• ×

11:26 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

استقبال رمضان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
استقبال رمضان
بقلم : الأستاذ/ عبد الله علي قاسم الفيفي .


الحمد لله الكريم المنان، ذو الجود والإحسان، نحمده بان جعلنا من أهل الإيمان، وجعل شرعنا ونهجنا القران، فالحمد لله حمدا يتضاعف ويزيد، والشكر له سبحانه وعد بأنه كلما شكر سيزيد، (ولئن شكرتم لازيدنكم )فالشكر له على أفضاله وإحسانه، والحمد له على توفيقه ورضوانه، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ـ الحياة فيها الكثير من الفرص إذا اغتنمها الإنسان رفعت من مقامه وأعلت من شانه، وإذا فرط فيها وسوف ذهبت ولم يستفد منها وبقي في نفسه منها حسرة وندامة،وتزداد الحسرة والندامة كلما كانت الفرصة المهدرة أعظم واكبر، فبقدر الخسارة تكون الحسرة والندامة على التفريط مطردة، ومن أعظم فرص العمر للمسلم شهر رمضان المبارك، شهر عظيم جليل فيه الكثيرمن النفحات الربانية،والدرجات الايمانيه، التي ترفع الإنسان وتطهره من الأدران والسيئات، وتمحصه من الخطايا والزلات ، من حرم فيه فهو محروم، ولا يفرط فيه المسلم، فان أجره عظيم وثوابه عميم ،لا حد يحده، قال صلى الله عليه وسلم ( الأعمال عند الله عز وجل سبع : عملان موجبان، وعملان بامثالهما، وعمل بعشر أمثاله ،وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل، فأما الموجبان :فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به شيئا وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به شيئا وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزيء بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزيء مثلها، ومن عمل حسنة جزيء عشرا، ومن انفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة، والصيام لله عز وجل لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل ) وقال صلى الله عليه وسلم (كل عمل ابن ادم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى : إلا الصوم فانه لي وأنا أجزيء به، يدع شهوته وطعامه من اجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) إن الصيام يختلف عن بقية العبادات، فالطاعة والامتثال فيه أوضح من غيره واصدق فهو عمل بين الله وبين العبد لا يطلع على حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، بخلاف بقية العبادات، فالصلاة والزكاة والحج وجميع العبادات يشاهد المسلم عندما يوديها، ويستدل بها على انه مسلم حقيقي يلتزم بدينه ،قال صلى الله عليه وسلم (من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) فالصلاة عمل يقوم به الإنسان، والعمل له حقيقة ملموسة وله مشاهده، بخلاف الصوم فهو امتناع، فكيف يشاهد الامتناع؟ وكيف يستدل على حقيقته؟ إن الصيام كما نعلم هو امتناع عن الطعام والشراب وعن الكلام الفاحش وعن المفطرات، وقد يشهد له الناس بذلك مادام معهم حاضرا أمام أعينهم، ولكن كيف إذا خلى بنفسه بعيدا عنهم، فماذا يدريهم عن حقيقة امتناعه عن ذلك؟ إذاً فهي عبادة بين العبد وربه ولا يطلع على حقيقتها إلا هو سبحانه وتعالى، لذلك تكفل الله بتقدير الجزاء المناسب عليها من عنده، دون أن يخضعها لمعيار، فان الصائم وقد اطلع الله على حقيقة التزامه، فذلك دليل على قوة إيمانه وخشيته من الله ومراقبته له، فالصوم هو أقصى درجات الالتزام والصدق من العبد، فيستحق أعظم الجزاء، إن الصوم دليل الإيمان الصادق، وهو تطهير للقلب من النفاق، ورفع معدل الإيمان فيه، به تصفو النفوس وتعلو إلى الله سبحانه وتعالى، فيشتد الإقبال على الله، فالصوم تطهير للبدن وصقل للروح، يسعد المسلم فيه سعادة روحيه يحسها ولا يعرف كنهها، فأنت به تحس بالسعادة والارتياح والنشاط، وقد لا تجد سببا واضحا يدعوك لذلك، إلا انه دفق الإيمان في هذا الشهر العظيم، تشعر به يدفعك ويرفعك، تشعر بنشوة العبادة لأنها عبادة بينك وبين الله خالصة له، فيسعدك ذلك ويزيدك إقبالا ومواصلة، الصوم فيه الكثير من الفوائد والأحاسيس، الصوم صحة وحمية، والصوم نشاط وقوة ،والصوم تطهير وتزكية، قال صلى الله عليه وسلم ( لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر ) والصوم في حقيقته امتحان لمعرفة مدى التزام المسلم بطاعة الله، فالله حدد للصوم مواقيت يلتزم بها المسلم لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، يدع فيها شرابه وطعامه وشهواته، فعند ما طلب منه أن يصوم من أول يوم في رمضان إلى أن ينتهي هذا الشهر لا يفطر فيه، مادام مسلما بالغا عاقلا، إن لم يكن له عذر من سفر أو مرض أو امرأة حائض أو نفساء ،وطلب أن يكون ذلك الالتزام بالامتناع عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فالمسلم مطالب بهذا التوقيت، والامتحان يكمن في ذلك، فان تقدم ذلك أو تأخر عنه تحوطا، فقد اخل وعصى ولم ينجح في امتحانه ،فلا يستحق النجاح، بل قد أثم بمخالفته ما أمر به، فالله لا ينفعه ولا يضره إن أنت زدت يوما على رمضان أو نقصت منه يوما، ولا ينفعه ولا يضره إن أنت زدت دقائق أو نقصت دقائق من اليوم، بل إن منفعة ذلك أو مضرته تلحق بك وحدك ،فان التزامك بالتوقيت الصحيح دليل إيمانك وصدق طاعتك والتزامك، وان أنت لم تلتزم دل ذلك على عدم التزامك بما قد جعله الله قاعدة تسير عليها، فلا تستحق الشكر بل تستحق التعنيف والجزاء ،لو أن هناك مثلا مبارة في كرة قدم، تجهز لها كل اللاعبين ونزلوا إلى ساحة الملعب يترقبون إشارة الحكم لتعلن عن البداية، وفي أثناء ذلك وقبل أن يعطى هذا الإشارة، انطلق احد اللاعبين بالكرة واندفع إلى هدف الخصم مسجلا هدفا، فهل سيكون ذلك هدف صحيح، الكل طبعا سيقول ليس ذلك هدف صحيح، لأنه لم يبدأ وقت اللعب، بل إن الحكم قد يتخذ ضد هذا اللاعب إجراءا عنيفا، فقد يطرده من الملعب، وبالمقابل لو انتهت المبارة وأعلن ذلك الحكم، إلا أن احد اللاعبين لم يهتم بذلك بل استمر يلعب وقذف بالكرة فسجل هدفا في مرمى الخصم، فهل سيحسب له ذلك؟ طبعا الإجابة ستكون بالنفي، وهذا مثل بسيط ولله المثل الأعلى، والله سبحانه ضرب الأمثال للناس ليقرب لهم الحقائق بالأشياء الملموسة،قال تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين امنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ) إذا فما هي الغاية من التوقيت لكل عبادة؟ أليس لمعرفة مدى التزام العبد من عدمه، فالتزام المسلم بصيام رمضان عند روية الهلال والفطر عند روية هلال شوال دليل صدق الإيمان والالتزام الحق بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاقدروا له ) وفي رواية للبخاري ( فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) وقال صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ) فلا يصوم المسلم رمضان حتى تثبت له روية الهلال والا فيكمل شعبان ثلاثين يوما، وكذلك لا يفطر رمضان حتى يرى هلال شوال أو يكمل ثلاثين يوما، فعن عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لروية رمضان، فان غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام ) وبالطبع لن يرى الهلال كل الناس ،ولكن إذا رآه عدول وشهدوا برويته لزم الجميع الصوم، وبالأخص ونحن في دولة تحكم بشرع الله وتطبقه في جميع أمور حياتها، بل قد تثبت الروية بروية شخص واحد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال يعنى هلال رمضان، فقال أتشهد أن لا اله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله ،قال: نعم ،قال يا بلال: أذن في الناس أن يصوموا غدا ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( ترآء الناس الهلال فأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم أني رايته، فصام وأمر الناس بصيامه ) لذا من حق المسلمين على بعضهم من إذا رأى الهلال أن يبلغ ولا يكتم علمه بذلك، بل إن ذلك إثم عظيم و كتم للشهادة، ومن يكتمها فانه آثم قلبه، قال تعالى ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ) فالبعض يرى الهلال ويسكت ويظن ذلك سهلا وبسيطا، ثم يشيع بعد ذلك وقد مضى الوقت، فيقول: قد رايته، فهذا كاذب غاش آثم!! سواء كان محقا فيما قال أو مدع، بل إن بعض ضعاف الإيمان أو الجهلة بحقيقة الإيمان يحتاط، فيصوم قبل رمضان بيوم، فهو يظن أن ذلك أحوط لدينه، وهو في الحقيقة قد اخترم دينه بذلك، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ) فهذا لم يطع ولم يمتثل قال تعالى ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) فالمخالف عاص جاحد اخترم دينه وعصى ربه وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أشاع انه رأى الهلال ولم يتقدم بالشهادة إلى إحدى المحاكم، فهو غاش لربه ولدينه ولنفسه، كاتم للشهادة مجروح العدالة، قد تحمل وزر من لم يصم ذلك اليوم
وبالنسبة كذلك للتوقيت اليومي للصوم، ولزوم الإمساك خلاله من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، قال تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وقال صلى الله عليه وسلم (إذا اقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد افطر الصائم ) فمجرد غروب الشمس يفطر الصائم ولو لم يأكل، ولكن المبادرة بتصديق ذلك بالأكل هو الأفضل وهو المطلوب، فالالتزام بالتوقيت خير وبركة ودليل قوة الإيمان والسبق إلى طاعة الله، وأما الاحتياط والتحوط والتشدد فذلك قد يكون سببا في إحباط العمل، والخير في المبادرة بامتثال أوامر الله وتعليمات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) وعن أبي عطية رضي الله عنه قال دخلت أنا ومسروق على عائشة رضي الله عنها فقال لها مسروق : رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلاهما لا يألوا عن الخير احدهما يعجل المغرب والإفطار والآخر يوخر المغرب والإفطار، فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال عبدالله ـ يعنى بن مسعود فقالت :هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ) فالمسلم لا يطلب منه إلا مجرد الالتزام والامتثال، فالدين يسر وسهوله لا تعنت فيه ولاتزمت0
ونختم ببعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل هذا الشهر العظيم فعن سلمان رضي الله عنه قال :خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال : يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من الف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المومن فيه، من فطر صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يعطى الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن ) وهو شهر أوله رحمة ،وأوسطه مغفرة، وأخره عتق من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنا بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم :فشهادة أن لا اله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لاغنا بكم عنهما: فتسالون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ) فالرسول صلى الله عليه وسلم يوضح لأصحابه وأمته فضل الصوم وتميزه، وفي حديث آخر، يقول صلى الله عليه وسلم ( لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت امتى أن تكون السنة كلها رمضان ) ويقول صلى الله عليه وسلم (أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه ،فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فاروا الله من أنفسكم خيرا، فان الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل )اللهم لا تحرمنا رحمتك، وقبولك، ومغفرتك، والأجر والثواب، إن المسلم يستعد لرمضان بالنية الطيبة والعزم الأكيد على العبادة والعمل والتفاني في ذلك، فليس الاستعداد له بالأكلات وتنظيم السهرات، اللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه، وأصلح لنا أنفسنا، وصبرها على طاعتك، وأنلها مرضاتك، اللهم أهل علينا شهرنا هذا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله هلا ــ وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه..

(عبد الله بن علي قاسم الفيفي)


بواسطة : faifaonline.net
 0  0  724
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:26 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.