• ×

11:29 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

السحر و أهله

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السحر وأهله
بقلم الأستاذ : عبد الله بن علي قاسم الفيفي




الحمد لله عالم الغيب والنجوى، يعلم سبحانه السر وأخفى، ولا يطلع على غيبه احد لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا إنساً ولاجناً، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
الإنسان دوما يتطلع إلى المجهول، ويخاف منه، ويتعلق بالمغيبات، ويحاول الوصول إليها، وكشف أسرارها، لأجل ذلك انتشر على مر الدهور أهل الكهانة والشعوذة والسحر، ومن يدعون أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون فيه، فيوهمون الناس بقدراتهم تلك، وهي في حقيقتها كذب ووهم يضللون به الآخرين، فالمدعي منهم يستغل ذكائه، ويوهم المتحدث معه بحيله الماكرة، وإعداده الجيد لها، فيوحي إلى الآخرين بصدق ما يدعيه، وحقيقة ما يقول وما يفعل، قال تعالى ( قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاء بسحر عظيم ) وقال تعالى (قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) فهو مجرد خداع وتخييل ووهم للمتلقي، فلو كان هولاء المدعون لديهم القدرة الحقيقية، لنفعوا أنفسهم قبل أن ينفعوا الآخرين، أليس مما يدعوا للعجب والمسائلة أن الساحر لا يستغل سحره في الإطلاع على الكنوز واستغلالها، أو الدفاع عن نفسه إذا أريد بها الضرر، أو مما يعترضها من الأمراض والعوارض، فهو اعجز من ذلك، ولكن لديه القدرة على إدخال الوهم على الآخرين، والإيحاء لهم بصدق ما يفعله ويقوله .
فالسحر في حقيقته وهم وكذب وضلال، يستعين فيه الساحر بشياطين الجن فيلبسون على الناس، وقد يصيبونهم بالضرر بعد تقدير الله سبحانه وتعالى، والسحر ضد الإيمان لا يلتقيان أبدا، فالساحر كافر بنص الكتاب والسنة، فبما أن لكل شيء ثمن، فالساحر لا يتوصل إلى تعلم السحر إلا بزوال إيمانه، فالسحر عقد مع الشياطين، لا يطيعونه ويعملون له إلا بعد أن يقدم لهم دلائل الولاء والطاعة، واهم هذه الدلائل الكفر بالله، والخروج من ملة التوحيد، فإذا تأكد لهم انه قد كفر وخرج من ملة التوحيد، عقدوا معه الاتفاق، وذلك شرط أساسي لازم (وما يعلمان من احد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) فالسحر لا يجتمع مع الإيمان أبدا، فالساحر كافر، والسحر من اكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات، قرن بالشرك وقتل النفس التي حرم الله قتلها، قال صلى الله عليه وسلم ( اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال :الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واكل الرباء، واكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المومنات الغافلات ) فالساحر كافر جزاءه المستحق النار، ولو قدر لأحد أن يرى ساحرا لعرف من شكله وتصرفاته دلائل الكفر، فهو دوما في حيرة وقلق واضطراب وعدم استقرار، ليست عليه طمأنينة المومن ولا طهارة المسلم، وكلما تعرفت عليه من قرب أتضح جلية ذلك أكثر وأكثر، تلقاه يعيش في عزلة، قليل الاختلاط بالآخرين، لان أوليائه من الشياطين لا يحبون ولا يقبلون كثرة الاختلاط بالناس .
إن هولاء الشياطين من الجن في حقيقتهم لا يعلمون الغيب كما يظن الكثير من الناس، ولا احد يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، قد استأثر لنفسه بذلك، قال تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ) وقال تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) وقد نفى ذلك عن الجن نفيا قاطعا، في قصة ملموسة محسوسة تمس فئة منهم، تدل على أنهم لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمون الغيب لنفعوا به أنفسهم في ذلك الموطن، قال تعالى عن سيدنا سليمان عليه السلام ( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) فالله أراد التأكيد على أن هولاء الجن بالذات لا يعلمون الغيب، فالله عندما سخرهم لسليمان عليه السلام، من ضمن من سخر له من المخلوقات، جنودا وعمالا يعملون له ما يشاء، أية له وملك لا ينبغي لأحد من بعده، فلما قضى الله عليه الموت ،وهو على كرسيه متكأ على عصاه( المنساة) بقي جالسا معتمدا عليها، فإذا مر به الجن ظنوه حيا، وهابوه فغدوا إلى أعمالهم، وقد لبثوا على ذلك فترة طويلة، حتى أن الأرضة (دابة الأرض) أكلت العصا التي كان معتمدا عليها، فلما تحللت سقط سليمان عليه السلام ،فعرفت الجن بموته وتفرقوا، فلو كانوا يعلمون الغيب لعلموا بموته عليه السلام وهو أمامهم، وهذا اكبر دليل على انتفاء ذلك! فإذا لم يعلموا بشيء محسوس أمامهم فما بالكم بغيره من المغيبات، وإنما الجن بما لديهم من خاصية عدم رويتهم، يخالطون الناس فيرون أفعالهم ويسمعون أقوالهم، فينقلون ما يرونه وما يسمعونه إلى الساحر، الذي تعاقدوا معه إذا طلب منهم ذلك، فحينها يخبر هذا الساحر بذلك الفعل أو ذلك القول عن فلان وفلان ممن يمسهم الأمر، فيظن المستمع الضعيف الإيمان وبالأخص إذا كان هذا الأمر سرا لم يطلع عليه احد،فعندما يخبره به الساحر يظن انه يعلم الغيب، أو انه يطلع على ما لا يعلمه احد، وتكون تلك أولى المداخل لهذا الساحر على هذا الواقف في حيرة بين يديه،فيحبك حينها حول هذه الكلمة الصادقة مائة كذبة، وقد كان مصدره للتوصل إلى هذه الكلمة الصادقة أولياءه من الجن، تسللوا إلى حياة هذا المسكين ونقلوا عنه تلك الكلمة أو الخبر إلى الساحر،فاستغلها وبنى عليها وزاد بما يوافقها، قال تعالى عن الشياطين (انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يومنون ) فكل ساحر لابد أن يعقد حلفا مع بعض الشياطين يوالونه ويطلعونه على بعض أسرار الناس، فيستغلون خاصية عدم رويتهم وتخللهم في كل مكان لا يذكر فيه اسم الله للوصل إلى ذلك.
والشياطين تحقق من خلال هذا الساحر الكثير مما تعجز عن أدائه بنفسها، فالشيطان قد نذر أن ينغص على الإنسان حياته ويحرمه الإيمان، فهو يعمل جاهدا على ذلك، قال تعالى حاكيا عنه (قال ارايتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا/ قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا/ واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) فالشيطان نذر نفسه إغواء ابن ادم، وتلك وظيفته على هذه الحياة، فالساحر يودي له الكثير من هذه الوظيفة، زيادة على انه قد أضله نفسه وضمن انه من أهل النار، فالشيطان هو الفائز الوحيد، يدخل من خلال هذا المنزوع الإيمان، فيسيطر به على الكثير من الناس ممن يشبهونه بضعف إيمانهم، فيزيدهم كفرا على كفرهم، وأما المومن القوى فهو يتحصن عن هذا الشيطان بذكر الله والتعوذ بالله، قال تعالى ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم / إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) فالشيطان ضعيف في ذاته، ولكنه يوسوس ويوثر على ضعاف النفوس ضعاف الإيمان من بني ادم، ويستخدمهم جنودا له يحققون ما عجز هو عنه، وقد أوضح الله لنا ضعف حيلته،قال تعالى ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا )فالشيطان ضعيف لا يملك إلا الوسوسة والتلصص، فإذا وجد من بني الإنسان من باع نفسه له، نفخ فيه وزوده بأسرار الناس التي يطلع عليها من خلال مخالطته لهم دون أن يحسوا به، فهم يسترقون السمع ويتجسسون على الناس وعلى الملائكة، ويتلقفون الكلام وينقلونه إلى وليهم الساحر، ليستغله في إيهام الناس بأنه يطلع على الأسرار، ويعلم ما تخبئه الأقدار، وقد كان الجن يسترقون السمع من السماء، حتى إنهم منعوا من ذلك ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ( وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا / وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) وقال تعالى ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين / وحفظناها من كل شيطان رجيم /إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين ) فالساحر يكون أداة بيد هولاء الشياطين، ينقلون إليه أسرار الناس ليستغلها كما ذكرنا،ويوهمهم بقدراته العجيبة وهو اضعف من أن ينفع نفسه، سال رسول الله صلى الله عليه وسلم اناس عن الكهان فقال (ليسوا بشيء )فقالوا : يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا بشئ فيكون حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في إذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة ) وقال صلى الله عليه وسلم (إن الملائكة تنزل في العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضى في السماء فيسترق الشيطان السمع فيسمعه فيوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ) فالساحر أو الكاهن إذا صدق في واحدة كذب معها مائة كذبة، فهو كاذب يخدع الناس الذين ضعف إيمانهم، فيوقعهم في حبائله ويوهمهم بقدراته العجيبة،قد باع نفسه للشيطان، وأصبح خادم له يضل به الآخرين، فهو من أصحاب النار، قال صلى الله عليه وسلم ( من يعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا كان آخر عهده من الله ) قال تعالى ( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ) أي ليس له نصيب في الآخرة، فهذا هو حال الساحر، وأما من يأتيه ويعتقد فيه فهو على قدر اعتقاده فيه وتصديقه له ،فيكون الإيمان في قلبه ناقص أو زائل بالكلية،فالذي يأتي الساحر مجرد الإتيان قليل الإيمان، وكلما صدق ما يقوله واعتقد فيه زال هذا الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم (من أتى كاهنا أو ساحرا وصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد ) وقال صلى الله عليه وسلم ( من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) فمجرد الإتيان إلى الكاهن أو الساحر دليل ضعف الإيمان حتى ولو لم يصدقه، فمجرد الإتيان دليل على أن الشك داخل إيمانه، فاستحق حرمانه من ثواب صلاته أربعين ليلة، وقال صلى الله عليه وسلم ( من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن عقد عقدة ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد ) قال تعالى ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس الم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم اياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين )
إن السحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات، التي تحصل بسببها للمسحور من الخواطر الفاسدة، الشبيه لما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، والسحر حقيقة ثابتة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه سحر، وسحره لبيد بن الاعصم اليهودي، حتى كان يخيل إليه صلى الله عليه وسلم انه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه، ثم شفاه الله سبحانه وتعالى.
انه نوع من التخيلات التي لها تأثيرات نفسيه، وإيحاءات متخيلة محدودة المفعول، قال تعالى ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) فهو علم كله ضرر ،ضرر على الساحر نفسه بفقد إيمانه، فيخسر الدنيا والآخرة، وضرر على من يأتيه فيختل بسبب ذلك إيمانه، فلا نفع في السحر ولا في أهله ولا في تعلمه،والسحرة لا مكان لهم بين المسلمين، لان الإسلام بري منهم، فالمسلم بإيمانه وما هداه إليه دينه من عدم الاعتقاد بضر أو نفع إلا من الله وحده، وان الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وإيمانه الثابت بالقدر خيره وشره، كل ذلك يبعده عن الذهاب إلى هولاء الدجالين، أو السكوت عنهم يمارسون ضلالاتهم في مجتمعات المسلمين.
المسلم مطالب إذا علم بشيء من ذلك أن يبلغ ولاة الأمر ليقمعوا أهل الشرك والضلال، الذين يوثرون على معتقدات المسلمين، ومن يخاف التبليغ عنهم خوفا من أذيتهم له فهو يعطى بذلك دليل على ضعف إيمانه، فالنافع والضار هو الله وحده لا احد سواه، وكما سبق وقلنا لو كان في السحر نفع لنفع الساحر نفسه، ولكان من أحسن الناس عيشا وأكثرهم مالا، ولحمى نفسه من أن يعتدى عليه، أو أن يعتريها عارض، ولكنه اعجز من أن يفعل ذلك فكيف بالله ينفع غيره .
إن المسلم مطالب بان يحتكم إلى دينه الذي يساير العقل، دين الوضوح والطمأنينة، فلا يتبع كل ناعق يدعو إلى الكفر والضلال من أولياء الشيطان، جاء ركب عشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع تسعة وامسك عن رجل منهم فقالوا ما شانه فقال : إن في عضده تميمة فقطع الرجل التميمة فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال (من علق فقد أشرك ) وقال صلى الله عليه وسلم (من علق شيئا وكل إليه ) فمجرد الشك أن مع الله احد يضر أو ينفع يخرج الإنسان من الإيمان، فالإيمان لا يقبل إلا جملة واحدة فلا يتجزأ ولا يداخله الشك والارتياب .
نسأل الله أن يرزقنا الإيمان الثابت، وان يعيذنا من الشرك وأهله، وان يطهر مجتمعاتنا من كل ما يوثر في إيماننا، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.

بواسطة : faifaonline.net
 4  0  834
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:29 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.