• ×

09:24 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

صاحبة الحَدَبَة 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سير أعلام النساء في جبال فيفاء..
ريعة بنت أحمد سالم الثويعي الفيفي
للباحث : محمد بن مسعود الفيفي



**ريعة بنت أحمد سالم الثويعي الفيفي صاحبة الحَدَبَة، الشهيرة بـ " ريع امتحمد " قبل 1895م ـ بعيد 1970م .

تعتبر من أشهر نساء جيلها من بنات فيفاء، مشهود لها بالصلاح والتقوى ، إذ هي سيدة ذات قيم رفيعة؛ جامعة لحب الخير مع الكرم والسخاء، والنجدة والوفاء، ومد يد العون لقاصد ساحتها، ومحتبى فناءها، فلا يعود إلاّ وقد رفعت عنه ما ألم به من ضيق وعوز..برزت في مجال التجارة، وتميزت شخصيتها بالحكمة ورجاحة العقل، والمثالية، وحسن الإدارة المالية، وغير ذلك من السمات التي استرعت أنظار معاصريها، فأشاروا لها بالبنان، وحفظوا لنا سيرتها.
**يتفق الجميع على أنها لم تتزوج، أو أن أمر زواجها لم يصل إليهم، في حين أجمع الرواة على أنها عاشت بمفردها إلا من فتاة يتيمة كانت تشاطرها بيت الحَدَبة، ويذهب البعض إلى أنها ابنة أخيها دون أن يتطرقوا إلى ما يفصح عن تمام ترجمتها، سوى أن هذه العمة المحسنة قد قامت على رعايتها حتى كَبُرت وتقدم لخطبتها شيخ القبيلة فباركت زواجها وأقامت مناسبة زفافها في بيت الحَدَبَة.
**نقل لنا من التقى بالسيدة "ريعة" أو شاهدها في الأسواق الأسبوعية؛ صورة تقترب من الدقة، سواء عن هيأتها وملامحهاالخاصة، أوسماتها الشخصية البارزة، والجميع يصف لنا امرأة متقدمة في السن، غير طاعنة، تتمتع بصحة جيدة، بوجه سبعيني ممهور بتضاريس السنين المتصرمة بين تغضنات وأخاديد تعلو وجها مازال يحتفظ بملامح هادئة، تشف عن مهابة وإجلال، ذات قامة معتدلة الطول آخذة في الانحناء..تتحدث إذا تحدثت بتأن وفصاحة، في أيجاز وإبانة..مضمنة حديثها المثل السائر؛ والحكمة الدارجة؛ ، لا تتطوع بتقديم المشورة والرأي، وإنما تبذلها لمن استشارها..لا تقاطع متحدثا أو تعرض حديثها دون أن يُطلب إليها عبر نقاش أو سؤال.
**حفظ لنا التاريخ العربي في سجلاته أسماء لنساء اشتغلن بالتجارة؛ من أشهرهن على الإطلاق زوج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ومع ذلك فإنه من النادر أن نجد بين نساء العرب امرأة ذات مال ويسار، صنعته بنفسها وسعت إلى تحقيقه باستقلالية تامة عن مساندة الرجل كصاحبة هذه الترجمة، التي يمكننا عدُّها من أهل التجارة نسبة إلى الوضع المادي لسكان جبال فيفاء الوعرة والمنعزلة، وإلى الحال الاقتصادي للحقبة المبكرة من نشوء الدولة السعودية.., بما يغلفها من بساطة وتواضع مادي.
**تجارتها لم تكن تتجاوز السلع الأساسية من غلات الأرض وأهمها الحبوب من الذرة والشعير ، إلى منتجات تربية المواشي وفي مقدمتها السمن ..بجانب النباتات العطرية المعروفة باسمائها المحلية من البعيثران، والأَبَل، والخزام، والكاذي، أوالثمار المتنوعة التي تحظى بنصيب من العرض والطلب في الأسواق الأسبوعية، وتتراوح بين البن، والفلفل، والليمون، و(السفرجل)
القشطة، ( والعَنْب) الباباي، والموز، والعِنَب.. وهي واردات مزارع الجبل إلى سوقي القاط يوم الخميس والنفيعة في يوم الإثنين.
**عُرِفَ عن السيدة " ريعة " حبها للخير وبذل المساعدة في مجتمع يسوده التعاون والتكافل فأسهمت بالقروض، وتوفير الكميات اللازمة من السمن ، للعيد من المناسبات المختلفة كالأهواد والأعراس والإعانات المختلفة ..و قد تَطلب ـ في حالات نادرة ـ ضامنا مشهودا له بالصدق والأمانة يكفل لها في وجهه بسداد القرض على أنجم معينة، وفي حالة تعذر السداد النقدي
لقيمة السمن فله أن يرد مثله سمنا..وهكذا كانت تعاملاتها المالية، محفوفة بالبساطة، يميزها التيسير، حتى أُثِرَ عن الراحل
قاسم بن يحيى صاحب ( المُرتفِع ) قوله : ( ما استدنت من أحد فأعيش هم الحذر أن تهتز ثقته بي كما كانت معاملاتي مع " ريع امتحمد " يرحمها الله).
**لعل المجاعة التي ألمت بفيفاء بين عامي 1942م 1943م قد زادت في تكريس شهرة هذه المرأة النبيلة؛ والتصاقها بأذهان الفيفيين خاصة من عشائر قبيلتها والأغلبية من سكان غرب جبل آل عبدل والفرادى من الناس الذين يقصدون كرمها من أبناء قبائل فيفاء عموما، حيث تقاطر إليها الناس في تلك السنة المكفهرة العابسة يمتارون المؤنة الغذائية، لسد الرمق بما يبعد عنهم شبح الموت جوعا.. ولم يمكن لندرة العرض وانعدامه مكان في قاموسها التجاري، بل كان الرجل يأتي وقد أنهكه الجوع وكادت
أن تبطش به الفاقة، فيسرد على مسامعها معاناته ومن يعول؛ مبينا لها عدم امتلاكه أي نقد يذكر لكي يشتري منها ما يحتاج من الميرة، ويختم جملته بالقول : ( ونظركِ الكافي )..فَتُهَوّنُ عليه من شأن طلبه، وإنه مقدور على تلبيته ومقصده مجاب..وأنها تثق في أمانته وصدقه ووفائه.. ثم تشير إلى وعاء الحبوب طالبة منه أن يكتال المقدار الذي تؤمل بأنه سيبقي عليه وأسرته ـ بإذن الله ـ أحياءً لأيام أخر، قائلة : خذ هذا المقدار، مع علمي بقلته، يشفع لي ما تراه من تناقص الحبوب وكثرة الوافدين، ومتى
رزقك الله محصولا؛ سواء في هذا العام أو الذي يليه، فأدّ إلينا مثل الذي أقرضناك أو مما تيسر لك من أي نوع آخر من الحبوب.
**استمر نهجها التجاري وتعاملاتها المالية على هذه الوتيرة السمحة، وعاشت حتى بعيد عام 1970 م وفق قرائن ذكرها رواة سيرتها..وها أنا أقدم نبذة من ترجمتها لأول مرة بعد انقضاء ما يساوي أربعين سنة على رحيل هذه السيدة الفيفية العظيمة، التي عاشت مآثرها في ذاكرة الأجيال المتعاقبة لتصل إلينا أخبارها عَاطِرة بالذكر الحسن؛ والسيرة المحمودة.فرحم الله ريعة بنت أحمد وأثابها الجنة لقاء ما استنقذت من أرواح كاد يزهقها الجوع والحرمان.
**عندما قمت بجمع مادة هذه الترجمة كان الجيل الذي عاصرها ـ نشأة وتشكلا ـ قد مضى على رحيله ما يقارب ثلاثين عاما، ومع ذلك فقد التقيتُ عددا من الأشخاص الذين شاهدوها في مناسبات مختلفة..أما ما يختص بأخبارها فإنها من الشهرة والذيوع بحيث لا يُخشى خفاءها.

**تنويه: إن كافة الأسماء والمعلومات الواردة في هذه الترجمة قابلة للمراجعة والتصحيح والاستدراك والإضافة والتعديل..وهي أمانة لدى كل من توفرت لديه معلومة أكثر دقة من شأنها أن تزيد في إشباع وبسط هذه الترجمة بالأحداث كما جرت على يد صاحبتها، دونما زيادة أو نقصان، تمهيدا لتدوينها وحفظها للناطقين بلغة الضاد على امتداد وطننا الكبير لما في سير الأعلام من العبرة والأثر التربوي الخلاق.
**عتاب: هذه السلسلة جمعت مادتها قبل أعوام، وعند مراجعتي لترجمتين ـ هذه واحدة ـ طرأ لي أن أضيف ما قد أعثر عليه جديدا فأجريت العديد من الاتصالات وبعثت مجموعة من الرسائل الهاتفية لمن توسمت فيهم الإضافة النافعة..ولكم أن تتصوروا كيف كان التفاعل شديد البؤس عندما علموا بأن موضوعي يتناول اسم علم لأنثى!!.
وإلى لقاء قريب بإذن الله مع ترجمة أخرى.

 24  0  1715
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:24 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.