• ×

11:17 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

ماذا فقدنا في العصر الحاضر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أتساءل وأنا أنظر في صروف الدهر وعجائبه؟ كيف أصبحت الأمور تسير في هذا الزمن؟
أتساءل وأنا أرى الجحافل من حولي يجوبون آفاق الأرض بلا توقف، ويحسبون أنهم قد سيطروا على كل ساكن ومتحرك.
أتساءل كيف أصبحت الحياة مملة؟ كيف أصبحت لا تطاق لشدة ما فيها من التكلف، وتحميل للذمم مالا تطيق؟
أنظر إلى حياتنا التي فقدت رونقها، ونقائها وزينتها بسبب معطيات العصر الحاضر.
أفقدتنا حضارة الاسمنت والحديد جوانب كثيرة من حياتنا ومنها:
أولاً:الجانب الروحي. أين ذهب غذاء الروح، هل فقد وارتفعت أسعاره هو الأخر؟ وخاصة بعد أن ارتفع غلاء المعيشة.
ثانياً: الجانب الجمالي. فأين ذهب جمال النفس مع كثرة الحسد والجشع والطمع الذي يعصف بقلوب كثير من الناس في زمننا هذا؟
ثالثاً: الجانب الأخلاقي. أين أخلاق أغلب المثقفين في التخاطب مع المخالف وتصحيح الخطأ؟ فضلاً عن الجهال وأصحاب الذمم الرخيصة. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط وجه وخلق حسن. وفي بعض الروايات فسعوهم بأخلاقكم" فالأخلاق الأخلاق تفلحوا.
رابعاً: جانب المظهر. أين ذهبت خصوصية المسلمين في لباسهم؟ أم أنها تأثرت بالعولمة فتقلصت حتى أظهرت أكثر مما سترت؟ حتى تشابهت الأبدان فأصبح تشابه القلوب قاب قوسين أو أدنى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (البقرة:118).
أين بساطة عيش الآباء؟ من رفاهية الأبناء التي نعيشها اليوم في كل سبل الحياة جميعها ... أخذت منا حقها وافياً غير منقوص في سلب الراحة النفسية، واندثار القيم السلوكية. فأصبح الاضطراب النفسي، والقلق العاطفي، والانفصام الشخصي هو المصاحب لمعطيات الحضارة المادية المعاصرة.
فقدت الروح بهجتها وحريتها وتململت داخل الجسد العليل الذي أماتته التطورات الصناعية التي لا تتحدث إلا بالمادة والمادة فقط.
ارتاح الإنسان في هذا العصر على ما يبدو - وحتى الحيوانات الأليفة - من حيث التعب الجسدي، ولكنه تعب وشقي من حيث الجانب الروحي الذي دفن داخل النفس ومات تحت أطنان الإرهاق البدني القاسي الذي يجلدنا يومياً بسياط لا ترحم من متطلبات ومستلزمات الحياة المتشعبة التي تفرعت أذرعها كما الإخطبوط.
لا تكاد تجد اليوم من يحدثك ونفسه مطمئنة راكدة وديعة هادئة؛ بل تصاحب يومه على الدوام هموم العيش وتقلبات الأفكار، ومحاولة اقتناص الفرص التي لا تكاد توجد في الغالب، وإن فاتته أثرت على حياته السلوكية المضطربة في الأصل لأيام مديدة.
أين الراحة النفسية في روتين أصبح يقتل الوقت بلا رحمة؟
أين الراحة الجسدية في وقت أصبحت وسائل النقل الحديثة فيه؛ تأكل الوقت كما تأكل النار الحطب؟
تجدك يضيع منك وقت لا يقدر بثمن لمجرد أن خرجت من منزلك لكي تأتي برغيف خبز لأطفالك وأهل بيتك من متجر ليس بالبعيد .. تعود بعد هذا العمل مهدود القوى شارد الذهن عديم التركيز، لا تستطيع مداعبة أطفالك فضلاً عن تدوين أفكارك وخواطرك.
فرحم الله الإمام الشافعي حينما قال: والله لو كلفني أهلي إحضار بصلة ما نلت معشار هذا العلم.
فكيف به لو عاش في عصرنا ماذا كان سيقول؟
كيف يطالب أهل هذا العصر الذي أصبح فيه التعب النفسي والجسدي سمة هي عنوانه بالإنتاج (وبذل الجهد والطاقات) والاسترخاء (والتأمل والتفكر وعدم القلق) في وقت واحد ... دون ذلك خرط القتاد.

 1  0  692
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:17 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.