• ×

05:00 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

خطر التعالم على دين الله تعالى

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن من شر البلايا ، وأعظم الرزايا ما ابتليت به الأمة الإسلامية من عدوان على دينها الحنيف ! ، وعقيدتها السمحة الصحيحة الصافية !! من زمرة المتعالمين الذين يتاجرون بدين الله تعالى ، ويسطون على أحكام شرعه المطهر ! ، زاعمين أنهم أتوا بما لم يأتي به الأوائل!! ، وأنهم الراسخون في العلم !! المحققون في المسائل !! ، الذين نبغوا !! فبزُّوا الأقران !! ، وسبقوا العلماء !! فتحاً من الله عليهم !! وكرامة خُصّوا بها في آخر الأزمان!! ... فهم يقسمون بالله الأيمان المغلظة حانثين دون تكفير!! أنهم ما راموا البروز!!، ولا التصدر أو الظهور!! ؛ وإنما الأقدار ساقتهم ، والكرامات نزلت عليهم بفهم للإسلام جديد!! ، وأعجب ما في هذا الفهم الجديد أنه يقترب من أعداء الدين والملّة ، ويلتقي مع أفكارهم ودعواتهم المشبوهة!! ، فأهمُّ ما في هذا الفهم الجديد أنه يجتزئ من الأدلة ما وافق الرغبة والهوى !! دون مراعاة لضوابط الاستدلال!! - وإن استدلّوا فللاعتضاد ، لا للاعتماد - ، أو نظرٍ في أقوال أئمة الإسلام الذين حفظ الله بهم الدين من التحريف والتبديل ؛ فأفنوا أعمارهم تحت راية قال الله وقال رسوله ، دون أن يشرقوا ، أو يغربوا ، أو يتملقوا ، أو يتزلفوا لأحد من الناس كائناً من كان ..
هؤلاء المتعالمون هم الذين حرّفوا دين الله تعالى ، وأشغلوا علماء الأمة الأجلاء ، وزادوا حال الأمة وهناً على وهن ، فزاد الخلاف وكَثُرَ الاختلاف و ( لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف ) كما أشار إلى ذلك الأجلاء من العلماء .
ولقد شكى من زمرة المتعالمين كثير من العلماء المحققين قديماً وحديثاً ، كما قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى :



هذا وإني بَعْدُ ممتحنٌ بأر = بعة وكلهم ذوو أضغان
فظٌّ ، غليظٌ ، جاهل متمعلمٌ = ضخم العمامة ، واسع الأردان
متفيهقٌ ، متضلع بالجهل ، ذو = ضلع ، وذو جلح من العرفان
مُزْجَى البضاعة في العلوم وإنه = زاجٍ من الإيهامِ والهذيان
يشكو إلى الله الحقوق تظلماً = من جهله كشكاية الأبدان
من جاهل مُتَطبِّبٍ يُفْتِي الوَرَى = ويحيل ذاك على قَضَا الرحمن

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : (( إذا تكلم المرء في غير فنّه ، أتى بهذه العجائب )) .
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : (( اللهم إنا نشكو إليك هذا الغثاء )) .
ويقول ابن حزم رحمه الله تعالى : (( لا آفة على العلوم وأهلها أضرُّ من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها ؛ فإنهم يجهلون ، ويظنون أنهم يعلمون ، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون )) .
ويقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى : (( قلَّما تقع المخالفة لعمل المتقدمين ، إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً ، أو مغالطة )) .
ويقول الشيخ العلامة الدكتور: بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء سابقاً - رحمه الله تعالى بعد أن أورد شكاية السابقين من زمرة المتعالمين في كتابه القيم " التعالم وأثره على الفكر والكتاب " يقول: (( كيف لو رأوا في زماننا تكاثرهم ، حتى سَامَوا باعة البقول عدداً ، ولم يَبْقَ منهم من يُحسن الجمع بين كلمتين إلا استطال على منازل العلماء ؟ ، فهؤلاء المنازلون في ساحة العلم ، وليس لهم من عدة فيه سوى ( القلم والدّواة ) هم : الصَّحفية المتعالمون، من كل من يدعي العلم وليس بعالم ، شخصية مؤذية ، تتابعت الشكوى منهم على مر العصور ، وتوالي النُّذُر ، سلفاً وخلفاً ... ) .
وأقول : كيف لو رأى سماحته وغيره من أجلاء علماء الأمة في هذا الزمن ممن غيبتهم المنون كالشيخ العلامة ابن باز والألباني والعثيمين والجبرين... من يُفتون اليوم بالاختلاط وخلع الحجاب والدعوة إلى خروج النساء سافرات يقدن السيارات ، ويسابقن الرجال في الشوارع والحارات !! ، وكيف لو رأوا متعالمي اليوم وهم يتنقلون بين القنوات !، ويُسوِّدون الصحف والمجلات بآرائهم الفجّة ، وأفكارهم التي تُلَبِّسُ على الناس في أمر دينهم ، وتخالف النقل والعقل والفطرة النقية السليمة ، وتُلَوّثُ القلوب والعقول بأمراض الشبهات والشهوات.. فماذا كانوا سيقولون ويفعلون ؟؟!! .
نعم ، إن الأمر قد ازداد سوءاً ، والمتعالمون قد ازدادوا جرأة وصفاقة!! ، وأعداء دين الله ممن يضيقون ذرعاً بأوامر الله ونواهيه يصفقون لهؤلاء المتعالمين ، ويطبلون لهم ، بل ويُسخرون لهم كل وسائل الإعلام ليساهموا في التشكيك والتلبيس على عباد الله تعالى .
ولعلي هنا أشير إلى بعض الطوام التي تفتقت عنها أفكار بعض المتعالمين في مجتمعنا المحلي ، ليعلم خطر أفكار هؤلاء المتعالمين :
1.أحدهم بدأ قبل سنوات فادعى العلم ، وهاجم العلماء ، وتجرأ على كل الثوابت والمسلمات ، فأتى بالعجائب ، وخالف منهج أهل السنة والجماعة ومعتقدهم!! ومن ذلك : أنه زعم أن القول بعدالة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم خطأ كبير وفادح!! ، وأن الإمساك عمّا شجر بينهم بدعة!! ، وفي المقابل دافع عن عبد الله بن أُبي بن سلول !! رأس المنافقين ، واليهودي عبد الله بن سبأ!! ، الذي حرّك الفتنة على عثمان  ، كما زعم هذا المتعالم أن السجود لغير الله ليس شركاً !! ، وأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم ليس شركاً ، لا أكبر! ، ولا أصغر!! ، بل إنه إما ( لا بأس به ! ، أو مباح ! ، أو مندوب!!) . كما ردَّ أحاديث صحيحة ، بل متفق على صحتها!! وزعم أنها باطلة!! ، وأنه لا يقول بمضمونها مسلم أبداً !! ولا أدري هل أهل الحديث مسلمون عنده أم لا ؟!!؛ لأنهم لم يوردوها إلا وهم يقولون بمضمونها ويؤمنون بها، والأمة تبعٌ لهم في ذلك.
ومن عجائب ذالكم المتعالم أنه زعم أن أبا بكر الصديق ، رفيق المصطفى في الغار، وأول المبشرين بالجنّة ، وأحبُّ الناس إلى قلب رسول الله ... زعم هذا المتعالم أنه وأنصاره داهموا بيت فاطمة بنت رسول الله  وعليها السلام !! ، وأكرهوا أنصار عليٍّ  على بيعة أبي بكر!!  أجمعين ... وغير هذا كثير وكثير!!، وما زال سادراً في غيه ، محارباً لأهل السنّة والجماعة ! ، ومناصراً لأهل البدعة والضلالة!! .
نسأل الله السلامة والعافية من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
2.وآخر فاجأ الناس من أرض الحرم بما يهدد الأعراض والحرمات !، ويثير الشبهات!، ويحقق أحلام أهل الشهوات!!، فحمل راية الدعوة إلى الاختلاط!! ، والقول بعدم وجوب الحجاب !! زاعماً أن ترهاته هي دفاعٌ عن الدين!!!، وتمسكٌ بنهج خير الأولين والآخرين محمد  !! ، فإلى الله المشتكى ، وعنده يجتمع الخصوم ، وهو الموعد  بين الذائدين عن الدين ، والمتاجرين به .
وغير هذين المثالين كثير!! ، - لا كثَّرهم الله - ، ولكن مما ينبغي معرفته: أن هناك قواسم مشتركة بين المتعالمين منها:
- أنهم ليسوا طلاب علم شرعي !! في الغالب - .
- يتبعون الهوى ، ولا ينصاعون للحق إذا بُيِّن لهم !! إلا ما رحم ربي - .
- أنهم يحبون الغرائب والشواذ من الأقوال .
- أنهم يحرفون النصوص ! ، ويؤولونها بما يخالف منهج أهل السنة والجماعة .
- يُشْغِلون أهل الإسلام ! ، ولا يتعرضون لأعداء الدعوة والدين !! .
- يعادون العلماء الربانيين وينفرون منهم ! ، بل ويلمزونهم بالألقاب والأوصاف المنفرة منهم .

ولذا فإنني أوجه هنا رسائل مختصرة إلى كل من :
أولاً: ولاة الأمر وفقهم الله تعالى لكل خير أذكرهم قول الحق  : {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} فقد جعل الله من شروط التمكين في الأرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا شكَّ أن التطاول على شرع الله عز وجل منكر يجب ردع من يقوم به كائناً من كان.
وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله يقول:
( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم . ومما لا شكَّ فيه أن كثيراً من المنكرات لا يستطيع تغييرها إلا ولاة الأمر . وقد حفظ الله الدين يوم الردة بأبي بكر ، وسد أبواب الفتن وقمع أهلها بعمر الفاروق ، وحفظ الأمة من الاختلاف في كتاب ربها بذي النورين، عثمان بن عفان ، وقمع الله الخوارج المارقين بعلي بن أبي طالب ، بعلمه وحلمه وسيفه ، وردَّ مظالم الناس في عهد بني أمية بعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، ورفع محنة القول بخلق القرآن بالمتوكل رحمه الله تعالى ، وطهَّر المسجد الأقصى من دنس الصليبيين بصلاح الدين الأيوبي رحمه الله ، ووحَّد بلاد الحرمين بالإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى ، ووحَّد المسلمين في بيت الله الحرام على إمام واحد بالملك المظفر: عبد العزيز بن سعود تغمده الله بواسع رحمته ... وبصمات ولاة أمرنا في خدمة دين الله والذود عنه غير خافية ، نسأل الله لهم التوفيق والسداد .
ثانياً : العلماء والدعاة سددهم الله ورزقنا وإياهم الإخلاص والقبول أقول لهم: يجب أن تصدعوا بالحق ، وأن لا تلين لكم قناة ، ولا يُفَتّ لكم عضد ، فقد أخذ الله عليكم الميثاق ، واختصكم بحماية دينه ، والدعوة إليه ، والذود عن شرعه المطهر ، فعليكم قبل غيركم - ردُّ عادية الجهلاء ، والمستخفِّين بشرع الله ودينه الحنيف ، وتذكروا قول الحق  : {... إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .
ثالثاً : العامة من الناس ، ومنهم من ( ليس متخصصاً في العلوم الشرعية ) ، وإن كان متمكناً في بعض العلوم الأخرى ، وليس هذا انتقاصاً لهم ، أو عيباً فيهم ، فإن العالم الشرعي قد يكون عامياً أو شبه عامي في علوم الحاسب وما شابه ذلك.. أقول لهم : إن أعزَّ ما عند المسلم دينه ، وهو أول ما يجب عليه المحافظة عليه ، فهو أول الضرورات الخمس التي أتت بها جميع الشرائع السماوية ، فهو أهم من النفس ، والعقل ، والعرض ، والمال - على أهمية هذه الضرورات - ، فإذا كان بهذه الأهمية والمكانة فعلى المسلم أن يكون حريصاً على دينه ، ضنيناً به ، فلا يقبل أن يتلقى أمور دينه إلا ممن يثق بعلمه وأمانته ، وتقواه لله، وخشيته منه .. كما قال أحد السلف : ( إن هذا العلم دين ، فانظروا ممن تأخذون دينكم ) . فكما أننا ننصح الناس عموماً ، والشباب خصوصاً أن لا يتلقوا دينهم وأفكارهم من الفئة الضالة ، التي تسفك الدماء ، وتستبيح الحرمات ، وتكفر كل من لا يوافقها في فكرها!! .. فيجب علينا أيضاً أن ننصح هؤلاء بأن لا يتلقوا دينهم وأفكارهم من أصحاب الفكر الضال المنحرف في الطرف الآخر ، الذين يضربون نصوص الشرع بعضها ببعض ، ويتبعون المتشابه ، ويتركون الواضح المحكم من النصوص، ويزدرون علماء الدين الربانيين ، ويسعون جهدهم لهزّ الثوابت والمسلمات عند أهل الإسلام ، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.

 8  0  1539
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:00 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.