• ×

05:22 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

سَرقةُ الكلمات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السرقة كلمة قبيحة، وفعل يخفي ورائها من الخبايا وسوء الطوية مالا يعلمه أحد سوى السارق نفسه .. سرقة الممتلكات واقع لا يتجادل فيه شخصان أو كما قيل: (لا تنتطح فيه نعجتان) .. السرقة في اعتقادي مرض نفسي أو وراثي أيهما أسبق، ولشناعة هذا الفعل فقد توعد الله فاعله بالعذاب في الآخرة، وحكم عليه في الدنيا بقطع يده جراء ما اقترفت من الآثام، والحيف والجور والتعدي على ممتلكات الآخرين، قال تعالى:(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38).
ليس هذا موضوعي مع أنه مهم للغاية لكننا نعلم النقاش فيه سلفاً.
السؤال: هل هناك سرقة تحدث بين الناس لا تدخل فيها الماديات أو بالأصح ما يكون المال سبب في وجوده؟ أو لنقل عامةً "المال".
نعم وجد ذلك على مر العصور والأزمان .. ووجد بكثرة في زمننا؛ من أناس يدعون الثقافة والمعرفة والعلم. فلا تكاد تقع له على موضوع إلا وتتفاجأ بأنه سرقه من شخص أخر؛ أو أنه كان في الأصل فكرة شخص أراد بها عمل يقدمه إلى قرائه أو يكمل به دراسته.
أوقد يكون سرقه من موقع على شبكة الإنترنت ونسبه إلى نفسه بالاسم؛ أو بعدم ذكر الكاتب الحقيقي له فيبقي الأمر مبهماً على القراء. والسبب في ذلك ما نسمعه من كثير من الناس: "أن الإنترنت لا حشمة له".
شخص هذا طبعه ليس من أهل العلم لأن أهل العلم يمتازون بأمانة النقل والتقوى.
وليس من أهل المعرفة لأن أهل المعرفة لا يحتاجون إلى أفكار الآخرين.
وليس من أهل الثقافة لأن أهل الثقافة يستطيعون كتابة أفكارهم وتدوينها دون سرقتها.
إذاً ما حكم سرقة أفكار الآخرين - وكتاباتهم ومقولاتهم وأطروحاتهم - في ضوء الشريعة الإسلامية، وهل ورد في ذلك نص شرعي يبين الحكم؟ فلعله يردع من اعتاد مثل هذا الفعل.
إن الحكم في هذا الباب قد يخفى على كثير من الناس قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"من ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار" رواه مسلم في صحيحه.
فالحديث: "من ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار". يعم ما عرف في عصرنا بالسرقة العلمية، والثقافية والمعرفية ونسبتها إلى السارق.
وتعليقاً على هذا الحديث يقول ابن حجر رحمه الله: "يؤخذ من رواية مسلم تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوى الباطلة كلها؛ مالاً وعلماً وتعلماً ونسباً وحالاً وصلاحاً ونعمة وولاء وغير ذلك". فتح الباري (ج6/541).
فإذا كان جزاء سارق المال هو قطع اليد. فما جزاء سارق الأفكار والمقالات؟ لو قسناه على ما سبق، وألحقناه بوعيد الآية التي لم تخصص السرقة وتعلقها بشيء معين. لقلنا بأنه قد يستحق قطع يده التي سرقة تلك المقولة ونسبتها إلى شخصه.
ولن أستغرب أبداً أن أجد مقالتي هذه غداً في أحد المنتديات أو أحد الملتقيات على شبكة الإنترنت، لأن الأمانة في هذا الزمن قد ضاعت من أكثر الناس، ولم يعد يوجد في قلوبهم مكاناً لها، وهذا مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما تفقدون من دينكم الأمانة.
في زمن لم يعد الإنسان فيه يأمن على نفسه من سفهاء البشر؛ فكيف بأفكاره وآرائه.


 8  0  872
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:22 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.