• ×

03:12 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

أفيقوا ، بني أُمّي!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في المساق السابق إشارةٌ إلى تلك التراثات التي أُحييتْ في السنوات الأخيرة، وأُنفقتْ في سبيلها ملايين الريالات، كان يمكن أن تُنفق في مكافحة الفقر، أو بناء عقول صالحة للعيش في هذا العصر، لا في كهوف الماضي وبين أشباحه. وتلك الأفكار المستثارة من الماضي هي ما كان يجب أن يصوّب إليه النقد الثقافيّ أكثر ممّا يدور حول بعض التراث المادّيّ وآثاره الماثلة. والأفكار تلك كامنة في بعض آثارنا القوليّة، وطقوسنا الاجتماعيّة، التي لا يُلتفتُ إليها عادة، كما يُلتفتُ إلى الحجارة والأبنية. فكما رأينا في السنوات الأخيرة حراكًا ظاهرًا لإحياء التراث العامّيّ في نفوس الأطفال، ومن خلال مسابقات الشِّعر، بإمكاننا أن نرى ظواهر أخرى جديدة لإحياء العقل الخُرافيّ في نفوس الأطفال كذلك، وباسم التراث الشعبيّ. وتمكن الإشارة- على سبيل المثال- إلى مهرجان أصبح معروفًا ومشهودًا، وهو المسمّى (مهرجان الدوخلة)، الذي يُقام سنويًّا في منطقة (القطيف)، في موسم الحجّ. فما حكاية (الدوخلة) تلك؟ ولماذا "ندوخل" أطفالنا؟

تقول "موسوعة الساحل الإلكترونيّة" عن (الدوخلة) ما ملخّصه: إن الدوخلة في لهجة أهل القطيف تعني السَّلَّة، أو "القُفَّة"، وهي وعاء من الخُوص يستخدمه المزارع ليأكل منه التمر، في مزرعته أو بستانه. وربما استُخدم أيّ وعاءٍ آخر، ولكن يُراعَى فيه أن يكون في حجم يستطيع الطفل أن يحمله معه. وكان وقت عمل الدوخلة مع انطلاق الحُجّاج لقضاء مناسك الحجّ، أي في شهر شوّال. فكانت النسوة يصنعن الدوخلة لأطفالهن ليستذكروا بها الحاجّ الغائب، حيث كان الطفل يردّد أهزوجة: "حبيبي غايب مكّة"، وذلك عند رَيِّ النبتة التي يربّيها في الدوخلة، فيرتبط بعلاقةٍ جميلةٍ مع هذه النبتة. ومن الأناشيد التي يردّدها الأطفال عند سقيهم تلك النبتة: "دوخلتي حجّي به/ حجّي به حجّي به/ إلى مكّة اغدي به/ اغدي به اغدي به/ ...إلخ." وكانت تتمّ زراعة حبوب الشعير، أو الحبّة حمرة [كذا]، أو أيّ من الحبوب، في تلك الدوخلة، التي تُملأ بالطِّين والسماد، وتُسقَى لتُواصل نموّها حتى يوم العيد. ويعتني الطفل بدوخلته حتى موعد توديعها ورميها في البحر ظُهر يوم عيد الأضحى المبارك. فهو، على الرغم من كلّ العناية التي أبداها بالدوخلة، يكون مستعدًّا للتضحية بها، ورميها بنفسه في البحر، متمنيًا بهذه التضحية عودة الحُجّاج سالمين. ويظنّ المحافظون على هذه العادة أنها بذلك تنمو في نفوس الأطفال روح المحافظة على ممتلكاتهم، ورعايتها، وكذلك اعتياد التضحية من أجل الآخرين، ولو بأغلى ما يملكون! وفي معظم دول الخليج تُسمّى الدوخلة "الحيّة بيّة". ويقال إن بعضًا يسمونها: "الضحيّة"، و"الحجّة"، وهناك من يسميها: "حجيّة"، و"حاجية". وهناك مراسيم خاصّة تبدأ منذ يوم زراعة النبتة، وممّا كانوا يُنشدون عند رَيِّها: "أشربي من ماي زمزم، وأشربي من قطرة الدم!"، ومنهم من يقول: "ضحيّتي ضحيّتي، حجّي بي حجّي بي، إلى مكّة إلى مكّة، زوري بي زوري بي، وأشربي من حوض زمزم زمزم، وأشربي من نقعة الدم الدم!، وزوري القبّة المعمورة المعمورة، فيها السلاسل والدهب والنورة والنورة، فيها اعبيد ربّي ربّي يعشعش الضحايا، الضحايا الضحايا!" كما يردّد بعض الأطفال أرجوزة أخرى، يقولون فيها: "ياحيّتي يا بيتي، راحت حيّه، وجاءت حيّه.. يا حيّتي، غديتج وعشيتج يوم العيد لا تدعين علي.. حيّه بيّه، راحت حيّه وجاءت بيّه.. ياحيّتي غديتج وعشيتج ونهار العيد قطيتج.. مع السلامه يا حيّتيه!" ويُجمَّع الأطفال بعد الغداء في يوم العيد في مهرجان (تراثيّ!)، وقد ربط كلّ منهم "دوخلته" بخيط وأمسك بطرفها، ويقفون مجموعات على شاطئ البحر، أو بالقرب من إحدى عيون المياه الجوفيّة في الأماكن البعيدة عن البحر، ثم يرمونها بعد أن يضعوا فيها بعض الرزّ، وهناك من يضع بقايا العظام من وجبة العيد، أو حتى جزءًا من الوجبة نفسها. وعلى الشاطئ تضجّ الأهازيج المنوّعة للدوخلة، ويقال إن الأهزوجة أصلها حوار يدور بين الطفل الذي زرع نبتة الدوخلة وبين الدوخلة، أو "الحيّة بيّه". فيكون الحوار بمثابة طلب الطفل من نبتته أن تكون شاهدة له، وألاّ تدعو عليه، وأثناء الغناء يحرّك الأطفال "دواخلهم" يمنةً ويَسْرَة، وفق إيقاع الأغنية، ثم يُلقون هذه الأوعية بما فيها من زرعٍ في عُرض البحر، أو من المكان المرتفع، وهم يجأرون بالدعاء: أن تتحقّق أمنياتهم بقدوم العيد. وأهازيجهم فيها توسّل إلى الدوخلة، وتذكير بأن الطفل قام بواجب إكرامها، فأعطاها من غدائه وعشائه؛ ومن ثَمّ فهو يلتمس منها أن يكون يوم العيد يوم سرور، لا يوم حزن، وأن يرجع حُجّاجه بالسلامة. وفي البحرين يقول بعضهم عند رمي الدوخلة في البحر: "الله ويّاش ياضحيّتي، الله ويّاش ياضحيّتي، حلّليني وابري ذمّتي، حلّليني وابري ذمّتي!"

لقد دهشتُ منذ قرأت إحياء هذه العادة الساذجة، مع ما تبدو فيها من مضامين تتقاطع وأصول التربية الذهنيّة السويّة، والمبادئ الاعتقاديّة السليمة. وتكتمل الدهشة حين نعلم أنه- وحسب صحيفة "اليوم"، 19 / 12 / 2008م- قد بلغت ميزانية (مهرجان الدوخلة 4) 1400000 ريال، مليونًا وأربع مئة ألف، في حين وصل عدد زوّار المهرجان إلى أكثر من 100 ألف زائر! وأشير إلى أن عدد الزوّار تضاعف بشكلٍ خياليّ خلال المواسم الأربعة الماضية، إذ أن العام الأوّل سجّل 6700 ريال كميزانيّة، و1000 زائر، لترتفع الميزانيّة في العام الثاني إلى 120000 ريال، ويصل عدد الزوّار إلى 10000 زائر، ثم بلغت ميزانيّة العام الثالث إلى 650000 ريال، و30000 زائر، لتقفز ميزانيّة العام 2008 إلى 1400000ريال، و100000 زائر. وقد أشير إلى تواضع فكرة المهرجان في بدايته، واستهدافها بضع مئات من الزائرين، ثم كانت مفاجأة التفاعل الجماهيري، التي أثقلت كاهل المسؤولين، وعزّزت الرغبة في تطوير الفكرة وبلورة أهدافها ورسالتها، ومن ثَمّ العمل على وضع خطّة تحقّق أهم المرئيّات التي يتطلّع إليها القائمون على هذا المهرجان، وهي جعله أحد أهمّ البرامج التراثيّة والسياحيّة في المنطقة خاصّة والمملكة عمومًا!

وما يعنينا هنا هو تلك الممارسة الطقسيّة (الدوخلة) تحديدًا، وما وَرَدَ عنها في الموسوعة المذكورة، ثُمّ هذه الأرقام الدالّة- وحدها- على ما تشهده ساحتنا من تطوّرٍ ثقافيّ نحو استحياء أيّ تراثٍ شعبيٍّ، ومن إنفاقٍ بلا قيود في سبيله. أليست الدوخلة نموذجًا من تراثنا الذي أيقظناه- تحت لافتة "التراث الشعبي"- وفي إطار نزوعٍ شعبويّ عامّ، دون أن نفهم أصله أصلاً، وما وراءه من مضامين، ودونما نظر إلى ما يربّي عقول أطفالنا عليه من تعلّق خرافيّ، هم في غنى عنه؟! أ وليس السبب في هذا التخبّط، تحت اسمٍ برّاق هو (التراث)، أننا نجهل عمومًا منابع ذلك التراث، ونجهّل به، ونرفض الالتفات إليه بالدرس والتمحيص إن لُفتنا إليه؟! ذلك أن قراءاتنا التقليديّة- حتى في نطاق تراثنا العربي القديم- ظلّت معجميّة سطحيّة جامدة، تسلّم بشروح بالية، لا تزيد النصوص إلاّ تعتيمًا. وإذا كان هذا في الدراسات التقليديّة- التي توصف بالعِلميّة- وفي جامعاتنا العربيّة، فمن باب أَولى أن يحدث ذلك في رؤيتنا لراوسب ذلك كلّه في إطار ثقافتنا الشعبويّة؟

بل لقد أُوجد لتلك الممارسة المشار إليها باسم "الدوخلة"- مع المسوّغ التراثي، وكلّ تراث لدينا محترم!- مبرّر تربويّ، فزُعم أن هذه العادة تنمّي في نفوس الأطفال روح المحافظة على ممتلكاتهم، ورعايتها، والاستعداد للتضحية من أجل الآخرين! وكأن الوسائل الدينيّة والتربويّة والتعليميّة قد أعيتنا جميعها عن تربية أطفالنا على تلك القِيَم، فلم تبق إذن إلاّ "الدوخلة" منقذًا! مع أن تلك المعاني المشار إليها إنما هي في الحقيقة حُجّة لاجترار الماضي، بغثّه وسمينه، وإلاّ فبالإمكان تصوّر أن ما قد تربّيه مثل تلك العادة ليس المحافظة على الممتلكات، ورعايتها، بل بالحريّ: التفريط فيها، والقذف بها في عُرض البحر، ولأتفه الأسباب، سَفَهًا، أو في سبيل أوهامٍ ما أنزل الله بها من سُلطان؛ تمامًا كما تفعل شعوبنا من إنفاق الغالي والنفيس في سبيل عبثٍ، أو مفاخراتٍ، أو كما تبذّر الأموال باسم الكَرَم، وتصرفها تعلّقًا بالأوهام، أو تشبّثًا بأذيال السَّحرة والمشعوذين، وبألف حجّة وحجّة، من طلب المنافع أو درء المضارّ، ومثلما تفعل ذلك كذلك في طلب ما يُسمى الطبّ الشعبيّ وما إليه من تدابير بدائيّة.. وهلمّ جرًّا من سلوكيّات مجتمعاتنا الغالب عليها غنى المال وفقر العقل العلميّ. ذلك ما سيُنمّيه الآباء في أبنائهم- على الأرجح- من تراث عادات وطقوس كتلك! (وللحديث صلة).

................................

شَذْرَة:



البدرُ ما حُسنُه في ثوبِ ليلتِهِ ،

لو لم يكن بضياءِ الشمسِ يكتحلُ؟!

لآسية عبدالرحمن، (وهي شاعرةٌ على انبجاسِ شمسِها أراهن).



د. عبدالله بن أحمد الفيفي

aalfaify@yahoo.com

http://alfaify.cjb.net

 3  0  1052
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:12 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.