• ×

10:46 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

قصة التعليم في فيفاء (الحلقة "20")

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

نماذج من المهتمين بالتعليم في فيفاء


الشيخ / أحمد بن علي الخسافي

ذكرت في الحلقة السابقة بأن الشيخ / علي بن قاسم الفيفي لما عين قاضيا لمحكمة فيفاء ، وعين من قبل شيخه الشيخ / عبد الله بن محمد القرعاوي مشرفا على مدارسه في فيفاء وما جاورها اهتم بتوعية الناس بأهمية التعليم ، وقاد حركة التعليم في فيفاء وما جاورها في هذه الفترة بأساليب مختلفة ، وقد كان من أسلوبه تشجيع المتعلمين السابقين الذين كانت عندهم حصيلة علمية لكنها تحتاج إلى التأصيل والتصحيح والتوجيه ، فقد كان يجلس لهم للدرس والمذاكرة ، وقد تلقى على يديه مجموعة منهم دروسا خاصة في العقيدة والفقه والفرائض والحديث والتجويد وغير ذلك ، وقد برز منهم رجال كانوا أعوانه في نشر التعليم فيما بعد ، أذكر منهم نماذج كانت لهم جهود متميزة في الدعوة ونشر التعليم في فيفاء \التي أتت بنتائج مثمرة .
من هؤلاء الشيخ / أحمد بن علي الخسافي الفيفي ، ففي عام 1370 هـ قرر السفر إلى أم الخشب للتعلم في مدرسة الشيخ / عبد الله القرعاوي ، وقد تردد على هذه المدرسة ، كما لازم الشيخ / علي بن قاسم الفيفي عند ما يكون في فيفاء وانتظم معه في دروس مختلفة ، وقد كنت معه في بعض الأوقات في أم الخشب ، وكان كبيرا في السن يعرف قيمة الوقت فنراه يكب على الدراسة والتحصيل بجد واجتهاد .
لما بدأ الشيخ علي بن قاسم في فتح مدارس شيخه / عبد الله بن محمد القرعاوي ـ رحمه الله ـ في فيفاء ، كان إذا وجد متعلما شجعه على زيادة التعلم وأرشده إلى بعض الكتب التي تصحح عقيدته وتنمي معلوماته فإذا وجد منه إقبالا وصلاحا فتح له مدرسة تابعة للشيخ / القرعاوي وعينه مدرسا فيها بحيث تصرف له مكافأة من الشيخ ، وقد عين الشيخ / أحمد بن علي الخسافي الفيفي مدرسا لمدرسة الخشعة الواقعة في جبل الحكميين .
وهنا أروي لكم باختصار كيفية تعيينه في هذه المدرسة كما رواها لي بنفسه ، قال : ذهبت إلى سوق عيبان المعروف قاصدا السفر إلى أم الخشب للدراسة ، فوجدت الشيخ / محمد بن أحمد الحكمي شيخ آل بالحكم في السوق ، ولما سلمت عليه وأخبرته أنني أريد التوجه إلى أم الخشب طلب مني انتظاره حتى يقضي حاجاته من السوق ، ولم يكتف بذلك بل جعل معي من يراقبني حتى فرغ من السوق ، وطلب مني مرافقته إلى بيته في الجبل فأخبرته أنني عازم على السفر قال أخر السفر وأنا في حاجتك ، ويظهر أنه قد رتب مع القاضي الشيخ / علي بن قاسم الفيفي لفتح المدرسة عنده فرافقته إلى بيته .
في صباح يوم الجمعة التالي قال : ذهبت معه لأداء صلاة الجمعة في مسجدهم ، وكانوا مستأجرين إماما يصلي بهم من أهل اليمن ، فلما ارتقى المنبر ليلقي خطبة الجمعة أنزله الشيخ / محمد بن أحمد الحكمي من على المنبر ، وأخذ منه الخطبة ورماها لي وأمرني أصلي بهم بدلا عنه ، ولما انتهت الصلاة تكلم الشيخ مع الجماعة ، وقال : إن الحكومة قد عينت لنا إماما يصلي بنا ويعلم أولادنا ، وطلب منهم أن يحضروا صباح النهار التالي يوم السبت ومن كان معه ولد في سن الدراسة يحضره معه فأراد بعضهم الاعتذار عن الحضور بسبب وجود فصل معين للزراعة يتطلب وجودهم عند مزارعهم ، فلم يأذن لهم وألزمهم بالحضور وعدم تأخر أي واحد منهم .
في يوم السبت حضر جميع أقراد القبيلة ، ومعهم أولادهم وأمرهم ببناء غرف للمدرسة في الحال ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى أإلا وقد اكتمل بناء المدرسة ، وقد افتتحت في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول عام 1373 هـ وابتدأ التعليم فيها بجد واجتهاد ، وقد اجتمع لهذه المدرسة عوامل النجاح التالية :
أولا ـ كانت لديهم رغبة كبيرة في التعلم .
ثانيا ـ كان الشيخ / محمد بن أحمد الحكمي حازما في حث أفراد القبيلة على تعليم أولادهم في هذه المدرسة مما ساعد على ضبط المتعلمين في هذه المدرسة وانتظامهم .
، ثالثا ـ كان المعلم في هذه المدرسة الشيخ / أحمد بن علي الخسافي الفيفي جادا مجتهدا ومثابرا في تعليم الأولاد .
رابعا ـ وقد اقترن التعليم التلقيني بالتطبيق العملي ، فبرزت الثمرة من التعليم في هذه المدرسة بتطبيق ما تعلموه عمليا فثمرة العلم هو العمل به ، وقد تمثل ذلك في سلوك الناس وتطبيقهم العملي للأحكام الشرعية التي تعلموها كالأذان للصلاة والضم والتأمين . .
إن مدرسة الخشعة تعتبر بحق منجما من المناجم الثمينة التي وجد فيها نفائس الرجال الذين أصبح منهم كفاءات علمية في العلوم الشرعية واللغوية ، وفي العلوم العصرية كالطب والهندسة ، وفي جميع فنون المعرفة ، ولقد برز من طلاب هذه المدرسة مهارات جيدة في الأدب والشعر وغير ذلك حيث كانت هذه المدرسة هي الحاضنة الأولى لأولئك الذين برزوا في العلوم والمعارف المختلفة ، فإذا ما انتقلوا منها للمؤسسات العلمية المختلفة بزوا أقرانهم وتفوقوا على غيرهم ، وأصبحوا مثلا للتفوق والنجاح .
وإذا كان للشيخ / أحمد بن علي الفضل الأول في اكتشاف هذا المنجم ، وإبراز نفائسه في تعليم الذكور في هذه المدرسة في تلك الفترة ، فإن الفضل الأول يرجع إليه أيضا في تعليم الفتاة في تلك المدرسة في الوقت الذي كان يعتبر تعليم الفتاة عيبا وخروجا على التقاليد المألوفة ، فإنه لما تفرغ للتدريس في هذه المدرسة ورأى الإقبال الكبير على المدرسة ، ولمس ذلك التحول الذي أحدثته في عقيدة الناس وعباداتهم وسلوكهم فقد فكر في تعليم الفتاة فأقنع شيخ قبيلة آل ( امشنية ) وشيخ الحكميين بإلحاق بناتهم بالمدرسة بالإضافة إلى بنته ، وحسب قوله : ابتدأ تدريسهن ، وأخذ العدد يزداد شيئا فشيئا حتى بلغن خمسا وأربعين طالبة فاضطر لنقلهن إلى مكان خاص بهن ، وكان يعلمهن من وراء حجاب ، وكانت هذه المدرسة هي الأولى في تعليم الفتاة في فيفاء إذا ما استثنينا بعض الحالات الفردية النادرة .
شعبان عام 1431 هـ


بواسطة : faifaonline.net
 2  0  974
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:46 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.