• ×

03:27 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

المستوصف المستوقف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سافر شرقاً حيث نحن، وسافر غرباً حيث هم، وابحث لي عن منظمة صحية تستجدي مرضاها قطعة أرض لتقدم لهم خدماتها، وأي منظمة صحية تلك؟ إن مريضاً يملك قطعة بسعر كذا سيشتري صحته ليس بإعطائها لمن يبني فيها أربعة جدران تحيط بعلبتين من الدواء وكرسي مرضى وطبيب يزورها عندما يقدّر أن ما يقارب عشرة من أهل المنطقة قد مرضوا وينتظرون سماعته، ولكن صاحب تلك الأرض سيبيع أرضه ويدخر مالها؛ لينفقه على نفسه كلما مرض ربما ليس في داخل البلد فحسب بل حتى إنها لكفيلة بعلاجه في مستشفيات لندن، أو ميوريخ، أو جنيف.
رحل الشيخ الظلمي رحمه الله ورحم موتانا وموتى كل المسلمين- رحل عقب أن وهب من ملكه قطعة أرض لهيئة التطوير والتعمير في فيفاء؛ لتفتتح فيها مستوصفاً طبياً، ولكنه لم يقل لتبني فيها مستوصفاً طبياً، أما البناء فقد بني، وأما الافتتاح فقد نسي. لقد كان نوعاً من الحنث في الوعد أن يكون هناك طبيب يأتي زائراً في كل أسبوع مرتين لنقل مثلاً يومي السبت والثلاثاء، حتى أصبح المحظوظون من المرضى هم من يمرضون ليلة الجمعة والاثنين، وبئس حظ مرضى الأحد والأربعاء.
هذا ما حصل، ويحصل، وأخشى أن يكون ما سيظل يحصل مستقبلاً. لقد بحت النداءات بافتتاح المستوصف ليخدم أهل تلك المنطقة من قبيلة الظلمي، والخسافي، والمثيبي، وحتى امتداداً إلى قبيلة الدفري غرباً. والمحزن أن تلك الحلوق المبحوحة بتلك النداءات تحتاج أن تنتظر أسبوعاً لتجد علاجها.
إن خدمة هذا المستوصف تتخذ شكلاً هرمياً مقلوباً، فعقب أن كانت الوعود الأولى تؤكد على أن هذه المنشأة ستكون مستوصفاً، بدأت تخف حدة أضوائها وتبهت قليلاً، إذ أصبح الوعد يقول بوجود طبيب مع ممرضين يكون له دوام رسمي في المستوصف أو ما كان يؤمل أن يكون مستوصفاً. بعد استهلاله اجتزئ الوعد فأصبح الوفاء في أن يكون هناك طبيب يداوم يومين في الأسبوع مع ممرضين اثنين، ولكن الحال الآن يوشك أن يصبح لا شيءَ من ذلك. فقد أصبح الطبيب وحيداً وليس هناك من يقوم بصرف العلاج، وتحليل العينات، وأصبح دور الطبيب هو أن يكون طبيباً، وصيدلانياً، وممرضاً في الوقت نفسه. كل ذلك أدى إلى تدني إن لم يكن تلاشي خدمة المستوصف للمستفيد المستهدف.
هذا كله بالإضافة إلى الحقيقة التي نشهدها، وهي الانقطاع التام عن الدوام في المستوصف أحياناً لعدة عوامل، فإما أن يكون الطبيب في إجازة، ولا يتم تجهيز البديل في حال غياب هذا الطبيب الصيدلي الممرض. ففي إجازته التي لا تقل عن شهر يتمتع بإجازته (وهو حق له)، ويتمتع المرضى بأمنياتهم أن ينتهي ذلك الشهر؛ ليعودوا إلى برنامجهم العلاجي مع الطبيب. وكثيراً ما تجد ذلك الشيخ يجرجر نفسه إلى المستوصف في يوم السبت أو الثلاثاء؛ لينتظر طويلاً حتى يكتشف أن الطبيب في ذلك اليوم قد أرسل بديلاً عن طبيب لم يتهيأ له الحضور في مكان كذا.
قد أكون أنا، وربما أنت أيها القارئ الكريم، ويكون فلان من الناس ذا قدرة مالية على أن ينقل مريضه في دقائق إلى أبعد مصحة طبية، ولكن من ينقل ذلك وتلك العجوزين المبحوحين عندما يمكر بهما المرض في لحظة وجيزة أو متأخرة من الليل؟ فأنا من هنا أعيد ترخيم صوتي المبحوح؛ لأعين تلك النداءات بافتتاح المستوصف المستوقَف، وإن الخير في قلبك أنت يا من يقرأ كلامي فيجد اندفاعة إنسانية في داخله للبحث عن يد يمكن أن تحرك شيئاً ولو قليلاً، وتدعم أيدي آخرين؛ فلعل حلم الشيخ يحيا بعد مماته.


بواسطة : كاتب
 6  0  837
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:27 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.