• ×

11:13 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

قصة التعليم في فيفاء (17) .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عودة / علي لسامطة وما وجد في رحلته هذه من المتاعب .


ذكرت في حلقة سابقة بأن زميله ورفيق دربه / علي بن أحمد بن يزيد آل شحرة ـ رحمه الله ـ قد تأثر بما يقوله المستهزئون فترك الدراسة وانخرط مع إخوته وغيرهم في اللهو واللعب ، وكان يسكن هو وإخوته مع والدهم في منطقة ( سقام ) المعروفة في أسفل الجبل من جهة الجنوب .
لما عزم علي بن قاسم على العودة للدراسة لا شك أنه وجد هما وقلقا كبيرا لأن سفره الآن سيكون وحيدا بدون مرافق بعكس المرات الأولى التي كان يرافقه فيها زميله / علي بن أحمد آل شحرة ، وتصور مدى الصعوبة عليه وعلى الوالدين ، وفي ذلك الوقت لا توجد وسائل للنقل والمواصلات ، والمسافات بعيدة لعدم وجود طرق معبدة ، والطرق محفوفة بالمخاطر ، وكان عمره حوالي السادسة عشرة ، والمسافة بين فيفاء وسامطة بعيدة ، والطريق متعب وغير آمن ، ولا يوجد وسيلة للركوب وحمل الأمتعة الخاصة به ، لكن أمله لم ينقطع في أن يسافر معه زميله / علي بن أحمد آل شحرة ، وأنه سوف يستطيع أن يقنعه بذلك ، فانطلق في سفره إلى جهة ( سقام ) وهناك وجد زميله مع إخوته وقد انغمسوا في حب اللهو واللعب ، فعرض على زميله بأن يعود معه فرفض ، بل عرضوا عليه بأن يرافقهم إلى مكان اللهو واللعب ويترك الدراسة لكن الله ثبته ، فانصرفوا إلى لهوهم ولعبهم ، وهو ذهب إلى مسجد ( الطحلة ) القريب ونام تلك الليلة في المسجد ، وفي الصباح أتى إلى المسجد لصلاة الصبح / سليمان بن محمد علي آل خفشة وكان يسكن بالقرب من المسجد فوجد عليا وتعرف عليه ، وسأله ما الذي أتى به إلى هناك فأخبره ، فذكر له حال / علي بن أحمد وإخوانه وأنه قد توجه إلى غير وجهته ، ثم أخذته النخوة وشد سرج دابته ( حماره ) وحمل عليه أغراض الأخ / علي ورافقه إلى سوق العارضة ، وهناك زوده برسالة إلى صديق له في إحدى القرى اليمانية التي تقع على طريقه ، وطلب من الأخ / على أن يرافق بعض الذين أتوا للسوق من أهل أبي عريش حتى مفرق الطريق اليماني الذي يتجه إلى سامطة ، واتجه إلى الطريق الذي يؤدي إلى سامطة ، وتنقل من قرية إلى أخرى حتى وصل سامطة ولله الحمد .
ونستكمل قصة هذه الرحلة الشاقة لنعرف في آخرها تلك المعاناة التي يعانيها الوالدان في حال سفر أحد أبنائهم في مثل هذه الرحلة ، كان بعد سامطة عن فيفاء في ذلك الوقت أكثر من بعد أمريكا عن فيفاء في الوقت الحاضر ، فالطرق شاقة ، ووسائل النقل معدومة ما عدى الحمير والجمال لمن هي في مساره وتوفر لديه أجرة ركوبها ، والمواصلات معدومة فلا بريد ولا تلفون فضلا عن الجوال الذي أصبح في وقتنا الحاضر مع الرجل والمرأة والكبير والصغير فسبحان من غير الأحوال .
كانت وسيلة التواصل بين المغترب وأهله في ذلك الوقت هي الرسائل المكتوبة ، ووسيلة نقلها هو مع الذين يقصدون الأسواق الأسبوعية في المنطقة لكن فيفاء كانت معزولة في جبالها ، وأقرب الأسواق التي يقصدها المتسوقون القريبة من فيفاء هو سوق عيبان ، وسوق العارضة ، ولك أن تتصور كيف يمكن لرسالة مع أحد من يقصد هذه الأسواق ترسل من سامطة إلى فيفاء كيف يوصلها حاملها إلى المرسلة إليه ، وهو لا يعرف صاحبها ، هذا إذا كان مهتما بإيصالها من باب فعل الخير .
بعد ما وصل / علي بن قاسم إلى سامطة انكب على طلب العلم في جد واجتهد ، واستغرق في ذلك حتى نسي أهله ولم يشعر بالغربة والوقت ، فطالت المدة التي قضاها في سامطة حتى تحرك الوجد عند أمه ، وأصبحت تفكر فيه أهو حي أم ميت لانقطاع أخباره ، وكانت الوالدة جلدة على الصبر والتحمل ولكن لكل شيء حدود ، فلما زاد شوقها لأخبار ولدها طلبت من الوالد السؤال عن الولد والبحث عن مصيره ، فقال لها : أين أبحث عنه وحد معرفتي سوق عيبان ، ولو كان خبره من عيبان إلى أعلى الجبل لعلمنا بذلك ، أما ما بعد عيبان فكيف أستطيع معرفة ذلك . ؟ .
وزاد الحنين ، وزاد الطلب من الأم الحنون للوالد بأن يبحث عن الولد ، فهو الرجل الذي يجب عليه أن يفعل ذلك ، عندئذ تذكر الوالد الشيخ / عبد الرحمن بن محيميد الذي كان أميرا للعارضة ، وهو زوج ( محسنة بنت فرح ) التي هي بنت أخته من الرضاعة ، والعارضة وإن لم يصلها من قبل فجهتها أمام ناظريه ، وتوجه إلى العارضة مشيا على الأقدام ، ولما وصل العارضة استقبل من بنت أخته وزوجها وفرحا به ، وقص عليهما خبر مجيئه فاهتم الشيخ / عبد الرحمن بن محيميد بالموضوع .
إنه يأتي لسوف العارضة متسوقون من أبي عريش ، ويأتي لسوق أبي عريش متسوقون من أحد المسارحة ، ويأتي لسوق أحد المسارحة متسوقون من سامطة فأعد ابن محيميد خطابات لزملائه أمراء أبي عريش ، وأحد المسارحة ، وسامطة يطلب منهم مساعدة الوالد حتى يصل سامطة .
عند قرب انصراف المتسوقين من سوق العارضة أحضر للوالد حمارا ووضع له عليه زادا وشيئا من الماء وقربه إلى الوالد ليركب عليه ، فاستغرب الوالد إحضار هذه الدابة الغريبة عليه لأنه لم يتعود عليها من قبل فضلا عن ركوبها ، فقال الوالد للشيخ / عبد الرحمن مستغربا ما ذا أفعل بهذه العلة . ؟ قال تركب عليها ، فقال والله : إن حملها أهون علي من الركوب عليها ، ورفض الركوب عليها ، وقال أنا أمشي مع الذين قلت أمشي معهم ، فقال له : إنك لا تستطيع ذلك فالطريق مهلكة فقال : أنا لا أستطيع ركوب هذه العلة .
عندئذ غير الأمير الخطة فأرسل رسولا من عنده إلى أمير أبي عريش ، وطلب منه أن يرسل رسولا إلى أمير أحد المسارحة ، وطلب منه أن يرسل رسولا إلى أمير سامطة ليأتي بخبر الولد ، وطلب من كل رسول أن ينتظر حتى يجيء الرسول الآخر ، وما هي إلا أيام قليلة حتى أتي للوالد برسالة خطية من الولد تبشر بصحته وأنه سيعود إلى البلاد قريبا فأخذ الوالد تلك الرسالة ورجع إلى الوالدة مبشرا .
حرصت على نقل هذه الواقعة لأن لها علاقة بقصة التعليم في فيفاء ، وحتى يعلم أبناؤنا شيئا من تلك المعانات التي كان يعانيها المتعلمون في ذلك الوقت ، والدنيا كلها كبد وعناء في الماضي والحاضر أعان الله الجميع على أمور الدنيا والدين ..
شعبان عام 1431 هـ


بواسطة : faifaonline.net
 0  0  910
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:13 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.