• ×

12:52 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

قاتل الله الجهل أينما وجد وكيفما كان (2) .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يقال أن ( أبا جعفر النحّاس ) خرج ذات يوم من بيته وقصد نهر النيل ليستنشق الهواء العليل ويروح عن نفسه فجلس على درج المقياس على شاطئ النيل وأخذ يقطع بالعروض شيئا من الشعر (مستفعلن فاعلن فاعلاتن) يريد وزن الشعر ومعرفه بحوره فمر به بدوي أحمق فسمعه يقول كلاماً غير مفهوم فقال: هذا الرجل ساحر يسحر النيل حتى لا يزيد ماؤه فتغلوا الأسعار ، فجاءه من خلفه ورفسه برجله فسقط في النهر فغرق ولم يعثر له على خبر بعد ذلك .
وكما يتضح من القصة أن هذا البدوي الأحمق لم يقدم حسن النية على سوءها ، فجهله وإيمانه بالسحر جعله يقتل ( أبو جعفر النحّاس ) بدم بارد معتقداً أن عمله هذا عمل سامي شجاع أنقذ به أمته من شرٍ قد إقترب .

وهكذا يقال ( الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة ) وهذا صحيح في حالة واحدة عندما تكون هذه النوايا الحسنة صادرة من الجهلاء والحمقى والتبعيين والمتهورين .

بينما النويا الحسنة لو تمثل بها ( الواعي وهو عكس الجاهل ) فلن يجري وراء الإشاعات الكاذبة ، ولن يجنح لواقع الجهلاء أو يداهنهم ، ولن يجامل في القيم السامية والأخلاق الفاضلة ، ولن يتهور في تصرفاته ، ولن يجعل من نفسه ذيلاً لأفكار الآخرين وممارساتهم ، بل سيكون دائماً مشغولاً بنفسه وتطويرها وإصلاحها ، مساهماً في بناء مجتمعه بأفكاره وأفعاله وتعاملاته بعيداً منعزلاً عن كل ما يضر بفكره وقيمه ودينه ووطنه وأمته ومجتمعه .

هناك سؤال يستحضره الإنسان هنا .. وهو :

هل يمكننا أن نتخلص من الجهل الذي هو سبب تقاتلنا وتنابذنا ، والمسبب الرئيس في دمار مقدراتنا وثرواتنا وإنسانيتنا والمثبط والمحبط لهممنا وعزائمنا ؟

فكما ذكرت في المثال السابق الصومال رغم طبيعته الخلابة وثرواته الطبيعية إلا أنه من أفقر دول العالم وأكثرها تخلفاً وتقاتلاً ، وقد وصل بهم جهلهم كما قالت ( سـمـاء ) في تعليقها في الجزء الأول من هذا المقال إلى إزهاق الأنفس وقتل حتى من يتابع مباريات كأس العالم .

في اليمن يقتلون بعضهم ويفجرون أنابيب بترول بلدهم ، ويدمرون مقدراتهم ويستضيفون القتلة والمخربون .

حتى في دول الخليج والتي يحسدها العالم بأجمعه على استقرارها وتطورها التنموي والتقني والمعلوماتي والثقافي والعمراني .. شاهدنا التخريب وشاهدنا من يدعو للتخريب والفوضى وتدمير مقدرات هذه البلدان .

وإجابة على السؤال أعلاه ...

نعم يمكننا أن نتخلص من هذا الجهل .. ولكن عندما يكون هناك إرادة جماعية لتفعيل شيءٌ يسمى ... الحـب .

حب الدين بسماحة ، حب الوطن بإخلاص ، حب النظام بالتزامه ، حب الناس بتقديم حسن النية والتجاوز عن كل مسيء ، حب العمل ، حب الإنجاز والمنجزين ، حب التطور ، حب العدل والمساواة والحرية والإنصاف ، والأخذ على يد كل متجاوز لحقوق الآخرين .

فالجهل الذي نعانيه بالدرجة الأولى والذي دمرنا فعلاً ليس الجهل المعرفي أو الجهل الثقافي ، إنما هو ( الجهل المركب ) المبني على ثقافة الهدم والكراهية وتغييب العقول والتبعية والعنصرية والتهور والممارسات اليومية المستبدة .

أما الجهل المعرفي والثقافي ربما هو معضلة لكنه لا يقارن بمعضلة ( الجهل المركب ) لأن المجتمعات التي تعاني الجهل المعرفي والثقافي من السهولة بمكان تغييرها في زمن قياسي إلى أعلى درجات الانفتاح والتطور والوعي ، والأمثلة التاريخية كثيرة .. عكس المجتمعات المؤدلجة بالجهل المركب التي لا يمكن أن تتغير إلا بالمعجزات .

نهاية مقالي دعــوة إلى ... الحـب .. بجوانبه التي ذكرُتها أعلاه .

مع تحيات / عبدالرحمن عبدالله الفيفي

http://www.alfaifi.us

 8  0  1452
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:52 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.