• ×

10:51 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

دعوة للتسامح مع الآراء الخلافية .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

من يتتبع السجال الفكري والديني هذه الأيام وخصوصاً حول الفتاوى والإجتهادات الأخيرة التي أدلى بها بعض العلماء وبعض طلبة العلم ، يعتقد أنه في معركة حربية بين حق وباطل ، ولابد أن يقف مع أحد الفريقين ، فلا بد أن أحدهما على حق والآخر على باطل .

وهذا فعلاً ما رأيناه ولمسناه من خلال التعليقات والتعقيبات سواء في القنوات الفضائية أو الإنترنت أو غيرها ، لم نجد أسلوباً حيادياً إلا في النادر ، خصوصاً أن جميع تلك الفتاوى محل خلاف بين العلماء منذ القدم وليست بدعة أو اختراع جديد .

الشيء المحزن أن غالبية تلك الحملات أو الردود لا تناقش تلك الأفكار أو تحاول تأصيلها ، بل تنفي صحتها وتصر على خطأها جملة وتفصيلاً مركزة على شخصية صاحب الفتوى والتنزيل من قدره ومكانته وعلمه ، بل تحاول بعض تلك الحملات إقصاء هؤلاء والحجر عليهم وتكميم أفواههم باستخدام أي سلطة ممكنة .

أنا هنا لن أقف عند الرأي المتشدد الذي لا يرى سوى اللونين ( الأبيض أو الأسود ) ولا يعترف إلا بمعادلة (الحلال الحرام ) أو ( الصح والخطأ ) ولا يعترف بمسائل الخلاف على أنها في حكم الأمر الواسع .. لأن أصحاب هذا الرأي حسموا خياراتهم ولن يجدي أي نقاش حول آرائهم .

ولا يعنيني هنا تلك الآراء التي تحاول التسلق على أكتاف الآخرين والتشفي بهم من خلال استخدام قواميس السب والشتم والتنقيص .

لكنني سأتوقف عند من كان أكثر صراحة وإنصافاً وقال :

( حتى وإن كان هناك عالم معين ، رأى ترجيح مسألة خلافية فليس من حقه أن ينشرها على الدهماء وعامة الناس ) .



ومعنى هذا الكلام أن ( المسألة صحيحة الخلاف ) إلا أن الناس لا يزالون ( جهلة ) لا يستطيعون التعامل مع القضايا الخلافية ، ولا بد أن نرجح لهم الأحوط من باب سد الذرائع ونجعله في حكم الثابت ونجعل ما سواه جملةً أو تفصيلاً باطلاً بالضرورة .



السؤال : هل فعلاً لا يزال الناس محتاجين للتعامل معهم بهذا الأسلوب ؟ أم أن الناس وصلوا إلى مرحلة من الإدراك والوعي تمكنهم من التعاطي مع هذه المسائل الخلافية بحيث يعرفون الحدود التي يجب الوقوف عندها ؟



طبعاً لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بإنصاف وعدالة إلا من خلال دراسات ميدانية فكرية اجتماعية وتجارب عملية يمكن من خلالها قياس مستوى وعي الناس وإدراكهم للأمور .. لكن من رؤية سريعة لواقع الناس في الإعلام وطريقة تعاطيهم مع مثل هذه الفتاوى ومن خلال متابعة تعليقاتهم نجد أن هذا الرأي فيه الكثير من الصحة ، فالملاحظ أن الناس تريد من يقودها ، وتريد من يوجهها ، وليس لديها الوقت للترجيح أو التفكير أو البحث أو التوقف عند حدود معينة في رأي خلافي.

يريدون فقط رأي محدد حتى وإن كان فيه تضييقاً ، المهم أن يكون واضح المعالم سواء إتبعوه أو لم يتبعوه .. وأيضاً لا يريدون أن يتعارض أو يخالف ما فُطموا عليه وتعودوا عليه من آراء معلبة تلقوها خلال ثلاثة عقود أو أكثر .



فتناول البعض مثل هذه الفتاوى وكأنها تعنيه ، أو كأنه ملزم بها ، دليل على أن الناس تعودوا على نمط معين من الفتاوى طبيعتها التنفيذ والسمع والطاعة دون مناقشة أو توقف أو بحث .



وبالتالي فهموا مثل فتوى الاختلاط أو إرضاع الكبير أو تحليل الغناء أو غيرها وكأنه إلزام لهم بتنفيذها ، ولم يفهموها على أنها (فتاوى) بعضها خاص لظروف معينة وشروط محددة ، وبعضها فيه حدود معينة لا يمكن تجاوزها ، والبعض الآخر هدفه التيسير والتوسيع على الناس في حدود دائرة الدين وتبين سماحة الدين في مثل هذه الأمور وليس أحد ملزم بها .



إذاً فالناس لم يعتادوا التعامل مع (الخيارات) في المسائل الدينية أو أخذ ما يعنيهم وترك ما لا يعنيهم ولهذا كان سماع مثل هذه الفتاوى صدمة غير معتادة وغير مقبولة للمجتمع السعودي .



إذاً ما هو الحل :

هل الأفضل قولبة المسائل الدينية الخلافية وتعليبها في الرأي المتشدد المبني على سد الذرائع لتتماشى مع طبيعة الناس التي تعودوا عليها ؟

أم الأفضل نشر كل الآراء الإجتهادية وترجيحها وبيان حدودها من قبل العلماء كل حسب رأيه ، وتوعية الناس بالتعامل معها على أنها في حكم الأمر الواسع من الدين وكل من حقه إتباع ما شاء منها ؟



أنا مع الرأي الأخير ... وأترك لكم الآراء .



مع تحيات أبوسامي الفيفي

http://www.alfaifi.us

 12  0  1242
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:51 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.