• ×

01:26 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

شعارات التغريب والطائفية .. والسير إلى الخلف .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عندما نشاهد شخصاً يسير إلى الخلف فإننا منطقياً وعقلياً نحكم عليه بالتيه والجنون ، فالعودة إلى الوراء تعني التنازل عن التقدم الذي حصل إلى الأمام ، وعن المكاسب التي تم حصادها من طموح وعلم ومعرفة ، وتعنى أيضاً التوقف عن اكتشاف كل ما هو جديد مما لم يحط به من علوم وخبرات وتجارب وقيم سلوكية إلى آخره .

من المؤكد من يسير إلى الخلف سيتعثر وقد يموت ويهلك ، ومن المؤكد أيضاً أن من يسير إلى الخلف قد تخلى عن أي هدف نحو التطور والتقدم والبناء ، وقد رضي لنفسه الموت السريع أو العودة إلى ما كان عليه في الماضي من جهل وتخلف وكبوات وعثرات .

دائماً ما نتساءل .. لماذا العالم يتقدم في كل شيء نافع ، ونحن نمشي بخطىً بطيئة ؟
الجواب : لأنه يوجد أناس يحاولون جرنا إلى الخلف والعودة بنا إلى الوراء .

المتابع للسجال الثقافي الفكري في ساحتنا العربية سواء على مستوى الإعلام الفضائي أو الإنترنت أو غيره من الوسائل الأخرى سيجد أن هؤلاء الناس يخوضون في إتجاهين للعودة بنا إلى الوراء :

الإتجاه الأول : إتهام كل مفكر وكل مبدع والتشكيك في كل تقدم وكل تطور بأنه مشروع تآمري تغريبي هدفه تهميش الدين والحرب على الإسلام والأمة الإسلامية ، وبالتالي يجب إقصائه ومحاربته والوقف ضده وضد كل مطالبه حتى لو كانت مشروعة .
الإتجاه الثاني : إعادة تصدير التراث والصراع الدموي المأساوي الطائفي إلى الحاضر ، والتحريض وشحن الناس على الإنتقام ، وتجريد المذاهب من هويتها الإسلامية وتكفيرها تمهيداً لحروب طائفية قد تأكل الأخضر واليابس .

فأصحاب الإتجاه الأول .. إن كانوا يقصدون بالتغريب كل ما جاء من الغرب من تقنيات عارضوها في بداياتها كالبرقية والسيارة والدش والانترنت والجوال وخلافه ، فسنجدهم غارقون الآن في بحر كل ما هو غربي إبتداءً من السيارات التي يركبونها إلى ساعاتهم إلى كمبيوتراتهم إلى هواتفهم وتقنيات منازلهم وصولاً إلى تسابقهم للظهور في القنوات الفضائية .
وإن كانوا يقصدون بالتغريب حقوق المرأة في التعليم والتوظيف والتي عارضوها في بداياتها فقد أصبحوا اليوم أول من يتهافت إلى تعليم بناتهم وتوظيف قريباتهم وإبتعاث أبنائهم وبناتهم ويبحث عن الواسطات في ذلك .
وإن كانوا يقصدون بالتغريب بعض سلوكيات الحرية الشخصية كلبس البنطال أو إطالة الشعر فقد رأينا بعض أبنائهم يمارسون هذه الممارسات بكل حرية .

أصحاب هذا الإتجاه هم يشتركون أيضاً مع أصحاب الإتجاه الثاني في الهوس في البحث عن الأعداء فلا يمكن أن يهنأ عيشهم ، أو تستقر أمورهم ، أو تستقيم حواراتهم أو مقالاتهم أو يحسون بالغبطة إلا بوجود الأعداء أو توهم الأعداء .. فإن عجزوا عن محاربة الأعداء البعيدين .. بحثوا عن أعداء داخل مجتمعاتهم ودولهم ومحيطهم الثقافي والفكري والاجتماعي.

وبعيداً عن أصحاب هذه الرؤى والأوهام التآمرية دعونا نتأمل قليلاً في المصلحة التي تفيد الناس من وراء الوقوف خلف هؤلاء والاستماع إليهم والسير معهم إلى الوراء :

مثلاً .. لا يزال السجال الثقافي يستعر هذه الأيام حول عمل المرأة ورفض عمل المرأة ، ولو تأملنا قليلاً فسنجد أن هؤلاء الذين يرفضون عمل المرأة حالهم المادي أعلى من المتوسط وليسوا بحاجة إلى مثل هذه الأعمال ، وبالتالى ليس لديهم إحساس بمعاناة الأسر الفقيرة التي تحتاج إلى مثل هذه الأعمال ، وليس لديهم بدائل أخرى سوى التنظير ، ولا يعنيهم المآل الذي يحيط بتلك الأسر من جراء حرمانهن من هذه الوظائف المشروعة.

وبالتالي يتضح من هذا المثال أن المتضرر الوحيد هم الضعفاء من الناس من خلال تشويه سمعتهم إن عملوا في هذه الأعمال ، أو تجويعهم إن لم يعملوا إستجابة لهذه الرغبات الرافضة .. وهكذا بالنسبة للكثير من الأمور التي تصادر فيها الحريات بدعاوى متعددة وشعارات مختلفة .

ثم دعونا نتأمل في هؤلاء الذين يعيدون تصدير مآسي الطائفية التاريخية ويشحنون الناس ويصنفون الناس ويسبون ويلعنون على المنابر سواء من هذه الطائفة أو تلك .. ما العائد أو المصلحة التي قد يستفيدها الشخص عندما يتم شحنه ضد الآخرين غير زرع الكراهية وتفريق المجتمع والتعبئة تمهيداً للعنف والعداء وإراقة الدماء في حال لا قدر الله إختل الأمن لظروف سياسية معينة كما حصل في العراق ؟

بالتأكيد لا شيء .. لا منفعة ولا فائدة ولا مصلحة ، إلا إشغال الناس بقضايا لا منفعة فيها ولا بناء منها ، ولن تأتي إلا بالخسارة والدمار والخراب والتأخر في كل شيء سواء كان تنمية أو تطور أو تربية أو فكر أو أخلاق أو غيره من أنواع البناء المادي والمعنوي الذي يُفترض الحرص عليه والتفرغ له والاهتمام به .

الكثير من مشاكلنا كـ البطالة والفقر وسوء التربية وتردي الأخلاق والعنف وانتشار المخدرات وغيرها من المشاكل التي نعانيها ، لا يمكن حلها بحملات التحريض والتشويه والشحن العاطفي والديني ضد الرموز وضد أفكار التطور ووسائل التطوير أو ضد الطوائف والمذاهب أو ضد المؤسسات الفاعلة ، وإنما بالعكس يجب أن يرتقي التنظير لحل مشاكلنا الأساسية وهموم الإنسان الحياتية والدينية والأخلاقية والتنموية .

عندما نسأل.. لماذا تطورت دولاً كانت ضمن العالم الثالث والرابع وأصبحت اليوم بعد زمن قياسي في قائمة العالم الأول ؟
الجواب : لأن الإستراتيجية التي إتخذتها تلك الشعوب بمثقفوها وصحافتها ومسئوليها هي السير إلى الأمام والتركيز على القضايا الحاضرة ومحاولة العمل على حل المشاكل الراهنة من خلال رفع شعار البناء في التربية والفكر والتنمية والاختراع والبحوث إلى آخره ، مبتعدة ومتناسية كل مآسي وجراح الماضي وأخطاؤه ودمويته وعنصريته وأعدائه .

أما نحن ومع الأسف الشديد فإن أولوياتنا : كم قتل يزيد بن معاوية ؟، وماذا فعل عبدالله بن سبأ ؟ والمسئول الفلاني علماني ، والكاتب الفلاني ليبرالي ، والمشروع الفلاني تغريبي ، مروراً بنزاعات لا نهاية لها بين الصوفية والنواصب والجامية والسرورية وهلم جره إلى آخر تلك التصنيفات والفتاوى الإقصائية التكفيرية وصولاً إلى عمليات الإنتحار والتفجير والتدمير .

والنتيجة تزداد مشاكلنا وهمومنا وبطالتنا وفقرنا وتتردى أخلاقنا وتتبخر قيمنا وتصبح أحلامنا سراباً ثم نجد أنفسنا في ذيل القائمة لم نتحرك خطوة واحدة إلى الأمام .

والأسئلة الذي يمكن طرحها هنا كخطوة للتأمل في حل هذه الإشكالية هي :

1- هل يمكن إعادة قراءة الخطاب الديني بما يحقق التسامح واستيعاب التطورات العالمية في جميع المجالات ، وخصوصاً أن الكثير من الاختراعات الغربية والتي إنتفع بها الإنسان كانت بدايتها تجارب لعلماء مسلمين ؟

2- في المقابل كيف يمكن التعامل مع أصحاب الخطاب الديني المتشدد والذين لا يدعون أي وسيلة للسيطرة على المجتمع وترويضه بما يناسب إجتهاداتهم وتشددهم ؟.. وكيف نتخلص من ثقافة الكراهية ونظريات المؤامرة السائدة في عوام المجتمع ؟

3- في الجانب الطائفي .. هل يمكننا إسقاط التاريخ الطائفي الدموي وتجاهل الأخطاء تمهيداً لتربية أجيالنا على التسامح والتفكير بالحاضر بدلاً من تسويق وزرع الكراهية والعداء بناءً على تلك الخلفيات التاريخية ؟


 0  0  936
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:26 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.