• ×

01:01 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

تراث فيفاء بين التحوير والتزوير (2-3) 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


تراث فيفاء بين التحوير والتزوير (2-3 )
تــراثـُنا العـظــيم


قبل الدخول لصلب الموضوع أحب الإشارة إلى نقطتين مهمتين :

أولا : اشكر كل المعلقين على الحلقة السابقة من هذا الموضوع .. سواء كانوا مؤيدين أو معارضين .. وأخص بالشكر الغيورين على تراث فيفاء .. ممثلا في رقصاتنا أو ألعابنا الشعبية (1 ) .. والذين اثبتوا أنهم لا يقلون عني حرصا على هذا الكنز العظيم .. ومجرد تفاعلهم الرائع مع هذا الموضوع دليل دامغ بأن تراثنا في أيد أمينة وتحت حراسة جيل واع لا يختلفون عن أسلافهم حرصا في الحفاظ على موروثاتهم الشعبية .. وحصن حصين ضد أي عابث به أيا كان .
كما اعتذر عن عدم ردي على التعقيبات في الحلقة السابقة وخصوصا الهادفة منها , وذلك لأن لكل استفسار أو تساؤل أو حتى اعتراض - سيجد صاحبه الإجابة الشافية سواء خلال هذه الحلقة أوفي الحلقة القادمة . بل سيجدون ما هو أبعد وأعمق من ذلك بإذن الله .

ثانيا : هذه الوريقات ليست رسالة دكتوراه أقدمها للحصول على شهادة عليا ليطالبني البعض بمنهج علمي معين ... فيكفي أن معظم ما فيها من معلومات هو جهد خاص ( لم اسرقها من هنا أو هناك ) , وما هي في الأساس إلا معلومات مقتطفة حول ديارنا أحببت أن يطلع عليها أهل الحمية والنخوة .. ليعرفوا مقدار ما يملكون من كنوز في بلادهم تغنيهم عن فتات الآخرين , وليس عيبا أو حراما أن يفتخر ويتفاخر المرء بما ورثه عن آباءه وأجداده من معارف ومهارات .. أو عادات فاضلة وقيم نبيلة هي جزء لا يتجزأ من التراث الشعبي . (2 )

أما عن لقب : ( باحث ) أو ( عالم ) أو ( فنان ) أو ( مفكر ) ... الخ . فهي لا تهمني البتة .. لأنني أدرك تماما بأن وضعها قبل اسم جاهل لن ترفعه مقدار شعرة بل تزيده ضعة .. وعدم وجودها قبل اسم عالم لن تحط من قدره بل تزيده شموخا . ( ومن تواضع لله رفعه ) .
وفي ختام هذا الاستهلال - أتمنى أن لا يذهب هذا الجهد سدا .. وينطبق على البعض قول أجدادنا في أمثالهم البليغة ( انحن نكلدي بو وها يعطف ايديهو ) .
فلا يكفي أن تحمل عاجزا فوق ظهرك وتنقله من سفح جبل حتى أعلاه ليكون علما على قمته.. فهو يزيدك غبنا وعناء بتقوقعه حول نفسه .. وتسمير قدميه في الأرض .. فقد اعتاد على العيش في السفوح .. وبات يشعر بالرعب والدوار حتى من مجرد النظر إلى الأعلى .

منطقتنا وحدودها بين الماضي والحاضر
=========================


image


جاء في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني ( ما معناه ) بأن انافيه تمتد ( تقريبا ) من حدود وادي خلب جنوبا إلى وادي بيش شمالا . ومن عكوة غربا إلى وادي دفا شرقا .
هذه المنطقة الشاسعة هي " انافية " التي كانت أيضا تسمى أو يسمى جزء منها - من قبل عصر الهمداني بعدة قرون " فيفا الريح " . ولا أدري لماذا أغفل الهمداني هذا الاسم , وهل مرد ذلك الجهل أم النسيان أم شيء آخر لا نعلمه ؟ .. و لكن سواء كان الأمر هذا أم ذاك فهذين الاسمين ما زالا مشهورين إلى الآن .. ولو أن احدهما أصبح داخل في الآخر .. وأيضا أصبحا أقل مساحة بكثير مما كانا عليه قبل الف عام . (3 )
وبما إن هذه المنطقة بكاملها ذات نمط فلكلوري واحد .. فهذا يدل دلالة شبه قاطعة بأن سكان هذا الصقع كانوا في يوم من الأيام عبارة عن قبيلة واحدة .. ثم تجزأت لعدة قبائل هي ما نراها عليه اليوم .. مجموعة من قبائل متقاربة جدا في كل شيء مما يجعلهم ( شعب ) منفرد ومتميز في كثير من الأمور .

من هنا : فلو قلت بدلا من تراث المنطقة الجبلية أو منطقة ساق الغراب .. أو جبال جازان : ( منطقة انافية ) أو ( فيفاء ) لما جانبت الصواب .. وعارضت نصوص التاريخ والجغرافيا . ولكن حرصا مني على عدم إثارة قضايا تاريخية وجغرافية ليست في صلب موضوعنا هذا .. وقد تكون مثارا للخلاف العلمي وحتى التعصبي - فسوف أتماشى مع ما هو سائد الآن من مسميات .. غير أنني لن استغرب يوما إذا ما حن الجميع للماضي وأعادوا إحياء مثل هذه المسميات الأصيلة نابذين العصبيات جانبا .

ولن نتطرق إلى القبائل التي كانت تقطن هذا الجزء من جنوب الجزيرة العربية في زمن الهمداني , وعلاقتها بنا وعلاقتنا بها في الزمن الحاضر , ولن ندخل في متاهات التاريخ والأنساب . فلهذا جولات أخرى لم يحن وقتها .

أما الآن فسوف نكتفي بالحديث عن تراث هذا الجزء , وما يتميز به من ثراء قل أن نجد له مثيلا .

ولكن كيف نستطيع أن نحكم على هذا الجزء بأنه يحوي تراثا عظيما ونستله من محيطه الجغرافي والإنساني ونكسيه لوحده هذه الصفة ؟! .



بين مفهوم الحضارة .. وخصوصية التراث
=======================




قد يقول قائل : لقد أدعيت يا هذا - بأن تراثك أو تراث المنطقة المحيطة بك - هو أعظم تراث في الشرق الأوسط !! فماذا عن أصقاع أخرى بعيدة عنكم شهدت ولادة أعظم حضارات الدنيا , مثل النيل ومابين النهرين ومأرب وحضرموت وأرم ... الخ . وماذا عن الشعوب التي مازلت هناك , والتي من المؤكد بأنها قد ورثت الكثير من المعارف عن الأمم والحضارات التي تلاشت من تلك الأنحاء . ؟!

أما التراث الشعبي أو " الفلكلور" بشكل عام فما هو إلا مجموعة من الخبرات والمهارات والمعارف يتناقلها البشر جيل بعد جيل .. ومن شعب لآخر منذ عهد آدم إلى الآن .. وملك مشاع للجميع , فأية عادة لدينا قد تكون تستخدم في مكان آخر .. وأي زي نرتديه قد ترتديه عشرات القبائل الأخرى هنا أو هناك .

إذا : أليس في مثل هذا الإدعاءات تسرع فاحش , وعاطفة سطحية , وجهل مريع بالتاريخ ؟! .


اما الجواب فأقول:
ان من الملاحظ ان البعض يخلط ما بين " الحضارة " و " التراث " . مع إنهما مصطلحين مختلفين لكل منهما معنى مختلفا وخصائص معينة .. فالحضارة لا تطلق عادة إلا على الأمم المتقدمة والمتكاملة مختلفة الأعراق والمعارف والثقافات .
مثل الحضارة الفرعونية والآشورية والبابلية والرومانية واليونانية والفارسية والكنعانية والسبئية .... الخ .
والحضارات تموت أو تضعف أو تتلاشى أو تتجزأ فتظهر حضارة جديدة من صلب حضارة سابقة فتطمسها أو تكون امتدادا لها .

بينما التراث يمكن أن يطلق على عرق من الأعراق .. أو شعب منها أو حتى مجرد قبيلة .. أو منطقة .. وهو لا يموت أو يتطور وإنما يتراكم ويتجزأ ويتغير تبعا لتغير الزمان والمكان .

ولذا فإن كانت الحضارة عبارة عن دائرة كبيرة محيطة بمنطقة ما بما تحويه من معالم جغرافية وحياة إنسانية فالتراث عبارة عن دوائر صغيرة داخل هذه الدائرة الكبيرة , بعضها متشابهة والبعض الأخر متنافرة , ولكن لكل دائرة منها خصائصها الذاتية , التي هي بمعنى أكثر وضوحا " الهوية " لكل من هم داخل هذه الدائرة .

من هنا .. فبما ان التراث عبارة عن تجارب ومعارف متراكمة من مئات وآلاف السنين فحتما سيكون يحتوي على كم كبير من المعارف والتجارب من عدة أمم وعصور وحضارات , وان أكثر الشعوب غنى وتميزا في موروثاتها هي الأكثر أصالة , لأنها استطاعت أن تحافظ على كل هذا الإرث العظيم رغم تعاقب القرون والأجيال .. ورغم كل المؤثرات الداخلية والخارجية .

أما عن إطلاق مثل هذا الحكم فبالطبع ليس إطلاقه بالأمر السهل , فهو يحتاج قبل ذلك إلى دراسة دقيقة وعميقة لكافة عناصر التراث الشعبي للمنطقة التي يهدف المرء لدراسة تراثها . ثم المقارنه بين تراث هذا المنطقة وتراث المناطق المجاورة لها .. ثم بعد ذلك يمتد البحث والدراسة للمناطق البعيدة نسبيا عنها .
ولا بد فوق ذلك من إلمام جيد بعلم الفلكلور بشكل عام . وامتلاك ثقافة وخلفية مناسبة ليس على مستوى شعب أو منطقة أو حتى دولة معينة , وإنما على مستوى العالم كله .. فالبشر جميعا يمثلون سلسلة واحدة متصلة من الفلكلور حتى وإن اختلفت حلقاتها .
وأيضا أن يكون العقل والبحث الدقيق هو الفيصل وليست العاطفة والميول .
وإذا كان علم الفلكلور لا يمكننا عزله تماما عن التاريخ والجغرافيا وغيرها من العلوم والمعارف فلابد أيضا أن يكون المرء العازم على خوض مثل هذه التجربة متسلح بما استطاع من مختلف العلوم لتكون له بمثابة الدليل والمرشد الأمين حينما يتيه في شعاب و صحاري البحث والدراسة .

إذا فالمسألة لم تكن سهلة , وهذه النتيجة التي توصلت لها لم تكن مجرد زوبعة في فنجان , أو بالون عاطفي مليء بالهواء . وإنما بنيت على أسس قوية وشواهد دامغة لم تأت إلا بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة تجاوزت الربع قرن .
غير أنني استميحكم عذرا في عدم الخوض في كافة عناصر التراث الشعبي في المنطقة .. وإنما الاكتفاء بعنصر واحد منها هو ما يهمنا في أساس هذا الموضوع , أي " الرقصات الشعبية " . واستميحكم العذر أيضا في عدم الإفصاح عن كل الشواهد والأدلة على أصالة هذا العنصر وثرائه في محيطه القريب وحتى البعيد , أو التفصيل فيها لأسباب متعددة .. غير أن خير الكلام ما قل ودل , واللبيب بالإشارة يفهم .




الألعاب الشعبية في الجزيرة العربية وما جاورها
==========================




لا يوجد حضارة من الحضارات أو شعب من الشعوب إلا و قد مارس أفرادها نوع من أنواع الرقص الشعبي , وذلك كنوع من التعبير الحركي على ما يود هؤلاء القوم إظهاره من غبطة وسرور وفرح , أو تذلل وخضوع للآلهة . أو حتى حزن وكآبة كما يحدث في المآتم من أهازيج وطقوس جنائزية في بعض الأحيان وفي بعض الحضارات .
مما يعني بأن هذا الجانب من جوانب التراث الشعبي قد ابتكره الإنسان منذ وقت مبكر جدا , ولعل ذلك كان تقليدا لبعض الحيوانات والطيور في حركاتها التي تشبه الرقص أحيانا .

image


وحتى يؤدي الإنسان للرقص بطريقة أكثر اتزانا وانسيابا وأكثر تطريبا ووقعا وتأثيرا في النفس أضيف له ما يشبه الإيقاع , والذي بدأ بالتصفير بالفم والتصفيق باليدين في بداية الأمر ثم تطور إلى ابتكار أدوات خارجية بسيطة تقوم بنفس المهمة ولكن بشكل أكثر انسجاما مع الرقص , فظهر الطبل والمزمار والشبابة ( 4 ) وغير ذلك من الأدوات الصوتية البدائية التي تعتمد على القرع أو النفخ أو التحريك .
وعند تأمل الألعاب الشعبية في منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية بشكل عام فإننا نجد كما هائلا من الألعاب الشعبية , وعند محاولة حصرها ودراستها سنجد بأن معظم هذه الرقصات والألعاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
1 : العاب دخيلة : وهي العاب ذات أصول غير عربية , أو جاءت من خارج حدود الجزيرة العربية لأي سبب من الأسباب . ومعظم هذه الألعاب تتركز على السواحل البحرية نتيجة للاختلاط الشديد لسكانها بالغرباء من مختلف أصقاع الأرض , والقادمين من حضارات وثقافات أخرى , وربما استقرارهم الدائم في تلك الأنحاء . وأيضا لتأثر سكان كل ساحل بثقافة وتراث من يقابلهم على الجانب الآخر .
ونفس الشيء ينطبق على المناطق الحدودية التي تفصل بين شعبين أو ثقافتين مختلفتين .
وأيضا في المدن الداخلية الأكثر انفتاحا منذ أزمان طويلة , والمليئة بعدة أجناس من أعراق مختلفة لوضع خاص لهذه المدن , مثل : " المدينة المنورة " و "مكة المكرمة " .

وأيضا البلدان التي تعرضت لاحتلال أجنبي طويل , مثل جنوب اليمن الذي حكمة الأحباش ثم الفرس لعدة قرون . (6 )

2- العاب أصيلة : وهي قليلة جدا إذا ما قارناها بالقسم السابق . ومن الصعب الحكم عليها بالأصالة حكما قاطعا , ولكن يكفي أن لا نجدها تتشابه مع أية لعبة أو رقصة في مكان آخر قريب يمكن أن تكون قد انتقلت له بأية طريقة من الطرق . فإذا كانت رقصة ما تؤدى في منطقة الباحة تتشابه مع رقصة تؤدى في الصين أو الهند أو اسبانيا - مثلا - فلا يقدح هذا التشابه في أصالتها , فمن المحال أن تكون هذه الرقصة قد انتقلت إلى هذا الجزء البعيد والنائي عن جميع المؤثرات .

3- العاب مقلدة : ونعني بهذا القسم تلك الألعاب التي تعتبر في الأساس مجرد لون مختلف من لعبة أصيلة أو دخيلة , اتخذت لها اسما جديدا أو صفة جديدة مع أنها في الأساس هي نفس تلك اللعبة التي تستخدمها بشكل مختلف هذه القبيلة أو تلك .. والتي كان ينبغي أن يطلق عليها ( لون ) من لعبة كذا . بدلا من تسميتها باسم مستقل .

من هنا يتضح جليا مدى فقر منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي من الألعاب الشعبية الأصيلة والمتميزة , وبالطبع فما دام هذا هو حال الجزيرة العربية مهد الحضارات البشرية , ورغم انعزال هذه المنطقة النسبي عن المؤثرات الخارجية فكيف سيكون الحال عليه في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي , وهم أكثر منا اختلاطا بالأمم والأعراق الأخرى ؟!! .

غير أن ما هو موجود الآن لديهم من رقصات شعبية وغيرها قد أصبح جزء لا يتجزأ من تراثهم الشعبي , ولا احد يستطيع إنكار ذلك , فهو لم ينتقل لهم بين يوم وليلة .. وإنما تكون خلال زمن طويل , غير أننا عند المقارنة والمفاضلة بينه وبين غيره لا يمكننا إلا جعل التراث الأصيل والمتميز في المقدمة , وجعل الشعب الذي يملك هذا التراث الأصيل هو الأغنى في تراثه , حتى وإن كان هذا العنصر الفلكلوري كان قد انتقل لهم من شعب آخر أو امة أخرى , فيكفي أنهم الوحيدون الذين مازالوا متمسكين به كل هذه العصور .

ولو تأملنا تراث واحدة من كبرى القبائل العربية الحديثة والتي يزيد عدد أبناءها عن بضعة ملايين , والممتدة خلال مساحات شاسعة , وقد يكون منها أجزاء في عدة دول عربية . وبحثنا في تراثها الشعبي مقتصرين على جانب واحد فقط وهو " ألعابها الشعبية " , فإننا سنجد بأن عدد تلك الألعاب لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة , أصيلها و دخيلها , ولو أضفنا لها عدة قبائل مجاورة فإن النسبة لن تتغير كثيرا ,
, لأن هذه القبائل قد تكون جميعها تؤدي نفس تلك الرقصات .. نتيجة للتقارب
والجوار , ورغم الاختلاف فيما بينها نسبا .
مثال ذلك لعبة " الدحة " والتي تؤديها نصف قبائل وسط وشمال الجزيرة العربية وجزء كبير من بلاد الشام والعراق .
أما إذا اتجهنا جنوبا ناحية اليمن - فإن الثراء التراثي سنراه يزاد كثافة بصورة ملحوظة , وإذا ما استثنينا المناطق الساحلية المحاذية لتهامة والمقابلة للساحل الإفريقي نتيجة لتأثر هذا الشريط بمختلف التأثيرات , ثم واصلنا المسير إلى قلب اليمن .. ذات التاريخ العظيم الضارب في أعماق التاريخ , ومن قيل بان أصل العرب منها فسوف نصاب بالذهول مما تحتويه هذه البلاد من آثار عظيمة قل أن نرى لها مثيلا في أي بقعة من العالم , غير أن هذه الآثار الشامخة والقصور الفارهة , والسدود والنقوش العجيبة , والقطع النادرة باتت مثل يتيم فقد والديه في صحراء قاحلة , فهو لن يلبث أن يلحق بهم آجلا أم عاجلا .
فقد مضوا من شيدوا تلك الحضارات وانقرضوا , أو غادروا تلك الديار من آلاف السنين , وقد لا يكون من نسلهم حاليا هناك إلا قلة فقدوا ماضيهم مع رحيل أجدادهم .
لذا فالمرء يصاب بخيبة الأمل حينما يبحث في هذه البلاد ذات الحضارات العريقة عن تراث شعبي غزير يتوازى ولو بعض الشيء مع تلك الآثار التي لا تحصى ولا تعد .
فلا نجد إلا تراث هزيل لو جمعناه من أقصى اليمن إلى أقصاه لن يصل إلى ثراء تراث منطقتنا مع الاختلاف الشاسع في مساحة المنطقتين جغرافيا , والاختلاف
السكاني الكبير . ( 8 )


خصائص منطقتنا وساكنيها
================






مما مضى يتضح لنا عدة أمور :
1- ان هناك فرق بين الحضارة الماضية والتراث , فالحضارات الماضية قد انتهت ولم يبقى إلا بعض آثارها المادية والإنسانية والفكرية , فأما الإنسانية فهم نسل هذه الحضارة , والتي لن تغني عنهم شيئا حضارة أجدادهم إذا لم يكونوا امتدادا بنائيا لها مع الامتداد التناسلي , وأما ثقافيا : فما هذه الثقافة في معظمها - إلا التراث الذي اما أن يحافظوا عليه أو يضيع كما ضاع الكثير من المقومات الحضارية التي تلاشت قبلهم , وأما الآثار المادية فما هي إلا تراب وصخور ومعادن , قد يكون أجدادهم من تركها وقد لا يكونون , ولذا فالفلكلور وحدة هو المقياس .. وهو المفخرة الحقيقية التي تدل على الثروة الموروثة لهذا الشعب , وهو من يعطيهم قيمتهم .. ويثبت بالدليل القاطع أصالتهم وعلوا كعب أجدادهم لأنه برهان حاضر مازال حيا .
2- في مجال التراث الشعبي ليست العبرة بضخامة المسميات وشهرتها , ولا بالكثرة العددية للشعوب والقبائل , وإنما بنوعية هذا التراث وأصالته وتميزه .
ومن هذه النقطة نبدأ فصلنا هذا حول تراث منطقتنا , ولكن قبل ذلك دعونا نتسائل هل لمنطقتنا امتداد جنوبا أو شمالا أو غربا أو جنوبا حتى نظم لنا قبائل أخرى تشترك معنا في تراثنا حتى لا نحصره فقط على هذا الشعب بعينه ؟! .
والجواب : ان منطقتنا يمكن تحديد خصائص ساكنيها بتسعة أمور قد يشاركهم غيرهم في بعضها ولكن ليس فيها جميعا :
1- هم شعب عربي نقي السلالة لا يوجد بينهم تقريبا أي شخص اسمر البشرة , وهذه ليست بميزة ولا بمفخرة فقد يكون من بين السود من هم أكثر شجاعة وشهامة وكرم , وخير عند العباد ورب العباد . ولكن هذا دليل قاطع على حذر هذا الشعب من الأعراق الأخرى , وانغلاقهم على أنفسهم .
2- هم شعب يضع على رأسه النباتات العطرية بطريقة معينة , وهي عادة قديمة من آلاف السنين , ولا يشاركهم في هذه العادة أي شعب آخر في الجزيرة العربية وحتى خارجها .
3- هم شعب يلف حول خصره ازارا مفتوح الطرفين , يصل لما دون الركبة بقليل .. كان قديما عبارة عن قطعة من القماش الأبيض أو المائل إلى البياض , فأصبح حاليا بأنواع وألوان مختلفة , إلا انه يبقى ( ازارا ) مفتوح الطرفين مهما تعددت أنواعه وألوانه .



image



ثم يشتملون بقطعة أخرى يضعوها من تحت الإبط .. ثم يرمون طرفها الأخر خلف الظهر .. ولا يرتدي الرجال قديما أي لبس آخر غير هذا .

وفي الوقت الحاضر اضطروا لارتداء ملبوسات أخرى .. ليس حبا في التغيير أو تطوير ملبوساتهم وإنما نتيجة للضغوط الممارسة عليهم .. حيث لم يعد من اللائق السير بدون لباس يغطي الصدر .. اما حضاريا فالبس المحلي غير مرحب به للأسف الشديد في بعض التجمعات والدوائر الحكومية .
وهذا ناتج عن تخلف وليس عن تحضر .

4- يتسلح أحدهم بخنجر في وسطه يسمى ( منقلة ) . وتسمى في مناطق أخرى ( شفره ) . وكانت نوعين ( معجمة ) , وهي ذات القبضة المغلقة . و (مخلفة ) , وهي التي تتكون من طرفين حادين , احدهما من ناحية الرأس تستخدم للأغراض العامة وتذكية المواشي . وطرف حاد جدا يختفي داخل قبضتها . يستخدم لحلاقة الرأس أو الشارب . ويتسلحون أيضا بما يسمى ( جنبية ) , وهي خنجر طويل أقل طولا من السيف وأعرض منه قليلا .. وذات غمد وحاشية من الجلد على شكل ذوائب منسدلة من طرفها المدبب .
وترتدى تحت السرة بشكل عمودي جاعلين حدها جهة البطن , وذلك بخلاف مختلف القبائل الأخرى التي ترتدي هذا النوع بطريقة أخرى جاعلين بطنها جهة البطن , ولا ترندى أيضا من الأمام مباشرة , وإنما تميل إلى جهة اليمين , من ناحية الجانب الأيمن للجسم . ومن هنا جاء مسماها ( جنبية ) .
وهذين السلاحين معروفين في جنوب الجزيرة العربية منذ آلاف السنين , فقد ظهرا بكل وضوح في العديد من النقوش والمنحوتات السبئية وغيرها .


image


وأما ( الجوفية ) ذات الغمد المعقوف والتي تسمى في اليمن وعسير وقحطان ويام والباحة وغيرها ... ( جنبية ) نتيجة للجهل فليست من تراث منطقتنا بتاتا , ولا ترتدى في ( الجنب ) حتى يسمونها ( جنبية ) .. واسمها الصحيح ( جوفيه ) لأنها تلبس بالفعل أمام جوف الإنسان الذي هو " البطن " .
وكما يسميها أهل منطقتنا , وحافظوا على هذا المسمى آلاف السنين رغم أنها ليست من تراثهم .


image


5- ترتدي النساء ما يسمى ب ( صدرة ) . وقد يظن البعض بأنه لباس حديث أو جاء بطريقة عشوائية تبعا لما توفر في الأسواق .. أما الحقيقة فإنه لباس قديم جدا بقي على نفس الصورة تقريبا مئات السنين .

فبصرف النظر عن كون هذا اللباس فضفاضا أم ضيقا .. فالقاعدة الثابتة فيه أن يصل لنصف الساق , وأن يرتدى معه إزارا مثل إزار الرجل إلا انه أغمق منه لونا . ولذا فقديما كان أهالي المنطقة يضطرون لشراء خامات قماش ثم تقوم نساء معينات بخياطته بالإبر العادية ( المسلات ) حسب الزي المتوارث .. وإذا لم تجد النساء قماشا أسود أو داكن اللون قمن بصباغته بواسطة عصارة بعض النباتات .

في المناطق المرتفعة والباردة كانت النساء يضعن على رؤوسهن قطعة من قماش مطوية طوية واحدة .. ثم يربطنها بمنديل أو سير من قماش .

اما في المناطق الحارة والسهول فالنساء يكتفين بوضع قطعة خفيفة من القماش فوق رؤوسهن .. ويضعن فوقها ( طفشة ) لتقيهن من الشمس .

كما ان معظم النساء في جنوب الجزيرة العربية يرتدين ثيابا ضيقة نسبيا .. ومن تحتها سراويل طويلة تعتبر زيا رئيسا مثلما هي البناطيل اليوم .


image






6- تزين النساء شعر رؤوسهن بطرق مختلفة , ولكن أبرز تلك التزيينات وأكثرها تميزا وغرابة هو ما يسمى ب ( الخرشة ) , وما فيها من فن رفيع ومراحل معقدة .. لعل أبرزها تكوين ما يشبه القرنين في أعلى الراس يملئان بمختلف الأطياب , وهذه العادة التي من المؤسف بأنها قد انقرضت تقريبا كان ينبغي أن تكون حية إلى الآن .. لما فيها من ذوق رفيع وتعطي المرأة مسحة من جمال لن تبلغه بأية تسريحة حديثة .
7- يؤدي الجميع تقريبا لعبة ( الدورية ) . وهذه اللعبة الحصرية التي لا تعرف إلا في منطقتهم , وليس لها شبيه بين مختلف الألعاب الشعبية في الجزيرة العربية - ولو لم يكن لهم ميزة أو صفة تميزهم عن غيرهم إلا هذه اللعبة لكفت . [ وفي موضوع خاص عن هذه اللعبة ستقرأون ما يذهلكم حولها ]

هذه سبع خصائص من التسعة .. تميز بها سكان منطقتنا عن غيرهم , وبالطبع فليس من الغريب أن نجد هنا أو هناك من يدخل ضمن بعض هذه الخصائص , حيث أن النسب والجوار له دور في ذلك .. فإذا ما رحلت عائلة من منطقتنا إلى ناحية أخرى فمن البديهي أن ينقلون معهم عاداتهم وتقليدهم وأعرافهم .. وأن يؤثرون ويتأثرون بجيراهم الجدد الذين يعيشون بين ظهرانيهم . كما ان القبائل المحادة لنا في الأطراف سوف نأخذ منهم ويأخذون منا , ولذا فليس من الغريب أن نجد تشابه كبير في الكثير من الأمور بيننا وبين قبائل ( رجال المع ) و ( تهامة قحطان ) و ( تهامة شهران ) و ( بارق ) ... الخ .
بل ليس غريبا إذا اكتشفنا في يوم من الأيام بأنه يجمعنا مع هؤلاء نسب واحد . أو يكونون جزء منا أو نكون جزء منهم .
ولكن بما أن لكل شعب من الشعوب مركز ونقطة بداية وانطلاق فحتما لن يكون ذلك المركز إلا موضع قد احتفظ بالكثير من الأدلة والبراهين على كونه هو اللب والرحم الأول لهذا الشعب . (8)



منطقتنا هي الأكثر غنى وتميز في تراثها
======================


image


بعد أن أثبتنا بأن منطقتنا متميزة في عرقها وتراثها . وان لها خصوصيتها التي تجعل منها كتلة واحدة لا يمكن تجزئتها أو حتى تشابهها مع الآخرين - سندخل الآن إلى لب موضوعنا , وهو عظمة تراث المنطقة من خلال العنصر الوحيد الذي اخترناه وهو " الألعاب الشعبية " أو " الرقصات الشعبية " .
فإذا ما حصرنا الألعاب الشعبية لهذا الصقع سنجد بأنها تحتوي على ( 15 ) لعبة شعبية , تتدرج من البساطة الشديدة التي تمثلها ( الهزميلة ) , إلى قمة التعقيد في الحركة الجسدية والأنغام الصوتية التي تمثلها ( العرضة ) , فلكل لعبة من هذه الألعاب خصائصها التي تميزها عن غيرها اسما وأداء ونوعية . وهذه الألعاب هي :

[1- عرضة الطرح ] [ 2- عرضة الترحيبة ] [ 3 عرضة الزامل ] [ 4 عرضة التكثيرة ] [ 5 الهصعة ] [ 6 الشارقي ] [ 7 الرقصة ] [ 8- الدورية ] [ 9 المربخة ( الصفقة ) ] [ 10 المرعة ] [ 11 الحادي (10) ] [ 12- المشيبة ( الرزفة ) ] [ 13 الهزميلة ] [ 14- الدمة ] [ 15- ....... ] . ( 9 )

( 15 ) لعبة لكل منها العديد من الألوان المرتبطة بالوزن الشعري أو الحركي .. والتي لو حصرت جميعا لتجاوزت ( 150 ) لونا شعبيا .
فبعد محاولة مضنية لحصر الألوان الشعبية لها تمكنت إلى الآن من توثيق وحصر ( 113) لونا شعبيا . وأعتقد جازما بأن العدد الكلي لكافة الألوان والأنماط لهذه الرقصات والألعاب لن يقل بأي حال من الأحوال عن ( 150 ) لونا .. فالدورية وحدها وهي لعبة واحدة فقط تؤدى بأكثر من ( 40 ) لون .

وهذه الألعاب منها ما هو خاص بالرجال
ومنها ما هو محصور على النساء

ومنها ما يؤدى بصورة صامته مثل ( الشارقي )
ومنها ما يؤديه المشاركين فيها وهم واقفين دون حراك , ومنها ما يؤدى مع حركة راقصه .

ومنها ما يسمح بالإنشاد الشعري مباشرة مع الأداء , وأخرى ينبغي أن تحفظ سلفا الأبيات الشعرية , أو يكتفى بمقطع شعري محدود يردد حتى انتهاء الأداء .

ومنها ما يؤدى في أية مناسبة , وأخرى لابد أن تترافق مع مناسبات معينة دون غيرها .

ومنها ما لا يؤدى إلا في أوقات معينة ليلا أو نهارا , وأخرى يمكن أن تؤدى في أي وقت .

ومنها ما تؤدى بصوت حاد مرتفع , وأخرى بصوت منخفض .

ومنها الحماسية العنيفة التي تتلاءم مع مناسبات بعينها , وأخرى عاطفية ذات نغم حزين أو يثير الشجون .

ومنها ما تؤدى على شكل صفين متقابلين .. ومنها ما تؤدى على شكل صف واحد .

ومنها ما تؤدى ولاعبيها متماسكي الأيدي .. وأخرى ليس شرط تماسك لاعبيها بأيديهم .

ومنها ذات الحان طويلة .. وأخرى الأبيات التي تنشد فيها قصيرة جدا .

ولذا فهذه الألعاب تناسب كل الأذواق .. وتتناسب مع كافة المناسبات .
وما على أية مجموعة من الناس إلا اختيار ما يناسبهم منها .. ويؤدونها بما يتوافق مع ميولهم أو طبيعة المناسبة التي يريدون إحياءها .

انه لمن العجب أن يجد المرء هذا العدد الكبير للألعاب الشعبية في منطقة صغيرة مثل منطقتنا لا يتعدى عدد سكانها ربع مليون نسمة , فهذا التراث الزاخر يساوي تراث دولة من الدول , بل أتحدى أي باحث في الفلكلور يجد دولة أو مجتمع من المجتمعات يملكون العاب أصيلة تزيد على هذا العدد .. فالتميز والأصالة هما الفيصل الذي يفرق ما بين الذهب والنحاس .. فمهما تشابها هذين الفلزين المعدنيين سيبقى لكل منهما جوهرة وقيمته .

فيا سبحان الله !! .. لم يكفي هذا العدد الهائل من الألعاب الشعبية وألوانها بعض الناس فأخذوا يسطون على رقصات الآخرين ويتباهون بتأديتها !! .
تركوا (15) لعبة ومع ما يزيد عن ( 150 ) لونا شعبيا تحت أيديهم ويمموا نحو مجتمعات لا يملكون ربع هذا العدد مشكوك حتى في أصالتها وسلبوهم إياها أو شاركوهم فيها .




_____________________
1- يلاحظ البعض بأنني تارة استخدم مسمى ( العاب شعبية ) و تارة مسمى ( رقصات شعبية ) . مع أن كل منهما يطلق على عنصر مختلف من عناصر الفلكلور .. فالألعاب الشعبية هي في الأساس تلك الممارسات الترفيهية التي يمارسها الأطفال وأحيانا الكبار كنوع من المباريات والمسابقات . بينما الرقصات الشعبية يقصد بها كل حركة تطريبية أو حماسية يمارسها الكبار عادة استعدادا للحرب أو لإحياء مناسبة فرح أو عبادة أو غير ذلك . وكل المصطلحين غير دقيقين فهما لا يعبران بدقة عن المقصود .
2- من أراد تعريفا للفلكلور فسوف يجده على هذا الرابط :

http://www.jazan.org/vb/showthread.phpt=8876
3- ..............................................
4- عرفت الشبابة منذ العصر الجاهلي وبنفس الاسم الذي مازال أهل جهاتنا يطلقونه عليها .
5- هل سأل أحدكم نفسه عن سبب ( وضع النباتات العطرية على الرأس )!! .. وما سر هذه العادة التي تفرد بها شعب بعينه دون سواه ؟!! .
6- وهذا ما يفسر عشق أهل المناطق الساحلية للرقص .. والثراء الفلكلوري للمناطق مختلطة الأعراق .. حيث تجمع شتات حضارات وشعوب وأعراق مختلفة ومتباينة .
7- أين مركز وعاصمة ( انافية القديمة ) ؟! .
8- تبلغ عدد الرقصات الشعبية في اليمن ما يقارب (25 ) رقصة , ثلثي هذا العدد من الواضح جدا عدم أصالتها , أو تشابهها الكبير فيما بينها ,, مما يجعل كل منها مجرد لون مختلف لنفس الرقصة .
9- هذه اللعبة ما زلت أبحث عن مسماها الصحيح .
10- الحادي لعل أصله ما كان يعرف ب ( الحداء ) منذ العصر الجاهلي .
____________________________________________


image

 20  0  4485
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:01 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.