• ×

05:26 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

قصة التعليم في فيفاء (16)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الاستهزاء بطلبة العلم السلفي وأثره




أثمرت المدرسة السلفية التي أقامها الشيخ / عبد الله بن محمد القرعاوي وعيا دينيا سلفيا حيث تعلم الناس فيها أحكام الصلاة والعبادات على المذهب السلفي المتفق مع الكتاب والسنة وطبق ذلك بعض الناس عمليا عن قناعة ، وبقي آخرون في تردد هل يتبعون ما تعلموه في هذه المدرسة أم يبقون على المألوف من مذهب الآباء والأجداد .
هنا ظهر صراع فكري بين الزيدية والسلفية ، تجلى ذلك فيما تعرض له كل من / علي بن قاسم الفيفي ، وعلي بن أحمد يزيد آل شحرة بعد ما عادا من رحلتهما لطلب العلم في سامطة من حملة استهزاء كبيرة كان لها أثر عليهما .
لقد أدركت بنفسي جانبا من هذه الحملة يوم كنت صبيا ، فقد كنت أذهب مع الوالد لأداء صلاة الجمعة في مسجد ( الحيداني ) المعروف الواقع شرقي الجبل ، وجماعته يتبعون المذهب الزيدي ، وأهل ذراع منفة وما حولها مشهورون بفن ( المقَّات ، بتشديد القاف مع فتحها من المقت ، والزرمة ) بتشديد الزاء مع فتحها وسكون الراء بعدها المعروفة ، وهي من التنابز بالصفات والألقاب .
كان المصلون في مسجد الحيداني يجتمعون بعد أداء الصلاة في ساحة المسجد ( الصوح ) ، ويطلقون ألسنتهم بكلام عام فيه همز ولمز غير موجه لأحد بعينه إنما المقصود به يكون معروفا ، هذا الأسلوب استعملوه مع من يصلي معهم على المذهب السلفي ـ أي الذين يضمون في الصلاة ، ويؤمنون ، فيقول أحدهم : رأيته يمسك ببطنه كأنه يؤلمه ، أو كأنه تعشى كذا وكذا ، أشيئا معينة تسبب غازات ، ويصحبون ذلك الهمز واللمز بضحكات جماعية مرتفعة ، وهم بذلك يلوحون للذين يضمون في الصلاة ، ومن يؤمن في الصلاة يقول أحدهم : أنا سمعت كذا ، أو سمعت كأن هرا دعس على ذيله ، ويتزامن هذا مع نصائح من العقال للوالد بأن لا يسمح لولده يسافر وهو في ذلك السن فيتعرض للخطر .
هذه الحملة الشعواء أثرت في علي بن أحمد يزيد آل شحرة فتوقف عن الدراسة ، وتوقف عن تطبيق أحكام الصلاة التي تعلمها ، وانضم مع أقرانه في اللهو واللعب ، أما علي بن قاسم فقد تأثر هو الآخر وأصبح قاب قوسين أو أدنى في ترك الدراسة وترك ما تعلمه من أحكام الصلاة لكنه بقي في صراع مع نفسه ولم يتخذ قرارا ، وأصبح في حيرة من أمره لم يدر ما ذا يفعل إلى أن هيأ الله له من نصحه فأنار دربه وأزال حيرته ، وهي النصيحة التالية :
نصيحة جاءت في وقت مناسب

من أجل تفادي ما يجده في مسجد الحيداني من مضايقات ( وزرمة ومقات ) كان يذهب لأداء صلاة الجمعة في مسجد ( النفيعة ) الذي يصلي فيه الأمير ومن معه من الأخوياء حيث يوجد فيه من يضم ويؤمن في الصلاة ، كان يفعل ذلك ليبتعد عن مضايقة المستهزئين به وبأمثاله ، وكان وقتها في سن المراهقة ، وهو سن يعيش صاحبه في دوامة من القلق والحيرة والتردد والاضطراب ، فهو في هذه السن كان قلقا مضطربا مترددا هل يترك الدراسة وما تعلمه وينخرط مع الشباب أمثاله ، أو يغير مسار تعلمه إلى اليمن كما فعل أسلافه ، أو يصبر على ما يلقاه من النبذ والاستهزاء ، ولم يستطع أخذ قرار حاسم ، لكن في تلك الجمعة المباركة ذهب للصلاة كما ذكرت إلى مسجد ( النفيعة ) فلما قضيت الصلاة خرج من المسجد وجلس بجوار المسجد ينتظر انصراف الناس ليعود أدراجه إلى منزله ، ويظهر أن الفقيه / حسين بن شريف العبدلي الفيفي ـ رحمه الله ـ قد لحظه في صلاته وعند خروجه ، ويظهر أنه أعجب بنظافته وحسن أدائه للصلاة رغم صغر سنه فتبعه حتى جلس بجواره على الجلسات التي كانت موجودة بجوار المسجد ودار بينهما الحوار التالي معناه :
أخذ يسأله عن اسمه واسم أبيه فلما عرفه ، وكان يعرف الوالد ، قال له : سمعت أنك هاجرت إلى سامطة لطلب العلم ، قال نعم ، فقال له : ولماذا أنت هنا ، قال له : إنني قد ختمت القرآن وخضته ـ أي أعدت حفظه ـ وهذا هو المهم ، وأنا أفكر في ترك الدراسة لأن الناس انتقدوني واتهموني بأنني قد غيرت المذهب
فأخذا يسأله ، هل منعه والداه من استكمال الدراسة . ؟ قال : لا ، ثم سأله : عن الدروس التي تدرس له ، وهل التدريس منتظم في المدرسة ، وهل يجد الطلاب الغرباء أكلا وشربا .؟ فأجابه بذكر المواد العلمية التي تدرس لهم في التوحيد والتجويد والفقه والحديث والفرائض والنحو والسيرة النبوية وغير ذلك ، وأن الدراسة منتظمة في المدرسة من صلاة الصبح حتى صلاة العشاء ما عدى وقت الصلوات والأكل ، وأن الأكل يؤمن لهم مجانا ، فأعجب بذلك وتمنى لو يعود إليه الشباب ، وليس معه المشاغل الموجودة ليذهب معه للدراسة ، وذكر له المتاعب التي يجدها من يهاجر إلى اليمن بسبب عدم توفر الأكل ومن يقوم بالتدريس ، ثم وجه له نصيحة مدعومة بالواقع المحسوس فقال له :
يا ولدي : ترى طلب العلم فيه تعب ومشقة ويحتاج إلى صبر ومثابرة ، وقال : العلم لا يوضع في إناء ويشرب إنما يؤخذ مسألة مسألة ، فهو كقطر المطر النازل من السماء يأتي قطرة قطرة ، لكن مع توالي نزوله لا تلبث الأودية حتى تتحمل سيولا من تلك القطرات ، ثم قال له : ترى علماء المذاهب كلها يأخذون من معين ومصدر واحد هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالزيدي والشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي كلهم يأخذون من هذا المعين والمصدر ، وأنت يا ولدي لا زلت في أول الطريق فعليك أن تجتهد في الدراسة وتتعلم ولا تشغل نفسك بالخلاف الحاصل بين العلماء ، عليك أن تبحث وتدرس فإذا أصبحت عالما تعرف دليل المسائل التي فيها خلاف حينئذ اختر من القول ما له دليل من الكتاب والسنة ، ثم لفت نظره لحال الذين يستهزئون به ، فقال : إن الذين يستهزئون بك جهال لا يعرف أحدهم حكم الوضوء ، وقال له : إن لهؤلاء أمثالا من الذي كانوا يستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الرسل والدعاة والعلماء ، وطلب منه أن يعرض عنهم ولا يلقي لهم بالا ، ثم سأله فقال : هل منعك أبوك وأمك من الهجرة .؟ فقال : لا ، فقال له : الآن اذهب إلى بيتك واستأذن من والديك وارجع إلى سامطة واستكمل دراستك ، ولم يفارقه حتى وعده بالعودة إلى سامطة ، وقد رجع إلى البيت ، وأخبر الوالد بأنه يرغب العودة إلى سامطة ، ومن توفيق الله أنه لم يمنعه ولم يعارضه ، وطلب منه أن يستأذن من أمه ، فلما استأذنها وفقها الله هي الأخرى وقالت : لن نمنعك من طلبة الله ، ولا نقدر على حمايتك من الموت إذا أراد أخذك حتى لو وضعناك في هذه ( السحارة ) ، وأشارت إلى سحارة كانت موجودة في البيت ، والسحارة هي الخزنة المعروفة التي تحفظ فيها الأشياء الثمينة ، وجهزته بما تيسر من زاد ودعاء بأن يوفقه الله ويحفظه ، وهي دعوة من أم محبة لا شك مستجابة ، وانطلق عائدا إلى المدرسة في رحلة شاقة محفوفة بالمجهول والمخاطر ، وسوف نذكر شيئا عن تلك الرحلة في الحلقة القادمة .
شعبان عام 1431 هـ


بواسطة : faifaonline.net
 2  0  980
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:26 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.