• ×

05:08 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

إطلالة على البروليتاريا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


تعريف البروليتاريا:
البروليتاريا Proletariat هي طبقة اجتماعية تعيش على بيع عملها للآخرين فقط، ولا تعيش على أي ربح من أرباح أي نوع من أنواع رأس المال. وتتوقف معيشتها بل وجودها ذاته، على مدى حاجة المجتمع إلى عملها، أي أنها رهينة فترات الأزمات والازدهار الصناعي وتقلبات المنافسة الحادة بين أصحاب رؤوس الأموال .. باختصار فإن البروليتاريا هي الطبقة الكادحة في عصرنا الراهن.
وهناك تعريفات عديدة للبروليتاريا:
فأحيانا تعرف بأنها الناس الذين لا ثروة لهم سوى أولادهم.
أو الطبقة التي تكسب قوتها عن طريق بيع عملها فقط، لا من أرباح أي نوع من رأس المال.
والبروليتاريا لم توجد منذ القدم، لكن وجدت دائماً طبقات فقيرة كادحة؛ بل إن الطبقات الكادحة كانت في أغلب الأحيان فقيرة. أما الفقراء والعمال الذين يعيشون في ظروف البروليتاريا فهم لم يكونوا موجودين في كل الأزمنة. كما لم تكن المنافسة حرة وبلا أي حدود.

ظهور البروليتاريا:
لقد نشأت البروليتاريا في إنجلترا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر على إثر الثورة الصناعية التي قامت في جميع بلدان أوربا.
وكان الحافز لهذه الثورة الصناعية هو اختراع الآلة البخارية ومختلف أنواع آلات الغزل، وعدداً كبيراً من الأجهزة الميكانيكية، التي بحكم ثمنها الباهظ لم يكن قادراً على شرائها سوى كبار الرأسماليين، مما أدى إلى تغيير شامل لنمط الإنتاج السابق وإلى إزاحة الحرفيين القدامى نظراً لأن هذه الآلات أصبحت تنتج سلعاً أفضل وأرخص من تلك التي أنتجها أولائك الحرفيين بأعمالهم اليدوية وأدواتهم البدائية.
وهذا يفسر كيف أدى دخول الآلة على النشاط الصناعي بكل جوانبه إلى تحويله بين أيدي كبار الرأسماليين، وإلى إفقاد الملكية الحرفية الصغيرة كل قيمتها .. الذي مكّن الرأسماليين من السيطرة على كل شيء في حين فقد العمال كل شيء.
ولقد أُدخل نظام "المانيفاكتورة" Of manufacture - وهي الشكل الكلاسيكي للتعاون القائم على أساس تقسيم العمل، وقد كانت سائدة من سنة (1550م) وحتى سنة (1770م) - في صناعة النسيج والملابس ثم ما أن كانت الانطلاقة الأولى لهذا النظام حتى انتشر سريعاً ليشمل سائر الفروع الصناعية كالطباعة وصناعة الخزف والمعادن. وأصبح العمل مقسماً أكثر فأكثر بين مختلف فئات العمال، بحيث أن العامل الذي كان في السابق ينجز عمله كاملاً صار لا يؤدي إلا جزءاً فقط من هذا العمل. وقد سمح تقسيم العمل هذا بإنتاج سلع على نحو أسرع، وبالتالي بكلفة أقل وصار دور العامل مقتصراً على أداء حركة آلية جدُّ بسيطة ومكررة باستمرار تستطيع الآلة أداءها ليس فقط بنفس الجودة بل بأفضل منها.
وسرعان ما سيطرت الآلة الميكانيكية والصناعة الكبيرة على جميع فروع الإنتاج الواحد تلو الآخر تماماً مثلما حصل بالنسبة للغزل والنسيج. وهكذا وقعت كل الفروع الصناعية بين أيدي كبار الرأسماليين وفقد العمّال بذلك هامش الحرية الذي كانوا يتمتعون به سابقاً. وزيادة عن المانيفاكتورة ذاتها وقعت الأنشطة الحرفية شيئاً فشيئاً تحت سيطرة الصناعة الكبيرة، إذ تمكن كبار الرأسماليين من إزاحة المنتجين الصغار المستقلين وذلك بإنشاء المصانع الكبرى حيث المصاريف العامة أقل وإمكانية تقسيم العمل أوفر. وهذا ما يفسر الإفلاس المتزايد من يوم لآخر للطبقة الحرفية الوسطى والتغيير الشامل في وضعية العمال ونشوء طبقتين جديدتين سرعان ما انصهرت فيها بقية الطبقات شيئا فشيئا، وهذه الطبقات هي:
* طبقة كبار الرأسماليين الذين يحتكرون في كل البلدان المتحضرة ملكية وسائل العيش والمواد الأولية وأدوات العمل (الآلات والمصانع) اللازمة لإنتاج وسائل العيش. إنها طبقة البرجوازيين أو البرجوازية.
* طبقة الذين لا يملكون شيئاً والمضطرين إلى بيع عملهم للبرجوازيين مقابل حصول على ضروريات الحياة. إنها طبقة البروليتاريا أو البروليتاريون.

سبب بيع البرليتاريون عملهم للبرجوازيين:
إن العمل سلعة كغيرها من السلع وبالتالي يتحدد سعرها على أساس نفس القوانين المعمول بها بالنسبة لأية سلعة أخرى. وفي ظل سيادة الصناعة الكبرى أو المنافسة الحرة يساوي سعر أي بضاعة ما يعادل كلفة إنتاجها. وبالتالي يكون سعر العمل هو أيضا مساو لكلفة إنتاج العمل. لكن كلفة إنتاج العمل تتمثل في كمية وسائل العيش الضرورية لجعل العامل قادراً على استئناف ومواصلة عمله ولإبقاء الطبقة العاملة بصفة عامة على قيد الحياة. فالعامل إذن لا يتقاضى مقابل عمله سوى الحد الأدنى الضروري لتأمين تلك الغاية. وهكذا يكون سعر العمل أو الأجر هو الحد الأدنى الضروري لإبقاء العامل على قيد الحياة. وبما أن الأحوال الاقتصادية قد تسوء تارة وتزدهر تارة أخرى فإن العامل يتقاضى مقابل عمله أقل أو أكثر حسب تلك الأحوال، تماما مثلما يتقاضى الرأسمالي مقابل بيع سلعة ثمنها قد يرتفع أو ينخفض حسب الأحوال الاقتصادية.
وهكذا، كما يتقاضى الرأسمالي إذا عادلنا بين ازدهار الأحوال وكساده ما يساوي كلفة الإنتاج لا أكثر ولا أقل، فإن العامل لن يتقاضى كذلك أكثر أو أقل من الحد الأدنى لإبقائه على قيد الحياة. ومع تغلغل التصنيع الكبير في جميع فروع الإنتاج، يتعاظم التطبيق الصارم لهذا القانون الاقتصادي للأجور.

الطبقات الكادحة التي وجدت قبل الثورة الصناعية:
عرفت الطبقات الكادحة مختلف الظروف واحتلت مواقع متباينة في مواجهة الطبقات المالكة والمسيطرة وذلك لاختلاف مراحل تطور المجتمع. وقديماً كان الكادحون عبيداً للمالكين مثلما يزال الحال في عدد كبير من البلدان المتخلفة وحتى في القسم الجنوبي من الولايات المتحدة الأمريكية. وفي القرون الوسطى كان الكادحون هم الفئة التي تملكهم الأرستقراطية العقارية كما هو حتى الآن في المجر وبولونيا وروسيا. وعرفت المدن طوال القرون الوسطى وحتى قيام الثورة الصناعية ما يسمى بـ "الصناع" الذين يعملون تحت إمرة حرفيين بورجوازيين صغار. ومع تطور المانيفاكتورة، برز شيئاً فشيئاً العمال الذين أصبحوا يعملون فيما بعد لدى كبار الرأسماليين.

الفرق بين العبودية والبروليتاريا:
في حين يُباع العبد دفعة واحدة، يتعين على البروليتاري أن يبيع نفسه كل يوم، بل كل ساعة. والعبد بمفرده هو على ملك سيّد واحد تقتضي مصلحته ذاتها أن تكون معيشة عبده مضمونة مهما كانت يائسة وحقيرة.
أما البروليتاري بمفرده فهو تحت تصرف الطبقة البرجوازية بأسرها إن صح التعبير. فمعيشته ليست مؤمَّنة لأن عمله لا يتم شراؤه إلا عندما تكون ثمة حاجة إلى ذلك.
وهكذا لا يكون وجود الطبقة العاملة مضموناً ومؤمَّناً إلا بصفتها طبقة بمجملها. في حين لا يعرف النظام العبودي المنافسة، يوجد البروليتاري في صميمها. وهو بالتالي يعاني من كل تقلباتها. وبينما يُنظر إلى العبد كبقية الأشياء، لا كعضو في المجتمع المدني، يُعتبر العامل كائناً بشرياً وعضواً في المجتمع. لذا قد يكون للعبد عيشة أفضل من العامل لكن هذا الأخير ينتمي إلى مرحلة أرقى من مراحل تطور المجتمع ويجد نفسه بالتالي في منزلة أرقى بكثير من منزلة العبد.
ويتم تحرير العبيد بمجرد القضاء على علاقة واحدة فقط: ألا وهي علاقة العبودية من بين جميع علاقات الملكية الخاصة مما يسمح له بالتحول إلى أكثر من عامل. أما البروليتاري نفسه فإنه لن يحرر إلا بالقضاء على الملكية الخاصة بوجه عام، ما يؤدي إلى الانتقال إلى النظام الشيوعي بل إن الشيوعية تهتم اهتماماً بالغاً بالبروليتاريا، حتى إن الشيوعية توصف أحيانا بعلم تحرير البروليتاريا، وكلاهما لا خير فيه.

الفرق بين البروليتاري والرقيق:
يتمتع الرقيق بأدوات إنتاج وقطعة أرض صغيرة مقابل تسليم "سيده" حصة من محصوله أو القيام ببعض الأعمال المعينة؛ بينما يشتغل البروليتاري بأدوات إنتاج هي على ملك شخص آخر ولحساب نفس ذلك الشخص ومقابل حصة معينة من الإنتاج. فالرقيق يعطي والبروليتاري يأخذ. معيشة الرقيق مؤمَّنة، في حين ليس للعامل أي ضمان في معيشته. الرقيق يوجد خارج علاقات المنافسة، أما البروليتاري فإنه يقع في صميمها. ويمكن الرقيق أن يتحرر:
إما باللجوء إلى المدن متحولا فيها إلى حرفي.
وإما بتقديم المال لسيده عوضاً عن المحصول والعمل المطالب بهما متحولاً بذلك إلى مزارع حر.
أو بطرد سيده الإقطاعي متحولا هو نفسه إلى ملاك إقطاعي.
وبإيجاز يصبح الرقيق منتمياً إلى الطبقة المالكة ومنخرطاً في دائرة المنافسة، في حين ليس للبروليتاري من أمل في التحرر إلا بالقضاء على المنافسة ذاتها والملكية الخاصة وجميع الفوارق الطبقية.

الفرق بين البروليتاري والحرفي:
في الورش الحرفية القديمة، لم يكن الحرفي الشاب أكثر من عامل مأجور حتى بعد أن ينهي فترة تدريبه. لكنه يتحول بدوره إلى معلم بعد عدد معين من السنوات. هذا في حين أن البروليتاري يبقى عاملاً مأجوراً طوال حياته. الحرفي قبل أن يصبح معلماً يكون زميلاً للمعلم بل قد يعيش في بيته ويأكل على مائدته.
أما العلاقة الوحيدة بين البروليتاري والرأسمالي فهي مجرد علاقة مالية.
الصانع في الورشة الحرفية ينتمي للفئة الاجتماعية ذاتها التي ينتمي إليها معلمه ويشاركه عاداته وتقاليده، بينما البروليتاري يفصله عن الرأسمالي عالم كامل من التمايزات الطبقية.
إنه يعيش في بيئة أخرى ويتبع نمط حياة يختلف جذرياً عن نمط حياة الرأسمالي وتختلف مفاهيمه عن مفاهيم الرأسمالي. ثم إن الحرفي يستخدم في عمله أدوات تكون في العادة ملكاً له أو يسهل عليه امتلاكها إن شاء ذلك، أما البروليتاري فهو يشتغل بآلة أو جزء من آلة ليست ملكاً له ويستحيل عليه امتلاكها.
الحرفي ينتج بضاعة كاملة في معظم الأحيان وتلعب مهارته في استخدام أدواته دائماً الدور الحاسم في إنتاج هذه البضاعة، أما البروليتاري فهو لا ينتج في أغلب الأحيان سوى جزء صغير من آلة معقدة أو قطعة في جهاز مركب كثير الأجزاء، أو يساهم فقط في أداء عملية جزئية من مجمل العمل اللازم لإنتاج هذا الجزء، وتأتي مهارته الشخصية في المرتبة الثانية بعد عمل الآلة. وغالباً ما تكون الآلة على كل حال أجدى منه من حيث كمية المنتجات أو تركيبها.
الحرفي تماماً مثل معلمه محميّ من المنافسة طوال أجيال عبر القيود الحرفية والأعراف السائدة، بينما العامل مضطر إلى التضامن مع زملائه أو الالتجاء للقانون حتى لا تسحقه المنافسة. ذلك أن الفائض في اليد العاملة يسحق العامل لا سيده الرأسمالي.
الحرفي مثله مثل معلمه كائن محدود، ضيق الأفق، عدو لكل ما هو جديد، بينما العامل في المقابل مضطر لأن يضع نصب عينيه في كل لحظة التعارض الكبير بين مصالح طبقته ومصالح الطبقة الرأسمالية.
عند العامل، يحل الوعي محل العصبية فيدرك أن تحسين أحوال طبقته لا يتم إلا بتقدم المجتمع بأسره.
الحرفي في نهاية الأمر محافظ ورجعي حتى عندما يتمرد بينما العامل مجبر باطراد على أن يكون ثورياً.
إن أول تقدم اجتماعي تمرّد عليه الحرفيون هو بروز نظام المانيفاكتورة، الذي يتمثل في إخضاع الحرفة بما فيها المعلم والصانع لرأس المال المرابي الذي انقسم فيما بعد إلى رأس مال تجاري ورأس مال صناعي.

الفرق بين العامل والعامل المانيفاكتورة:
كان عامل المانيفاكتورة منذ القرن الثامن عشر لا يزال يملك أدوات عمله: نول الحياكة ومغزله العائلي وحقل صغير يزرعه أثناء أوقات فراغه. أما العامل فلم يكن يملك أي شيء من ذلك. ويعيش عامل المانيفاكتورة بصفة دائمة تقريباً في الريف ويرتبط بعلاقات أبوية مع مالك الإقطاعية وصاحب العمل، بينما يعيش العامل في المدن الكبرى ولا تربطه بالرأسمالي سوى علاقة مالية صرفة. وتقوم الصناعات الكبرى بانتزاع العامل المانيفاكتوري من علاقته الأبوية فيخسر ما تبقى له من ملكية صغيرة متحولاً بذلك إلى عامل(1).

أول استخدام لكلمة البروليتاريا (2):
ربما كان أول استخدام لكلمة البروليتاريا كان من قِـبَل المفكر الفرنسي "سان سيمون" San Simon عام (1760م- 1825م)، وقد استخدمه لوصف الذين لا يملكون نصيباً من الثروة العامة، ولا يحظون بأية ضمانة من ضمانات الحياة، وحسب تعبيره فإنها طبقة بلا ماضي ولا مستقبل.
تطور المفهوم بعد ذلك على يد "كارل ماركس" Karl Marx عام (1818م 1883م)، والذي يرى أنها الطبقة التي تتحمل كل أعباء المجتمع دون أن تنال أية ميزة من ميزاته، فهي طبقة لا تعيش إلا بقدر ما تجد عملاً، وبالتالي فهي تقتات عن طريق بيع قوة عملها، فتصبح سلعة شبيهة بأية سلعة أخرى تخضع إلى قوانين السوق من عرض وطلب. ويعمل أفرادها في المصانع بالتحديد. وهي في رأيه تمثل الضياع الكامل للإنسان، وهذا الضياع لا يعوّض سوى بالثورة ضد الطبقات الأخرى.
ومع تعقد شكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية ظهر تعبير آخر هو (البروليتاريا الرثة)، وهي تلك الفئات التي تعيش على هامش الأعمال الاقتصادية، مثل مساحي الأحذية، وخدم المنازل وغيرهم. وفي رأي المفكرين الشيوعيين فإن هذه الفئات متخلفة في الوعي، ويصعب إكسابها الوعي البروليتاري المناضل.

البروليتاريا والماركسية(3):
وفقاً للنظرية الماركسية فإن البروليتاريا هي طبقة المجتمع التي لا تمتلك وسائل الإنتاج. وترى الماركسية أنه لابد أن يحدث تضارب وتصادم في النهاية بين البروليتاريا وأصحاب رأس المال. فمثلاً يريد العمال في المصانع أن تكون المرتبات أكبر ما يمكن، وساعات العمل أقل مما هي، بينما تتمثل مصلحة أصحاب المصنع في زيادة ساعات العمل وتقليل الأجور. بالتالي هذه المصالح المتضادة لابد أن تؤدي إلى التصادم.
وفقا لـ"ماركس" فإن الرأسمالية هي نظام يقوم على استغلال طبقة البروليتاريا لصالح البرجوازية مالكة رأس المال. ويتم هذا الاستغلال كالتالي: العمال، الذين لا يمتلكون رأس مال أو وسائل إنتاج، يبحثون عن فرصة عمل كوسيلة وحيدة للحصول على القوت. يتم تشغيلهم بواسطة رأسمالي ليعملوا لحسابه في إنتاج نوع من البضائع أو الخدمات. تصبح هذه البضائع أو الخدمات ملكاً للرأسمالي، ويقوم الرأسمالي ببيع هذه البضائع أو الخدمات ويحصل مقابلها على عائد مادي.
جزء من الثروة التي تم جمعها يتم استخدامه لدفع أجور العمال البروليتاريا.
الجزء الآخر ينقسم إلى قسمين:
واحد يضاف إلى ثروة الرأسمالي الخاصة.
والثاني يستخدم لتعزيز الإنتاج.
وهكذا فإن الرأسمالي يمكن أن يربح أموالا من عمل العمال لديه دون أن يقوم في الواقع بأي عمل. ويقول الماركسيون إنه مادام هناك من يكوّن ثروات جديدة دون أن يعمل، فمعنى ذلك أن هناك من يعمل دون أن يحصل على الثروة التي يستحقها. معنى ذلك أن هناك طبقة يتم "استغلالها" لجمع الثروة. هذه الطبقة هي البروليتاريا.
وهكذا كان هدف الشيوعية دوماً تحرير البروليتاريا عن طريق القضاء على الملكية الخاصة. وذلك عن طريق انتزاع المصانع وفروع الإنتاج الأخرى من أيدي الأفراد الخواص المتنافسين فيما بينهم ووضعها تحت إدارة وتسيير المجتمع بأسره. مما يعني أنها ستصبح مسيّرة في خدمة المصلحة العامة طبقاً لخطة مشتركة وبمساهمة جميع أفراد المجتمع. وبالتالي يتم القضاء على المنافسة ويستعاض عنها بمبدأ المشاركة والتعاون.

البروليتاريا الآن(4):
ونحن الآن في الألفية الثانية، فقد طرأت تغيرات عديدة على العالم، منها ثورة المعلومات والتطور الهائل للصناعة والتكنولوجيا، وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصاد في العالم، وانهيار الشيوعية (المدافع الأعظم عن البروليتاريا) وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم كقوة عظمى وحيدة، وانتقال معظم بلدان العالم للعمل بالنظام الرأسمالي للاندماج في العولمة.
يبدو الآن أن البروليتاريا قد خرجت من حسابات التاريخ في الغرب وأصبحت هذه الطبقة تشارك إلى حد ما في الأرباح الرأسمالية نتيجة لارتفاع الأجور، وبالتالي أصبحت هذه الطبقة هناك قانعة بالأنظمة السياسية القائمة. وفي دول العالم الثالث والدول التي كانت تتبع الأنظمة الاشتراكية والشيوعية لا تبدو البروليتاريا في حالة جيدة، حيث تعاني من أنظمة إجبارية للمعاش المبكر، وعمليات بيع لمصانع القطاع العام التي تعمل بها وفقا لبرامج الخصخصة والتحول الكامل للرأسمالية.
وطبقة البروليتاريا قد لا توجد في كل المجتمعات, أو قد تكون أقلية في بعض المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الفلاحي, لكن مفهوم البروليتاريا يستخدم اليوم بكثرة في العلوم الاجتماعية على الرغم من عدم تطابقه مع واقع كثير من المجتمعات الإنسانية.
وعلى الرغم من أن هذا المفهوم أجنبي ولا يتطابق بدقة مع الواقع العربي إلا أنه يستخدم في الفكر العربي الاجتماعي والسياسي بكثرة, وبعض الكتابات العربية تفضل استخدام تعبير (الطبقة العاملة) من دون تحديد, وهي تلك الطبقة التي تقوم بعبء العملية الإنتاجية في المجتمع العربي.
إنّ (البروليتاريا) المعاصرة هي وليدة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, وظهرت نتيجة تحول المجتمع الأوربي من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي الذي اتسم بتطور أساليب الإنتاج وأدواته, من الأساليب والأدوات الفلاحية الزراعية التي تعتمد على عضلات وجهد الفلاحين, إلى الأساليب أو الأدوات الصناعية, وبعبارة موجزة وليدة الثورة الصناعية, وبالتالي فإن تحديد مفهوم البروليتاريا بشكل علمي وموضوعي يحتاج إلى تحديد الطبقات الأخرى التي جاءت الطبقة البروليتاريا كنقيض لها, واهم هذه الطبقات هي طبقة (البرجوازية).

الطبقة العاملة وعلاقتها بالطبقة البرجوازية (5):
البرجوازية طبقة اجتماعية بدأت في الظهور على الساحة الاجتماعية بتلاوينها الثقافية والاقتصادية في القرن الرابع عشر نتيجة للثورة الزراعية, وتطور التجارة التي أدت إلى تراكم رأس المال, وبروز الابتكارات في أدوات الإنتاج وأساليبه التكنولوجية, وقد استمر تطور هذه الطبقة حتى القرن الثامن عشر, حيث بدت كقوة اقتصادية وسياسية وفلسفية, استطاعت أن تستولي على السلطة السياسة منهية بذلك النظام الإقطاعي القديم, ومعلنة قيام نظامها الرأسمالي الذي يقوم على إنتاج السلع وبيعها في السوق من أجل الربح.
فالبرجوازية ترمز إلى الذين يملكون رأس المال والمصانع وأدوات الإنتاج ومن دار في فلكهم, مثل التجار, ورجال الأعمال وأصحاب المحلات الكبيرة, وتاريخياً ارتبطت هذه الطبقة بالمدن الكبيرة ذات المصانع والأسواق التجارية الكبيرة.
وحسب التفسير الماركسي فإن المجتمع الرأسمالي قد قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي, نتيجة ازدياد التجارة الدولية بين الشرق والغرب على أثر الحروب الصليبية, الذي صاحبه نشوء المجتمع البرجوازي, وقيام الثورة الصناعية, الأمر الذي أدى إلى ازدياد قوة الطبقة البرجوازية التي تمتلك مصادر الثروة العقارية والزراعية والصناعية.
إن البرجوازية: حسب الطرح الماركسي هي النقيض المباشر للبروليتاريا, تمتلك الثروة ووسائل الإنتاج وأدواته, وتتحكم في التجارة وأسعار البضائع والسلع الاستهلاكية, وهي لا تعمل بيدها في الإنتاج, وإنما توظف رأسمالها لإنتاج البضائع وبيعها في السوق من أجل الربح وزيادته باستمرار.
وهذه الطبقة تحول كل شيء: الفكر, والفن, والقيم, والإنسان إلى بضائع تباع وتشترى حسب العرض والطلب وقوانين السوق. لذلك فإن البروليتاريا هي الطبقة التي لا تملك أي شيء إلا جهدها وقوة عضلاتها, وهي في المجتمع الرأسمالي تبيع هذه القوة على الرأسماليين الذين يوظفونها في مصانعهم ومزارعهم لإنتاج البضائع مباشرة لقاء أجر يكاد يساعدهم على الحياة في أدنى مستوياتها المعيشية. فالبروليتاريا بضاعة بشرية وتنطبق عليها آليات السوق الرأسمالية في البيع والشراء, أي تخضع لرحمة البرجوازي الذي يستخدمهم حين يشاء, وحسب متطلبات ربحه.
ويرى المفكرون الذين درسوا النظام الرأسمالي, أن هذا النظام يحمل بذور فنائه داخل أحشائه, فحيث يسعى البرجوازيون أو الرأسماليون إلى زيادة ثرواتهم فإنهم, في نفس الوقت, يزيدون من اتساع قاعدة الطبقة العاملة التي تصبح مفاتيح القوة الإنتاجية في يدها, فمع تطور وعي الطبقة العاملة نتيجة لتناقضات النظام البرجوازي, وتكدس الثروة وتكثيفها يصبح المجتمع الرأسمالي على مشارف ثورة ة شعبية يقودها العمال, فتطيح بهذا النظام القائم على الاستغلال والجشع, وتدشن عهداً جديداً أساسه الحرية, والعدالة بين البشر.
وتضم البرجوزية ما يعرف بالبرجوازية الصغيرة, وهي تلك الشريحة الدنيا من هذه الطبقة, وتمثل صغار الفلاحين والتجار, وأصحاب الحرف اليدوية, يضاف إليهم صغار الموظفين والطلبة والمعلمين والجنود. وتعرف هذه الطبقة في البلدان المتخلفة بالبرجوازية الوطنية نتيجة لاتخاذها مواقفاً متقدمة في قضايا التحرر الوطني والتنمية, وتأييدها لسياسات الاستقلال الاقتصادي, ورفض التبعية الخارجية, فهي في هذه البلدان, وفي بعض المراحل التاريخية من تطورها السياسي والتنموي حليفة الطبقة العاملة.

البروليتاريا في الألفية الثانية (6):
تتصف الألفية الثانية بعدة تغيرات رئيسية أهمها:
1- تطور الصناعة وتكنولوجيا الفضاء والأسلحة الفتاكة والمعلومات تطوراً هائلاً.
2- اندماج بلدان العالم في منظومة واحدة هي منظومة النظام الرأسمالي.
3- سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على اقتصاد العالم.
4- وقوع العالم تحت هيمنة قطب رأسمالي واحد هو الولايات المتحدة.
5- تبني معظم دول العالم فلسفة اقتصاد السوق الرأسمالية.
6- سيطرة رأس المال على مجمل اقتصاد المعمورة.
وجراء هذه التغيرات تحولت البرجوزية إلى طبقة رأسمالية تسيطر, وتنهب ثروات شعوب العالم بشتى الوسائل السياسية (المعاهدات) والاقتصادية (الاستثمارات, الديون ...) والعسكرية (العدوان، والاحتلال ...), وأما البروليتاريا فتبدو وكأنها خارج مسرح التاريخ, فقد سقط المعسكر الاشتراكي وأصبحت مجتمعاته دولا تلهث وراء الرأسمالية, ودول حركات التحرر المتحالفة مع هذا المعسكر تحولت إلى مواخير وأسواق للنظام الرأسمالي, كما أن الكثير من شرائح الطبقة العاملة في الغرب أصبحت قانعة بأنظمتها وبسياساتها الخارجية, الاقتصادية منها والسياسية, ذلك لأنها أصبحت شريكة في الأرباح التي تحصلها من نهب ثروات الشعوب.
لكن الصورة الأخرى لهذه التغيرات تشير إلى أن الطبقة العاملة تعززت بقوى اجتماعية جديدة تمثلت في العاطلين والمطرودين من العمل, ومن الفئات التي تعاني من التمييز العرقي والطبقي, ومن الشعوب التي تتململ ضد الطغيان الرأسمالي, وعلى المستوى النضالي تجد حلفائها الجدد بين حركات السلام, ودعاة بناء العالم على أسس العدل والمساواة وحقوق الإنسان, هؤلاء الحلفاء موجودون في كل أنحاء العالم, وقذفتهم إلى ساحات النضال كل الطبقات الاجتماعية, إنهم يولدون من أتون النار التي يوقدها النظام الرأسمالي, ومن آهات شعوب العالم.
****************************************
الهوامش:
(1) مفكرة في المذاهب الفكرية الحديثة. "عبارة عن محاضرات جمعتها أيام الدراسة".
(2 - 6) الحوار المتمدن العدد (828) لسعد سلطان بتصرف واختصار.

 4  0  2120
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:08 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.