن أجدادهم فرسان الوغى , فلم يقدروا على امتطاء صهواتها مثل سالفيهم وأقرانهم .. فلم يجدوا من سبيل إلا تهجين كل فرس منها مع حمار أجرب .. لينتج عنها بغل قصير يستطيعون امتطاء ظهره .. فيا للمفخرة حينما نقف صفا مع القبائل المجاورة لنا وكل منهم يمتطي صهوة جواده الأصيل .. بينما نحن أخوتهم والمشتركين معهم في كل شيء نمتطى ظهور بغلاتنا المهجنة !! .

image


لاشك بأن في كل شعب أو قبيلة الصالح والطالح .. والمصلح والمفسد .. والذي يبني ومن لا يجيد غير الهدم . وان تحريف وتزوير وتشويه تراث فيفاء جريمة شنيعة , ولكن الأشد شناعة منها هو سلبية أهالي فيفاء بصفة عامة .. مشائخ ومثقفين واعيان وعامة .. فلو شاهد أحدهم بعض جماعته يرقصون ( الروب ) على أنها ( هصعة حديثة ) لما حرك سكانا .. واكتفى بالفرجة عليهم والابتسام لهم ابتسامة عريضة من اذن لأذن .

مع أن مجرد الانحراف قيد أنملة في بعض موروثات الماضي في شروع القبائل جريمة لا تغتفر .. ويحاكم من يقترف هذا العمل شرعا وعرفا . ويجرجر بتلابيبه إلى مجالس الأحكام مكبلا بالأغلال .. ولكن أين نحن من القبائل التي تتمسك بعاداتها وتقاليدها .. وسلومها وأعرافها بحزم وصرامة .. ولها مقاديم لهم سطوة وهيبة يعاقبون كل خارج عن العرف , ويحمون تراث آباؤهم وأجدادهم على الأقل كما يشفعون ويحمون منتهكي الأعراض ويحمونهم من حدود الله .
وقد يقول قائل : هذا تطوير وتجديد في التراث .
وأقول : إن آباءنا وأجدادنا قد حافظوا على هذا التراث كما هو منذ مئات السنين , ونقلوه لنا بكل زخمه وروعته .. وبكل اقتدار وأمانة , رغم ما تعرضوا له طوال تاريخهم من إبادة وغزوات ومحن .. ومن العار أن نأتي نحن جيل ( النيدو والبامبرز ) ونشوهه ونحوره بحجة التجديد والتطوير.

فحتى أغاني كبار المطربين مثل ( ام كثوم ) و( عبد الحليم ) ... وغيرهم لا يسمح بالتطوير فيها إلا في حدود ضيقة جدا , مع انها مجرد طرب .. وبعضها أغان ماجنة مبتذلة .. فكيف بتحوير وتزييف تراث أصيل لأمة سامية توارثته عبر العصور جيل بعد جيل ؟!! .

وقد يقول ساذج : هذا من حبهم لمنطقتهم وللتراث ؟!
وأقول : ان هؤلاء هم والله - أبعد الناس حبا لمنطقتهم وتراثها .. لأن من يحب شيء يحبه كما هو .. ويدفعه العشق والهيام به إلى معرفة كل شيء عنه .. ويغار عليه كما يغار العاشق على شرف محبوبته .. ويحافظ عليه كما يحافظ المثقف على كتبه .. والفنان على ريشته .

وقد يقول آخر : هذه مجرد اجتهادات قد تصيب وتخطئ , للمصيب أجرين وللمخطئ أجر واحد .
وأقول : إن هذه الاجتهادات مرفوضة تماما , فهي مثل من يجتهد في إطلاق النار على شخص , فهو أما أن يجرحه أو أن يقتله . فهذا الشخص ليس له لا أجر ولا اجران , وإنما يستحق العقاب الصارم على ما اقترفت يداه , وإذا كان الثمن لانتشار تراثنا وحظوره في مواقع النت المتخصصة والفضائيات والمحافل التراثية هو أن يظهر مسخا مشوها على غير هيئته الأصلية وما تعارف الناس عليه فمن الخير لنا وله أن يبقى حبيسا في الكتب التي وثقته , وفي أشرطة الفيديو والكاسيت المسجلة قبل عقدين من الزمن , وبالطبع فهو لن يضيع مادامت تشترك معنا فيه الكثير من القبائل المجاورة التي مازالت تؤديه كما هو قبل قرن من الزمان , مع أنها لا تقل عنا تطورا وتحضرا وحبا للبس الغتر والثياب .
فهؤلاء الجيران لا نريد في يوم من الأيام أن نلتقي بهم في محفل من المحافل ولا يستطيع أي طرف الرقص مع الطرف الآخر .. أو يشتركان معا في لعبة واحدة , ولن يقبلوا بالطبع ان يتعلموا رقصاتنا المهجنة من ( دمة عسير) و (عرضات شهران ) و( زوامل الحوثيين ) , حتى لو أنشأنا معهدا خاصا لتعليمهم إياها .. أو طبعنا آلاف المذكرات التي تصف حركاتها وأناشيدها ووزعناها عليهم من رأس جبل أمحشر حتى أقاصي جبال العبادل .

image


ختاما لاشك بأن تقليد الثقافات الأخرى أمر محمود إذا كان الشخص يأخذ المفيد منها , وكانت ثقافته أقل من تلك الثقافة .. فأي إنسان لا يريد أن يرتكي إلا عصى لا تنثني حينما يعتمد عليها .
بيد أن المشكلة حينما يكون التقليد نابع من ضعف في شخصية المقلد , وعدم الثقة في نفسه , واهتزاز في ثقته بثقافته التي ينتمي لها على غير الحقيقة .

وإذا كان الأمر الأول مشكلة عويصة ليس لتراث فيفاء ذنب فيها .. وليس لي حيلة في حلها , ولعل مصحات الأمراض النفسية أنسب الأماكن لعلاج مثل هذه الحالات - فالأمر الثاني مقدور عليه بإذن الله ..
فسوف اثبت لكل متشكك في تراث المنطقة وللجميع بأن هذا التراث عصى غليظة لا تخذل صاحبها والمعتمد عليها , وسوف تشرف من يحملها وترفع رأسه . ولكنها في نفس الوقت بحاجة إلى سواعد قوية تستطيع حملها .
وان تراث فيفاء والمناطق المجاورة لها ليس أعظم تراث في منطقة جازان , ولا جنوب الجزيرة العربية فحسب , ولا حتى على نطاق الجزيرة العربية التي هي مهد الحضارات على مر العصور.
وإنما هو الأكثر غنى وأصالة على مستوى الشرق الأوسط برمته .
وان تراثنا قابل للتطور ومواكبة الزمن .. دون أن يفقد بريقه وأسسه , ويفي بكل ميول الناس وقدراتهم .. ومناسب لكل المناسبات أي كان نوعها .

فإن وجدتم هذا التراث خلال ما اطرحه هنا - كان فعلا كما وصفته .. وهو أعظم واجل من التحوير والتزوير والتشويه فلا أطمع من أهل فيفاء إلا الاكتفاء بما لديهم من عناصر التراث الشعبي خصوصا ما له علاقة بـ " الرقصات الشعبية " ودون زيادة أو نقصان .
ولا أريد شكرا من أحد ولا ثناء .
وان وجدتم تراث فيفاء الذي سوف أتناوله في هذه الدراسة المقتضبة - أقل وأضعف من أن يكتفى به أو أن يبقى كما هو .. أو أن فيه ما يعيب .. أوانه فعلا يحتاج إلى تحوير وتطوير فيسرني أن أعلن على الملأ وبكل شجاعة اعتذاري من جميع المطورين وحتى المزورين والمدلسين .. حيث سأكتشف حينها بأنني محام فاشل لقضية خاسرة ما كان ينبغي إهدار قطرة حبر في سبيلها .


=====================
هامش :
(1) التراث المقصود هنا هي " الرقصات الشعبية " . وذلك من باب إطلاق الكل على البعض .
(2) تراث فيفاء هو نفس تراث القبائل المجاورة لها , وتخصيصي لفيفاء نابع من أن المشكلة التي أتحدث عنها إنما ظهرت في فيفاء .



image

 39  0  5282
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:46 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.