• ×

04:28 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

إطلالة على الأرستقراطية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


الطبقة الأرستقراطية هي واحدة من ثلاث طبقات تشكل أي مجتمع إنساني، وتعني طبقة النبلاء من الأمراء والتجار وأصحاب المناصب كما شاع ذلك في الغرب وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي وما قبلهما، وهي طبقة قديمة في التاريخ الأوربي وهي معروفة بطقوسها الحياتية المميزة، فلهم زيهم الخاص وبروتوكولاتهم المعقدة في حياتهم اليومية.
والنبلاء مصطلح قديم عرفته لك الشعوب من رومانيين وبابليين وإغريق إلى أخر تلك القائمة التي تطول، ولكن عند العرب كان له معناً أخر فحينما يطلقون النبل في كلامهم فإنه لا ينصب إلا على أهل العلم والمعرفة، وقد صنف الإمام الذهبي رحمه الله كتابه في السير وأسماه "سير أعلام النبلاء" وبهذا يختلف المعنى العربي عن المعنى الغربي من حيث إطلاق لقب النبلاء. فيراد به في الغرب التجار والأمراء وأصحاب السلطة والنفوذ؛ بينما يراد به عند العرب أصحاب العلم والمعرفة.
كذلك وجدة الأرستقراطية في الهند مثل غيرها من شعوب الأرض ولكنها متصلة هنا بدينهم وعقيدتهم؛ فالطبقة الأرستقراطية طبقة وضعها في هذا المقام الإله براهما بزعمهم، وقسم المجتمع في الديانة الهندوسية بناء على المعتقد الديني الفاسد إلى أربع طبقات .. فكل فرد يرضى بالطبقة التي جعله فيها الإله براهما، ولذلك نرى أن أعلب الإنتاج السينمائي في الهند تدور الدرامة فيه حول هذه الطبقية المقيتة.
وتلك الطبقات الأربع هي:
البراهمة: ومهماتهم هي الحفاظ على المعرفة والثقافة وإرضاء الآلهة.
الكشاتريا: حماة المجتمع والقائمين على إدارة شؤونه.
الويشاش: عليها توفير الأمن الغذائي وتأمين الرخاء والاستقرار المعيشي.
الشودر: واجبهم الخدمة والعمل وإنجاز كلّ ما يوكل لهم من الطبقات الأعلى.
لقد أوجد هذا التقسيم الطبقي انقساماً حاداً في المجتمع الهندي الذي يربطه الهندوس بأصل النشأة المنبعثة من براهما نفسه، وهذا يعني إقفال الطريق أمام الكفاءات والقدرات والطموحات، وبالتالي فقدان العدالة الاجتماعية والمساواة، وهذا أدى إلى قيام العديد من المحاولات للتخلص من هذا النظام الطبقي الجائر، وكانت أبرز هذه المحاولات محاولة "المهاتما غاندي"، والذي ركز عمله العام على النضال ضد الظلم الاجتماعي من جهة وضد الاستعمار من جهة أخرى، واهتم بشكل خاص بمشاكل العمال والفلاحين والمنبوذين، واعتبر الفئة الأخيرة " الشودار" والتي يسميها الهندوس "أبناء الله" سبة في جبين الهند ولا تليق بأمة تسعى لتحقيق الحرية والاستقلال والخلاص من الظلم. كان ذلك في أوائل القرن العشرين، ولكن المحاولة لم تحقق النتائج المرجوة، لأن التميز الطبقي متأصل في العقيدة الهندوسية، وفي المجتمع الهندي.
والأرستقراطية ينتمي لها الأمراء، والأغنياء، وكبار المسؤولين .. وتسمى باللغة الإنجليزية (High Class) .. وتعني الطبقة الأعلى .. وغالباً ما يعيش أفراد هذه الطبقة في قصورهم ومزارعهم، - ويتمتعون بالحماية من قبل من يبحث عن لقمة العيش من طبقة الفقراء والمعدمين، والذين يديرهم ويسيسهم زمرة من أهل المناصب والمال - غير عابئين بمعاناة الآخرين .. فهم يجدون الرفاهية في كل شيء، ويعيشون حياة هائنة، خالية من المنغصات المعيشية إلا في حالات نادرة تتعلق بالمشكلات الاجتماعية.
وكان لهذه الطبقة سطوتها وسيطرتها وخاصة في زمن الإقطاعيات في أوربا والتي قامة ضدها حركات المقاومة ومحاولة التخلص منها، ولم يخلو زمن من الأزمان لا في القديم ولا في الحديث من المقاومة ضد سطوة الأرستقراطية وتسلطها، فمنها على سبيل المثال تلك المقاومة على مستوى الأفراد ما نسمعه عن "روبين هود" (Robin Hood)في أوربا والذي ظهر عام (1228م)، وهو شخص قام على سلب وسرقة الأغنياء لأجل إطعام الفقراء، بالإضافة إلى محاربته للظلم والطغيان. كان يعمل هو ومجموعته المسماة (Jubilant men) ومعناها الرجال المبتهجون، المكونة من 140 شخصاً معظمهم من اليومن (أبناء الطبقة المتوسطة) في غابات شيروود في محافظة نوتنغهام شاير بالقرب من مدينة نوتينغهام.
وسواء كانت قصة "روبين هود" حقيقة أم خيالاً فالباعث لها هو توق المجتمع إلى الخروج من الظلم والضيم الواقع عليهم من هذه الطبقة المتسلطة.
وأما مقاومة الطبقة الأرستقراطية من قبل أغلب الشعب فأبرز مثال لها هو حركة الاسكتلنديين في نهاية القرن الثالث عشر، ضد ملك انجلترا" إدوارد الأول" والتي قامة بقيادة "القلب الشجاع - ويليام والاس" (William Wallace)والذي قاد قومه إلى مقاومة الأرستقراطيين من الانجليزيين والفرنسيين حتى لقي حتفه تحت المقصلة في لندن عام (1305م).

التعريف بالأرستقراطية:
طبقة اجتماعية عالية، كانت تشمل قادة الحكم في الدولة أو الأمة. يدعي أعضائها أنهم أرفع منزلة من غيرهم من الناس في المجتمع بسبب صلاتهم الأسرية ومكانتهم الاجتماعية وثروتهم وقدرتهم. وتشير كلمة أرستقراطية تاريخياً - إلى شكل من الحكم يسيطر عليه عدد قليل من المواطنين الأثرياء وذوي المكانة الاجتماعية البارزة.
ويملك عدد كبير من أبناء الطبقة الأرستقراطية ألقاباً موروثة كناية عن الشرف، مثل الدوق والباران في انجلترا، وبعض الألقاب التي خلفها الحكم العثماني كالباشا والبك في مصر. هذه الألقاب كان الملوك يعطونها دائماً للأشخاص اعترافاً منهم بثروة الشخص أو خدمته للدولة في أغلب الحالات، كان الناس يدخلون مصاف الأرستقراطية بسبب امتلاكهم لمساحات كبيرة من الأرض.
ولعل هذه الفئة هي التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) {الإسراء:16}.
في الأزمان الغابرة، كانت الأرستقراطية تسيطر على الحكومات في اليونان وروما القديمة. وفي الأزمان المتأخرة، كانت تحكم بريطانيا واليابان وروسيا وألمانيا. وبحلول الحرب العالمية الأولى سيطرة الفكرة القائلة: الناس كلهم متساوون في الكثير من الأمم من خلال الديمقراطية والاشتراكية. نتج عن ذلك تقلص دور الأرستقراطية في الحكم بشكل حاد(1).

إطلالة على الأرستقراطية:
الأرستقراطية aristocracy كلمة مركبة من كلمتين يونانيتين aristos وتعني الفاضل أو الجيّد و kratos وتعني القوة أو السلطة, وكانت الكلمة في مدلولها الأصلي تعني حكم أفضل المواطنين لجميع الشعب. فالأرستقراطية إِذن "حكم الأفضلية", وبهذا المعنى استخدمها أفلاطون في "الجمهورية" وأرسطو في "السياسة" وكان كلاهما يعتقد أن الحكومة الأرستقراطية أفضل أنواع الحكومات وأكثرها عدلاً, ولكنهما أبديا ارتياباً في قدرتها على الديمومة.
يقول أفلاطون في الكتاب الثامن من الجمهورية: "إِذا انحرفت الأرستقراطية وتحول أبناؤها إِلى إِيثار الثروة على الشرف تحولت إِلى الأوليغارشية oligarchie (حكم القلة) التي لبابها جَعْلُ الثروة أساس الجدارة وهو إِثم فظيع".
ويعد أرسطو الأرستقراطية حكومة الأقلية الفاضلة العادلة, إِلا أن الأوليغارشية فساد طبيعي لها.
وتحسن الإِشارة إِلى أن مفهوم أفلاطون للروح الأرستقراطية مفهوم قيمي أكثر من كونه مفهوماً طبقياً. فالأرستقراطية حكم الأقلية الفضلى لأنها تضم المتفوقين أخلاقياً وعقلياً ويحكمون لخير الشعب.
إِلا أن كلمة الأرستقراطية استعملت بعد ذلك بتوسع واتخذت دلالة جمعية على قيادة أشخاص (شرفاء أو نبلاء أو كهنة) لدولةٍ, أو على مجموعة من "أصحاب المنزلة" متميزين في المولد أو الموهبة أو الذهن أو الغنى. ويمكن الإِشارة إِلى مدلولات ثلاثة للكلمة في استخدامها الشائع. الأول: يدل على حكومة سياسية تمارس فيها السلطة العليا طبقة اجتماعية ذات امتيازات وهي وراثية في معظم الأحيان.
الثاني: يدل على طبقة من النبلاء أو الأشراف أصحاب الامتيازات.
الثالث فأدبي وعام: فلكل ميدان أرستقراطيته, وهم نفر قليل من الأشخاص يتمتعون بتفوق يميزهم في مجالهم:
أرستقراطية الأدب أو الفن.
الأرستقراطية الصناعية.
أرستقراطية المال.
الأرستقراطية العمالية: وهي الشريحة العمالية العليا التي تتكون من أكثر الفئات مهارة وأعلاها أجراً من مجموعة الطبقة العاملة, والمنفصلة عنها من حيث التكوين الأيديولوجي والنفسي.
والمبدأ الديمقراطي نقيض للمبدأ الأرستقراطي. والواقع أن كلمة أرستقراطية أصبحت تستعمل بصورة عامة بالمعنى الاجتماعي أكثر مما تستعمل بالمعنى السياسي. ومنذ الثورة الفرنسية أسبغ المصطلح الثوري على كلمة أرستقراطية صفة انتقاصية تشير إِلى زمرة من أصحاب الامتيازات بسبب مولدهم أو أملاكهم أو نقودهم وهم بسبب ذلك "جائرون وقمعيون وأعداء للشعب وللأمة".

أنواع الأرستقراطية وتحولاتها:
إِن لجميع المجتمعات التقليدية, مهما كانت الدرجة التي بلغتها من الحضارة, أرستقراطيتها (من نبلاء وأشراف وكهنة). ولكن الكلمة تنطبق على ضروب من الواقع شديدة التنوع في الزمان والمكان بحيث يكون من الصعب رسم لوحة مقارنة لأنماط الأرستقراطية في تاريخ الإِنسانية من الطبقة البراهمية في الهند إِلى الأوباتريد Eupatrides في اليونان القديمة إِلى الساموراي Samurai في اليابان وطبقات النبلاء المتنوعة في أوربا في العصور التالية لسقوط روما.
فقد كانت حكومات اليونان القديمة أرستقراطية عسكرية, وكانت حكومة اسبرطة أشهرها إِذ الاسبرطي وحده يتمتع بالمواطنة الكاملة بل إِن "السلطة وجميع ما للأمة كان في يد طائفة من أهلها لم تكن في البداية تزيد على عشر أسر".
وفي أثينا وجدت طائفة خاصة من الأشراف حتى في عهد ملوكها الأوائل.
فقد كان الأوباتريديون Aloopatridion, وهم أبناء القبائل البيلاجية الأولى وذرية الفاتحين الأولين من الأبوليين والإِيونيين, يعدون حكام أثينا وقادتها طوال قرون كثيرة.
ويعد الرومان من أشد الأمم أرستقراطية فقد كانت طائفة الأشراف الرومان patricien تتمتع في البداية وحدها بحق المواطنة ومن عداها محروم معظم الحقوق، وخاصة الارتباط بها برابطة المصاهرة والنسب.
وفي الهند نمط آخر من الأرستقراطية الوراثية: فطبقة (البراهما) الكهنوتية التي ولد أفرادها من أعلى الإِله (فيشنو), في حين ولد أفراد طبقة السُّدرا (المنبوذون) من قدميه,ظلت منذ ألفي عام قبل الميلاد وإلى اليوم تحتكر مواقع الشرف والرفعة.
وفي الجزيرة العربية كانت الأرستقراطية القرشية قبل الإِسلام تحكم مكة وهي يومئذ زعيمة العرب وكان بها ملأ يجتمع بدار الندوة (وهو مجلس شيوخ مصغر) لم يكن يدخله إِلا من بلغ أربعين عاماً ويختارون بحسب ثرائهم وهم سادة بطون قريش التي كانت مؤلفة من "قريش البطاح" وهي الأسر الكبيرة النازلة بجوار الكعبة وبيدها وحدها القوة العسكرية والنفوذ والغنى, ومن "قريش الظواهر" وينزلون من ورائهم وفيهم العامة وأخلاط من صعاليك العرب والعبيد.
وفي أوربا بعد زوال الإمبراطورية الرومانية تكونت أرستقراطية جديدة قوامها رؤساء مجموعات أشبه بالعصابات ورومانيون بقيت لهم ثروتهم بعد زوال دولتهم.
لقد تطورت الأرستقراطية مع الحضارة, فبعد نبالة المولد جاء دور مالكي الأرض, ثم ما لبثت النقود أن أصبحت تقود إِلى السلطة أكثر من الغنى العقاري. وثمة تماثل في السياق التاريخي رافق نشوء الأرستقراطية: نخبة عسكرية تقبض على السلطة ويتوارثها أبناؤها بعد ذلك ثم يصبحون ملاكاً للأراضي وما تلبث أن تنفتح مسارب في طبقتهم لأناس آخرين يملكون أنواعاً أخرى من الثروة.
وثمة نزعة عرقية تضاف من زمن إِلى آخر إِلى هذا السياق وقد مثل ذروتها منظّروا النازية, مثل روزنبرغ وهتلر, الذين فسروا ثورة (1789م) في فرنسا مثلاً بأنها صراع عرقي بين الشعب المؤلف من عناصر عرقية أدنى وبين النبالة (الآرية) ذات الأصول "الهندية الجرمانية".
ويبقى التمييز بين أرستقراطية المولد والأرستقراطية غير الوراثية أمراً نسبياً لأنه حتى في الشريحة الاجتماعية الواحدة لا بد أن يتسلق بعض وضيعي المولد إِلى طبقة أعلى (إِن 43% من أباطرة روما ولدوا في طبقات دنيا) وأن ينحدر بعض كرام المحتد إِلى طبقة أدنى. ومن جهة أخرى فإِنه حتى في الأرستقراطيات المنفتحة ثمة ميل دائم لدى الشريحة العليا إِلى أن تصبح زمرة وراثية.

الثورة على الأرستقراطية:
أثارت الأرستقراطية العداوة ضدها في كل مكان وزمان, ففي اليونان القديمة أجبر الشعب قادته منذ القرن السادس قبل الميلاد على إِنقاص مدة ولايتهم إِلى عشر سنين ثم إِلى سنة واحدة وعلى تدوين قانون معروف الحدود بل على النزول عن جزء من ثروتهم للعامة.
أما الجمهورية الرومانية فقصة الصراع بين الأشراف والعامة جزء من تاريخها, ففي سنة (494ق.م) تأسس مجلس "التريبيون" Tribune دفاعاً عن العامة للحد من سلطة الأشراف، ونجح في توسيع نطاق المواطنة إِلى مدى أبعد في عام (471ق.م), وفتحت الهيئات المختلفة أمام مرشحي العامة. وقد قاتلت الأرستقراطية الرومانية للحفاظ على امتيازاتها بقيادة "لوشيوس كونيليوس سولا" عامة الناس الذين كان يقودهم "كايوس ماريوس" في القرن الأول ق.م, وهزم الحزب الأرستقراطي أخيراً في معركة فيلبي سنة (42ق.م).
وفي القرن الثامن الميلادي حاول "شارلمان" أن يضع حداً لغلو الأرستقراطية التي استشرى نفوذها وعاثت تخريباً ونهباً في الأرياف الأوربية في القرون الثلاثة التي أعقبت سقوط روما, ولكن مملكته تمزقت إِلى ممالك ضعيفة واغتصبت طوائف النبلاء كل شيء. ولكن الأرستقراطية بدأت تواجه تحديات الطبقة الوسطى النامية في المدن كما واجهت تحديات الحرفيين الذين هم أقل شأناً, إِضافة إِلى الحروب التي شنها عدد من ملوك أوربا منذ القرن الثالث عشر لاسترداد سلطتهم من أيدي رؤساء المجموعات، وظل الصراع سجالاً وعلى أشده حتى القرن السادس عشر, وكانت الأسلحة النارية واكتشاف المدفع عاملاً مهماً في انتصار السلطة المركزية للملوك.
وقد استمر الثقل النسبي للنبلاء في التناقص في حرب الثلاثين عاماً في أوربا الوسطى خاصة, في حين انهارت سلطة النبلاء في فرنسا إِبان القرن السابع عشر في حرب "الفروند" في أثناء مدة الوصاية على "لويس الرابع عشر". وكانت الدول التي جرى فيها إِصلاح وتطور اقتصادي في حاجة إِلى أطر لاهوتية وإِدارية جديدة لم يكن قادراً على تقديمها غير بورجوازية المدينة. وأخذت الجيوش نفسها, التي وضعت بين أيدي متعهدي الحرب, تصبح بالتدريج غير مناسبة للعقلية الأرستقراطية. فقد أصبحت الجيوش الخاصة المؤسسة على الارتزاق خطراً على الدولة وعامل تخريب وتدمير للسكان, وأصبح الميل العام متجهاً نحو تحويل الرئيس المرتزق إِلى ضابط تابع لأميره, وانخرط النبلاء بسهولة في هذه الجيوش الجديدة.
ولم يكن مصير الأرستقراطية في أوربا كلها متماثلاً. ففي أوربا الشرقية مثلاً كانت الدولة نفسها مؤسسة على أرستقراطية عسكرية شديدة، وكان القياصرة أنفسهم مع نبلائهم يوجهون مصير روسيا, بفعل استعباد الفلاحين, إِلى كل ما هو معاكس لمجرى التطور الاجتماعي الأوربي.
ولكن الصورة العامة تتلخص في أن سيطرة الأرستقراطية قد تزعزعت في كل مكان منذ القرن الثاني عشر بفعل ظهور المدن وصعود البرجوازيات الأولى التي سجلت ظهور قوة جديدة ترتكز على المال.
وقد وجهت الثورة الفرنسية عام (1789م) ضربة شديدة إِلى طبقة النبلاء في فرنسا خاصة وفي أوربا على وجه العموم, واستمر الصراع مع الأرستقراطية طول القرن التاسع عشر, وقامت ثورتا (1831م و1848م) بدور مهم في القضاء عليها. ولكن الأرستقراطية لم تسلم بهزيمتها بسهولة بل شهدت مراحل انتعاش عدة بعد عودة الملكية إِلى فرنسا وانخراط قسم كبير من أفرادها في النشاطات التجارية والمؤسسات الحكومية. وإِلى أن قامت ثورة (1917م) في روسيا. استمر النظام الأرستقراطي في الحكم إِلى درجة كبيرة في أوربا الوسطى والشرقية ولاسيما في ألمانيا والنمسا وهنغاريا وروسيا (2).

الأرستقراطية والإسلام:
يقول برنارد لويس (Bernard Lewis): "ربما يكون أعمق وأصح وصف للإسلام أنه دين المساواة، وقد كان العالم وقت ظهور الإسلام طبقياً يضج بالطبقية، فإيران المجوسية يحكمها نظام طبقي صارم ودقيق، والهند يحكمها نظام طبقي قاس ومغلق، والغرب تحكمه أنظمة الطبقات الأرستقراطية الموروثة من الإغريق والجرمان"(3).
وقد تصدى الإسلام للطبقية نظرياً وعملياً، ففي القرآن الكريم يبين الله لنا من هو الأفضل: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) {الحجرات:13}. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنه" يعني القبلية العنصرية وهي قريبة من الأرستقراطية بمعناها الحديث.
وظلت الأرستقراطية الإسلامية في وضع لا تستطيع معه الظهور، وتبدلت الطبقات الحاكمة كثيراً، ولم يكن في الإسلام والدول الإسلامية ألقاب وراثية باستثناء الألقاب الملكية، وألقاب الحكام.
وقد أفرزت وقائع الحياة الاجتماعية تمايزاً طبقياً، وثمة مصطلحات تدل على فئات اجتماعية مثل الخاصة والعامة، وكانت الخاصة تعني المتعلمين والمتحضرين والعناصر السياسية والإدارية والعسكرية، وما عداهم فالعامة.
وثمة تقسيم آخر كان يحدث في العصور الإسلامية الأولى، وهو الشريف والضعيف، ويماثل الشريف مصطلح النبيل، وصار لقب الشريف يطلق على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأحياناً يشمل القرشيين وخاصة من بني هاشم.
ولكن هذه التقسيمات والتسميات وحتى الألقاب إن وجدت لم تكن تعطي امتيازات أو حصانات دبلوماسية أو غيرها من الحصانات المرتبطة بمكانة الفرد الاجتماعية؛ كما في الأرستقراطيات الأوروبية الغربية.
**************************************************
الهوامش:
(1) الموسوعة العربية العالمية (ج1/506)، بتصرف.
(2) الموسوعة العربية "بتصرف واختصار".
(3) برنارد لويس "لغة الإسلام السياسي".

 0  0  2886
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:28 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.