• ×

06:49 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

إطلالة على الإيديولوجيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


الإيديولوجيا (ideology) هي مجموعة من الآراء والأفكار والمعتقدات، هذه الآراء تشمل كل من الجانب السياسي، والقانوني، والأخلاقي، والديني، والفلسفي، والأدبي. والإيديولوجيا جزء من مجمل علاقات الإنتاج التي تشكل البناء الاقتصادي للمجتمع. وهي بصفتها هذه تعكس في النهاية العلاقات الاقتصادية بين طبقات المجتمع.
ففي مجتمع من الطبقات المتطاحنة يتساوى الصراع الإيديولوجي مع الصراع الطبقي. وقد تكون الإيديولوجيا تنهج نهجاً علمياً، وقد تكون غير علمية. أي قد تكون انعكاساً صادقاً أو زائفاً للواقع الذي يعيشه المجتمع الطبقي. فمصالح الطبقات الرجعية المتخلفة في الدول الفقيرة تغذي إيديولوجية زائفة؛ لا ترى على أرض الواقع. بينما مصالح الطبقات التقدمية الثورية في الدول الرأسمالية تساعد على تشكيل إيديولوجيا علمية.
وباختصار فإن الإيديولوجيا هي علم الأفكار، وأصبحت الآن تطلق تحديداً على علم الاجتماع السياسي.
بمعنى أن الإيديولوجيا هي مادة "علم الاجتماع السياسي". (Political Sociology).
ويعرف "كارول ماركس" (Carol Marx) (1883م) الإيديولوجيا بأنها: "هي مجموعة منظمة من الأفكار تشكل رؤية متماسكة شاملة، وطريقة لرؤية القضايا والأمور التي تتعلق بالأمور اليومية أو تتعلق بمناحي فلسفية معينة سياسية بشكل خاص. أو قد تكون مجموعة من الأفكار التي تفرضها الطبقة المهيمنة في المجتمع على باقي أفراد المجتمع".
"والإيديولوجيا منهج من التفكير مبني على الافتراضات المترابطة والمعتقدات وتفسيرات الحركات أو السياسات الاجتماعية. وقد يكون محتواه دينياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو فلسفياً. وبعض الإيديولوجيات مثل الشيوعية والاشتراكية تنسب إلى نظم اقتصادية وسياسية.
ومن الإيديولوجيات الأخرى الرأسمالية والديمقراطية والفاشية والمساواة بين الجنسين والاجتماعية والعنصرية والكاثوليكية الرومانية والشمولية أو الدكتاتورية.
وفي الغالب لا يعتمد أصحاب المذاهب بصفة عامة على معلومات حقيقية لدعم معتقداتهم. فمعظم الأشخاص الذين يعتنقون مذهباً فكرياً معيناً يرفضون ما سواه من المذاهب التي لها المضمون نفسه. وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص فإن النتائج التي قامت على مذهبهم الفكري، تبدو أنها الوحيدة المنطقية والصحيحة. وهكذا فإن الأشخاص الذين يعتنقون مذهباً فكرياً معيناً يجدون صعوبة في التفاهم أو الاتصال مع مؤيدي النظرية المعارضة لهم"(1).
إن مصطلح الإيديولوجيا تم استخدامه بدلالات متعددة، كان من بينها استخدامه كمرادف لـ"علم الآراء". ولعل أول من وظف مفهوم الإيديولوجيا (ideology) بمعنى: علم الآراء، هو الفيلسوف الفرنسي "أنطوان ديستون دوتراسي" (Antoine Destutdetracy) (1836م)، الذي كان ينتمي إلى وسط المثقفين الفرنسيين ذوي النزعة الأنوارية، أي التي ترتبط بدراسة أصول الآراء وطبيعتها وتطورها، ثم استعمله بعد ذلك نابليون - لكن بشحنة قدحية هذه المرة - للحط من شأن هؤلاء المثقفين الأحرار أصدقاء (دوتراسي) أمثال الفيلسوف الحسي "كونديلاك" (condillac) (1780م)، والطبيب "كابانيس" (Cabanis) (1808م)، والأخلاقي " قسطنطين فرانسوا فولني" (C. Volney) (1820م). وقد ارتبط معظم هؤلاء بالثورة الفرنسية، وتأثروا بالتقليد التجريبي في المعرفة، وبفلسفة الأنوار، وبمناهضة الفكر الميتافيزيقي الذي يمثل في نظرهم طفولة الإنسانية، وكانوا مولعين بتقدم العلوم الطبيعية، ومن الداعين لإقامة نظام سياسي تربوي جديد.
لكن - ومع الماركسية - أصبح يُنظر إلى الإيديولوجيا انطلاقًا من "الإيديولوجيا الألمانية لماركسية"، وصولاً إلى "الإيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية" لـ"ألتوسير" (Althusser) (1990م)، بصفتها الوعي الزائف أو المغلوط الذي يتكون للفعلة الاجتماعيين، تحت تأثير السيطرة الطبقية والنفوذ السياسي للذين يملكون الثروة والسلطة، فيبرر لهم الاندماج في النظام الاجتماعي أو القبول به أو التعايش معه. إنها تعادل الاستلاب، ويكون لها أثر في وعي الناس بحساب أن البنية الفوقية ليست سوى انعكاس للبنية التحتية في المجتمع.
فالأيديولوجية في الخطاب الماركسي مرتبطة بالذات الفردية الفاعلة، وهو ما جعل "ميشال فوكو" (Michel Faucault) (1984م) ينتقد ربط الإيديولوجيا بالذات الفردية الفاعلة والوعي، وعد النظر إلى الإيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً نظراً مثالياً ذا نزعة إنسانية، ما دامت الإيديولوجيا بالنسبة له تنتمي إلى ميدان الوعي والشعور، فهي مرتبطة ببنيات خارجية بالنسبة للذات والوعي، ومندرجة إنتاجاً وتوزيعاً في إطار مؤسسات وأجهزة اجتماعية تتولى تعهدها ورعايتها وتوزيعها على الأفراد.
أما "مولينو" (Molino. J) فيوجه بدوره نقدًا لاذعًا للتصور الماركسي الإيديولوجيا الذي يقوم حول مصادرة قوامها أن الرمز انعكاس، وهي المصادرة التي لم يستطع حتى "ألتوسير" (Althusser) تخطيها.
إن الإيديولوجيا ليست محض انعكاس، إنها بلورة وإنشاء، وليست معطى جاهزاً مباشراً بسيطاً، ومن ثم يجب في نظر السيميولوجيين عمومًا طرح الإيديولوجيا في سياق تفكير عام حول الرمزي (Le Symbolique) والخروج من الدراما الثلاثية: الواقع - العلم - الإيديولوجيا، بمواجهة ما يجمع ويوحد بين العلم والإيديولوجيا، وهو طابعها الرمزي، رغم أن الإيديولوجيا - في بعدها الإبيستمولوجي - تعد نقيصة العلم، أو هي ما قبل العلم، كما يؤكد "غاستون باشلار" (Bachelard) (1962م)، أو هي العلم في صورته الجنينية قبل أن يحقق قطيعته الإبيستمولوجية، ليصبح خطاباً وصفياً، حيادياً كمياً(2).
أما عالم الاجتماع "كارل مانهايم" (Karl Mannheim) (1893م) فيعتبر الإيديولوجيا: "حصيلة الأفكار والآراء والتصورات المحافظة التي تؤيد الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع، وتساند مصالحها"(3).
ينطلق مانهايم في تحليله للإيديولوجيا من التمييز بين مفهومين، مفهوم جزئي وآخر كلي.
فالمفهوم الجزئي يشير إلى: "ما يغمر قلوبنا من شكوك وريب، وما يعتور نفوسنا من تردد، إزاء الأفكار والتمثّلات التي يقدمها خصمنا، حيث نعتبرها تزويراً، تزداد درجة الوعي به أو تقل.
أما المفهوم الكلي الذي هو أكثر منه شمولاً فيقصد به: "أيديولوجيا عصر معين، أو جماعة تاريخية معينة، حيث تتجلى لنا مميزات البنية الكلية للفكر في ذلك العصر أو عند تلك الجماعة"(4).
ولعل أبرز العوائق التي تحول دون تحديد مفهوم جامع مانع، أو على الأقل متماسك وواضح لكلمة أيديولوجيا هو مدلولها الواسع واستعمالاتها المتنوعة إلى حد التضارب، والالتباس الحاصل بينها وبين الكثير من المصطلحات التي تتصادم معها؛ فتوهمنا بأنها تحيل إليه، كالذهنية، والعقيدة، والمذهب، والرأي، والفكر، والمنظومة الفكرية والسياسية والثقافية، ورؤية العالم، والرؤية الكونية، فضلاً عن تراوح معنى الإيديولوجيا بين الدلالة المجردة الواسعة التي تكاد ترادف مفهوم الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي: كل مظاهر النشاط والإنتاج الفكري والروحي في المجتمع، وبين المعني الحصري الضيق الذي يستعمل في إطار "علم الاجتماع السياسي" أو في علم السياسة، والذي يحيل إلى "مجموعة حالات الشعور والوعي المرتبطة بالعمل السياسي"(5).
أو هو جملة التمثّلات المصاحبة للعمل السياسي في مجتمع معين، والهادفة إلى الاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها، فهي من ثم تشكيلة قولية سجالية وظيفتها تكريس ممارسة السلطة في المجتمع(6).
وفي هذا الإطار عمل "ألتوسير" (Althusser) على التمييز بين الإيديولوجيا الكلية والإيديولوجيا الجزئية.
فالأولى: أقرب ما تكون إلى الثقافة أي الإطار الاعتقادي أو الفكري العام المؤطر للمجتمع.
أما الثانية: فتعني الإيديولوجيا الطبقية، أو الجزئية العاملة في المجال السياسي والثقافي.
فالمفهوم العام للإيديولوجيا بوصفها ثقافة يماثل ما يدعوه " إميل دوركايم" (Emile Durkheim) (1917م) باسم:
الوعي الجماعي Collective consciousness)) (7).
إن تتبعنا لحصر التعاريف، مهما تعددت، وتنوعة لن يفيد في شيء بخصوص تكوين مفهوم واضح محدد لمصطلح الإيديولوجيا وما يحيط به من غموض والتباس.
وعليه فسيكون لزاماً علينا الاستعانة ببعض النماذج التنميطية التي تحاول التأليف والجمع بين الاستعمالات والتعاريف المتقاربة، سواء من حيث المعنى أو الهدف أو الوظيفة أو مجال التداول.
"أن الأيديولوجيا ظاهرة كلية تتعلق بمستويات الوجود الاجتماعي كافة: المستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي، والمستوى السيكولوجي، والمستوى المنطقي"(8).
"إن السوسيولوجي يمكنه أن يكشف عن الوظيفة الإدماجية للإيديولوجيا، وعالم السياسة بمقدوره أن يحلل الوظائف الأساسية للإيديولوجيا بوصفها مصدراً للمشروعية وإطاراً مرجعياً للعمل السياسي، وعالم النفس يمكنه أن يحلل وظائفها السيكولوجية لدى الفرد وارتباطها باستعاراته السيكولوجية الخاصة، أما المنطقي فبوسعه أن يحلل آليات التفكير الإيديولوجيا في كل هذه المستويات الأساسية"(9).

تحديد مفهوم الإيديولوجيا:
في إطار معرفة الدلالة الخاصة بهذا المفهوم على هذا النحو نجد أنه لا بأس من الاستئناس بالتمييز الذي أجراه "عبد الله العروي" في كتابه "مفهوم الإيديولوجيا" بين ثلاثة معانٍ كبرى للمفهوم تبعاً للمجالات الاجتماعية العامة التي برز فيها، وذلك على النحو التالي:
أولاً: مجال الصراع السياسي: حيث تعني الإيديولوجيا كل تفكير خادع أو تضليلي؛ فالإيديولوجيا هاهنا تتخذ شكل قناع.
ثانيًا: مجال الاجتماعيات: حيث تعرف الإيديولوجيا باعتبارها حصيلة الأفكار والقيم والمثل والتصورات التي تتبناها جماعة ما، وهي التي تحدد لها رؤيتها للواقع الاجتماعي والتاريخ؛ فالأيديولوجيا هنا تعني رؤية كونية.
ثالثًا: مجال الإبيستمولوجيا أو نظرية المعرفة: فليست الإيديولوجيا في هذا المجال سوى المعرفة الظاهرية السطحية، في حين أن العلم هو المعرفة الموضوعية العميقة بكنه الأشياء.
كما لا بد من الإفادة والاستفادة من محاولة الدكتور: "محمد سبيلا" القيمة لصياغة نظرة تكاملية للإيديولوجيا بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية وسيكولوجية وسياسية ومعرفية وليست ظاهرة سياسية وحسب، كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة.

نقد الإيديولوجيا:
لكن الإيديولوجيا تعرضت لحملة عنيفة من النقد الإبيستمولوجي، انطلاقًا من التعارض المطلق بينها وبين العلم من ناحية، وبين النقد الفلسفي من ناحية ثانية، يرى النقد الفلسفي في التفكير الأيديولوجي مجرد تفكير تبسيطي جاهز، ومن ثم فهو أقرب إلى طريقة التفكير الأسطوري حسب قول "آرنست كاسيرر" (Ernst Kasearer) (1945م).
أما "كارل بوبر" (Karl Popper) (1994م) فيرجع التفكير الأيديولوجي إلى أفلاطون، ويعده تفكيراً لا علاقة له بالواقع، وأنه نوع من الهرطقة التي تحل محل فهم الأحداث. أما "إيسيا برلين" (Berline. I) فيرى أن نجاح الإيديولوجيا لا يرجع إلى كونها حقيقة صادقة، ولكن يرجع إلى بساطتها وسذاجتها فحسب، ولهذا تقوم الإيديولوجيا مقام التفكير بالنسبة للجماهير غير الواعية.
وبالنسبة لـ"هايديجر" (Heidegger) (1976م) فإن الإيديولوجيا تفكير جاهز تمارسه الجماعة، ويعفي الفرد من عناء التحليل والتساؤل. فالذين ينخرطون في إيديولوجيا معينة بوصفها فكراً جاهزاً يشعرون بفخر المعرفة وغبطة امتلاك الحقيقة، ويكتفون بترديد الصيغ الجاهزة.
وإلى جانب هذه الانتقادات الإبيستمولوجية والفلسفية هناك دعوات للتبشير بنهاية الإيديولوجيا في محاولة لتنميط الأفكار والقيم والتصورات والمشاعر والمعتقدات، ولعل أبرز ما يمثل هذا الاتجاه هو الفيلسوف "فرانسيس فوكوياما" (Francis Fukuyama) - ولد عام (1952م) - من خلال مقولته حول نهاية التاريخ التي يمكن النظر إليها بحق بوصفها غطاءً أيديولوجياً للعولمة التي تعد محاولة لأمركة العالم(10).

الإسلام والإيديولوجيا:
هل يمكن أن نعتبر الدين أيديولوجياً؟ وحتى نحقق المعرفة في طرح السؤال يجب أن نخرج من دائرة التعميم إلى دائرة التخصيص، فنقول: هل الإسلام ديناً أيديولوجياً؟
الواقع أن الإسلام في حد ذاته: أي في نقائه وصفائه الأول لم يكن أبداً وعياً زائفاً أو مغلوطاً بالواقع، وإنما جاء أساساً لمحاربة هذا الوعي المشوه وتأسيس وعي يقوم على هدي العقل في إتباع صحيح النقل. والنظر إلى أنه يقوم على هدي الوحي، حيث لا تعارض ولا تناقض ألبتة بين العقل الصريح والنقل الصحيح في دائرة المعرفة الإسلامية، والأدلة العقلية ليست قطعية دائماً بدليل اختلاف العقول ونسبيتها. وفي هذا الإطار يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
" كون الشيء معلوماً بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكرٌ بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر"(11).
"ومن ثم يظل العقل محتاجًا إلى النقل (المرجعية) كي يصبح معقولاً حقاً. فالنص يعلم العقل طرق الاستدلال الصحيح، وبدون النص قد يضطرب العقل ويزيغ. فالنص قد استخدم البرهنة على القضايا بالأصولية (من الأدلة العقلية اليقينية ما يقدره العقليون حق قدره). وهكذا، فعقلانية النص لا تأتي فقط من إيماننا بصدق الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ فنبني على هذا الصدق الذي هو قضية عقلية، صدق ما أخبر به الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل إن النص قد استخدم براهين عقلية متنوعة، وهو ما يثبت أن النص خطاب عقلي، بل ومعلم للخطاب العقلي أيضًا"(12).
ولكن هذا لا يعني أن النقل في غنى عن العقل، فالنقل ذاته يدعو إلى استخدام العقل: قال الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) (الروم:42). فالنظر هنا يعني إعمال النظر: أي العقل.
وقال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق: 5-7)، وقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران:190). فالنقل انسجاماً مع منطوق ومفهوم هذه الآيات وغيرها، أي انسجاماً مع ذاته في حاجة إلى العقل، ولكن ليس كل عقل بل "العقل الصريح" بتعبير ابن تيمية، أو "الدليل العقلي القطعي".
فالعلماء المسلمون لم يعارضوا مطلق العقل ألبتة، وإنما عارضوا (العقل اليوناني) و(العقل الإغريقي). هم لم يعارضوا النظر العقلي المتوازي والدليل العقلي القطعي وإنما عارضوا العقل المكوَّن في ثقافة أخرى هي اليونانية أو الغنوصية(13). بمعنى عارضوا العقل الوثني.
استناداً إلى التمييز الذي يقيمه " أندريه لالاند" (Andre Laland) (1963م) بين ما يسميه (العقل الفاعل La raison constitue ) و(العقل المفعول La raison constituante). فالأول هو الملكة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ كلية وضرورية، وهي واحدة عند جميع الناس، في حين أن الثاني هو العقل كما يوجد في حقبة زمنية معينة، إنه منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما، والتي تعطي لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة(14).
وتلك هي الحقيقة التي جعلت المفكر "علي حرب" في "مداخلاته" يعتبر أن محاكمة العقل الإسلامي انطلاقاً من "العقل الكوني": عقلانية أرسطو والعقلانية اليونانية القديمة والعقلانية الأوروبية والأمريكية المعاصرة هي مظهر من مظاهر التسلط والهيمنة والتمركز حول الذات الغربية.
فإذا كانت المعرفة الأيديولوجية نقيضة لكل معرفة عقلية وعقلانية، فإن موقف الإسلام من العقل والعقلانية كان إيجابياً.
وإذا كان الصراع التاريخي الغربي بين العقل والدين قد صاغ وفرض السؤال التالي:
من مع العقل ومن مع الدين؟
فإن البداية الصحيحة والعقلانية العادلة في مجال نظرية المعرفة الإسلامية يجب أن تنطلق من التساؤل التالي: من مع العقل الذي يرتكز على الإسلام، ومن مع العقل الذي يقوم على مرتكزات أخرى كالوثنية والإلحاد وغيرها؟
فالصراع ليس صراعاً بين عقل ولا عقل، وإنما هو صراع فيما بين مقولات يحمل كل منها عقلاً محدداً، ومن ثم يمكن تحديد الخلافات الجوهرية بين المقولات؛ ولهذا ركز الإسلام خطابه على الذين يعقلون. ويمتلئ القرآن بالآيات التي تخاطب العقل وتزوده بالأدلة والبراهين.
ولكن الذين يضعون العقل في جانب والإسلام في جانب آخر يتجاهلون حقيقة موقف الإسلام من العقل؛ ذلك أنه من الخطأ المنهجي والعلمي والبحثي أن تنسحب التجربة التاريخية الأوروبية فيما يتعلق بالصراع بين الكنيسة وخصومها على ما يجري من صراع في ساحتنا. فالسمات هنا مختلفة بالكلية في حالة المتصارعين؛ حيث تقارن بالسمات التي مثلت حالة المتصارعين هناك.
فالصراع الذي جري في التاريخ لم يكن صراعاً بين عقل ولا عقل، بل هو صراع فيما بين مقولات يحملها هذا العقل ويرفضها ذلك العقل؛ لأن الصراع - فيما بين البشر - كان دائماً فيما بين العقول، ولكن العقول تختلف فيما تعقل وفيما لا تعقل.
ولهذا لا يصح أن يُوصف معارضو الدين تلقائياً باسم أصحاب العقل وأنصاره، بينما يوصف أهل الدين بأنهم مجانبون للعقل أو محتقرين له. فالإنسان يؤمن ولا يؤمن من خلال العقل، وكل فكر يحمله عقل محدد، ولا امتياز لفكر على آخر من حيث العلاقة بالعقل، وإنما يبدأ التمايز أو الامتياز من مكنونات ما يحمل كل عقل وما يُتقبَّل أو لا يُتقبَّل(15).
ومن ثم لا يدور النقاش بين من مع العقل ومن ليس مع العقل وإنما من مع هذه المقولة ومن ضدها؟ والمقولات تبعاً لذلك تختلف فيما إذا كانت ذات حمولة أيديولوجية أم لا؟
وإذا كانت الإيديولوجيا لا تُعنى بطرح الإشكالات .. وتقديم الأسئلة وإنما تقتصر على تقديم الأجوبة الجاهزة، فهل هذا الأمر ينطبق على الإسلام؟ من المعلوم أن نظرية المعرفة الإسلامية تتفرع إلى قسمين:
الأول: قسم يشمل الأمور التوقيفية المتعلقة بقضايا العقيدة: عالم الغيب.
الثاني: قسم يشمل الأمور التوفيقية المتعلقة بالمعاملات الخاصة والعامة بما فيها نظرية الدولة والمجتمع: عالم الشهادة.
فدائرة الأمور التوقيفية ذات المضمون العقدي الغيبي (الله - الروح - الجنة - النار الملائكة إلخ ...) لا مجال لإعمال العقل فيها بتاتاً بل الإيمان بها واجب، وإن لم تُدرَس ماهيتها؛ لأنه لا يترتب على عدم معرفتنا لمعانيها شيء يخص معاشنا، كما أنه لا ينتج عن الخوض في كنهها وماهيتها أي طائل يذكر أو فائدة مرجوة. ولهذا وضع القرآن أمام المسلمين الحقائق الغيبية الكلية جاهزة في إطار نسق فكري ضمّنه تصوراته ومفاهيمه عن الوجود والكون والحياة؛ لأن العقل البشري بقصوره عاجز عن الخوض فيها، رغم أن الإسلام اعتبر مفتاح العبادة العلم:
فلا عبادة بلا علم. فشرط عبادة الله ومعرفته واجب شرعي؛ لأن الإيمان الحرفي الوراثي لا مكان له في الإسلام.
أما دائرة الأمور التوفيقية ذات المضمون التاريخي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. أو ما يسمى عالم الشهادة، فالمسلمون مطالبون بتحريك كل طاقاتهم ومهاراتهم وملكاتهم في هذا العالم؛ لأنهم خُلقوا أصلاً من أجل الصراع في عالم المادة، والاجتهاد في بناء مجتمع تتجلى فيه - ما أمكن - قيم الحق والخير والعدل والحرية والمساواة والعلم. فالمسلمون في عالم الشهادة مأمورون بصياغة وتنزيل نظريات في المعرفة الإنسانية، وأخرى في الاقتصاد، وثالثة في الاجتماع، ورابعة في السياسة، وخامسة في التكنولوجيا: أي أنهم مطالبون بكل ما يطرح التصور الوضعي للحياة من إشكالات ومشاريع. ففي عالم الشهادة لا مكان إذن للأجوبة الجاهزة.
فالعقل المسلم مطالَب بالتفسير والتحليل والتفكيك والتساؤل والنقد والتقويم.
وهكذا نخلص إلى أن الإسلام باعتباره ديناً سماوياً متعالياً لا يقدم لمعتنقيه في عالم الشهادة أجوبة جاهزة ونهائية، وبالتالي لا يمكن اعتباره أيديولوجيا، بل هو هنا - بهذا التمييز - يمثل قمة العلمية حينما يحدد للعقل والمعرفة مجالها الدقيق: مجال التجربة والمشاهدة والمعاينة.
**************************************
الهوامش
(1) الموسوعة العربية العالمية (ج3/459).
(2) محمد سبيلا "الإيديولوجيا نحو نظرة تكاملية"، الدار البيضاء، المركز الثقافي الغربي، طبعة عام 1992م (ص11) بتصرف.
(3) كارل مانهايم "الميتافيزيقا: العصر والإيديولوجيا" نقلاً عن عبد السلام بن عبد العالي، الدار البيضاء، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، طبعة عام (1981م) (ص49) بتصرف.
(4) محمد سبيلا، "الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية" مرجع سابق (ص40) بتصرف.
(5) Chaff, Histoire et Verite Antrops Louis, P: 163.
(6) Beachler, Qu est ce que lideologie Gallimard, 1976, p :21.
(7) انظر تفسيراً لهذه الفكرة عند "عبد الله العروي" في كتابه "مفهوم الإيديولوجيا".
ولدى محمد سبيلا، مرجع سابق، (ص186) بتصرف.
(8) محمد سبيلا، "الإيديولوجيا نحو نظرة تكاملية" مرجع سابق (ص221) بتصرف.
(9) المرجع السابق (ص10).
(10) عبد السلام محمد طويل، أوراق في أزمة الديمقراطية الليبرالية من خلال كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير، جريدة الراية المغربية، الإعداد من 89 إلى 96، سنة 1994م.
وكذلك انظر: الدولة الديمقراطية الليبرالية دولة متجانسة جامعة أم دولة مأزومة، لندن، مجلة العالم، العدد: 528، سنة (1995م) بتصرف.
(11) درء تعارض العقل والنقل (ج3/116).
(12) محمد يتيم: "ابن تيمية ومسألة العقل والنقل"، مجلة الفرقان المغربية، عدد: 8، 1987م، (ص 18).
(13) المرجع السابق (ص18).
(14) علي حرب، مداخلات، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة سنة (1985م) (ص231) بتصرف. وانظر موسوعة "لالاند" الفلسفية.
(15) منير شفيق، "الإسلام في معركة الحضارة"، تونس، دار البرق للنشر، طبعة سنة (1991م) (ص138-139) بتصرف.



 2  0  2463
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:49 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.