• ×

05:40 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

مأساة طالبة الصف الرابع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
مأساة طالبة الصف الرابع و"أكبّ على الخوان" (لغتي الجميلة)



قبل قليل.. جاءت ابنة أخي، التي تدرس في الصف الرابع الابتدائي، وهي تعرف أني أكتب الشعر للأطفال من أمثالها، جاءت ومعها كتاب ثقيل، ظننتُ أنه كتاب الرياضيات لأنه ضخم، ومحشوٌّ حشواً، ومليء بالصور، ولا ترتاح له أعين الكبار؛ فما بالكم بالصغار؟!
كنت منصرفاً إلى عملي في الحاسوب، ولانشغالي أعرتُها أذناً واحدة دون أن أنصرف إليها تماماً.. ولكن حين سمعتها تقول: "الخوان هو ما يوضع على الطعام" تركت الحاسوب وانصرفت إليها لأنظر في الأمر وأصححه، مع أني موقن تماماً أنها لا تعي ما تقول بل تحفظه فقط.. وإلاّ فما علاقة هذه الصغيرة بشرح كلمة "الخوان" التي باتت مهجورة، والتي لم أسمعها منذ سنوات مع اهتمامي اليومي بالشعر!؟
- هاتي يا صغيرة.. ما الخوان؟ وما مناسبة ذكرك له؟!!
- انظر.. إنه كتابنا في المدرسة
كانت الصدمة كبيرة جدًّا عليّ! ولم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى أن توضع قصيدة "أكبّ على الخوان" وهي قصيدة بالكاد يَفهم معانيها الكبار، وللشاعر الكلاسيكي معروف الرصافي - لطفلِ الحادية عشرة.. لطالبات وطلاب صغار يعيشون حياتهم الحديثة بكل أبعادها!!
ماذا عساي أقول لها؟؟...
- الخوان هو: ما يوضع عليه الطعام وليس ما يوضع على الطعام يا صغيرة!
- أهااا... (لم تهتم... فعرفت أنها تحفظ فقط ولا تهتم بالمعنى)
شعرت بفداحة الأمر، وأن علي أن أعالج الموضوع.. لذلك شرحت لها الأبيات بيتاً بيتاً، وواجهتُ صعوبة في توضيح الكثير من الأبيات لها
أجيبوني يا مَن (ألّفوا؟؟!) هذا الكتاب :
كيف أشرح لطفلة صغيرة صورة شعرية مثل "فأرسلتُ اللحاظ إليه"؟!!
أو كيف تُفهمون الطفل قوله: "لفطنته ببطنته انهزامُ"؟؟! هذا الشطر أتوقع ألاّ يفهمه بعض من ألفوا الكتاب فضلاً عن الأطفال!!
أو كيف تريدون أن يستوعب طفلٌ ما هذا البيت: "فداوِ سقام جُوعك عن كَفافٍ * فإكثار الدواء هو السقام"؟!!!
يا مَن (ألّفوا!) هذا الكتاب... أليس لديكم أطفال يريدون أن ينشدوا ويقرؤوا؟؟!! إذاً هاتوهم وغنوا لهم "أكبَّ على الخوان" لتروهم وقد فغروا أفواههم أو داهمهم النعاس ولم يفهموا من كلامكم شيئاً!!
كتبوا تحت القصيدة ومضةً بخط صغير، فيها لمحة رهيبة، وهي أن الرصافي "كتب مقطوعات للأطفال...". ولكن هذه القصيدة ليست للأطفال يا حضرات المؤلفين!!! هل كان يخفى على خبراتكم التربوية وعلى أذهانكم المتوقدة حبًّا لأطفالكم وللغتكم الجميلة أن قصيدة "على الخوان" ليست للأطفال؟؟!!! يعني قلتم: "كتب مقطوعات للأطفال..." لكي يقتنع الطفل أن القصيدة كتبت من أجله؟؟!
لا.. لا، يبدو أنكم تعتبرون أن طلاب الصف الرابع الابتدائي قد شبّوا عن الطوق ودخلوا في مرحلة الرجولة وصارت عندهم ذخيرة لغوية وأدبية تكفي لهدّ الجبال ومقارعة الفحول؟؟!!
وحتى لو كتب الرصافي قصائد للأطفال، فعصر قصائده قد انتهى، وعلينا أن نضع للأطفال القصائد الحديثة التي تناسب جِدَّة العصر وتطوره، مما ينمي لديهم القدرة على مواكبة عصرهم ومعرفة آلياته ومهاراته وطرقه الحياتية
هل عجزتْ آلاف قصائد الأطفال عن أن ترضي أذواق حضرات المؤلفين!!؟؟
دعونا من مرحلة الطفولة.. فالكِتاب حتماً لم يؤلَّف للأطفال، بل لمرحلة أعلى..
طيب: هل عجز الشعراء المهتمون بالكتابة لـ "الفِتية" من إرضاء أذواقكم لتضعوا "لفتية الرابع الابتدائي!" قصائد ترضي أذواقهم وتفيدهم!!
ما زلت مأخوذاً بالعجب والحزن.. فمؤلفو الكتاب يتعاملون مع الأطفال على أنهم كبار.. في المرحلة الثانوية.. وربما الجامعية!!
أغلقت الكتاب.. وقلت للصغيرة:
"هذا الكتاب لم يُكتَب لكم، فأنتم صغار وهذا لا يناسبكم، ولكن عليك أن تحفظيه لكي تنجحي".
لم أكن أتصور يوماً أن أقول هذه العبارة المؤلمة لطفلة لا ذنب لها فيما يحصل!..
كثيراً ما كنت أقنع نفسي بنسيان موضوع أخطاء كتابة الكبار للصغار.. ولكني قررت اليوم أن أقولها للطفلة التي أحسستُ أنها نفرت من اللغة وأن علي أن أقنعها بطريقة ما لكي لا تنفر من الدراسة كلها!!
* ملاحظة خطيرة (من الخطورة بمعناها الحقيقي):
الكتاب المسمى (لغتي الجميلة!) هو للفصل الدراسي الأول فقط، وفيه 184 صفحة!!! فماذا تتصورون أن تستوعب الطالبة أو الطالب في عدة أسابيع - من 184 صفحة ذكرتُ نموذجاً من صفحة واحدة منها؟!! وقيل: ما زاد عن حده انقلب إلى ضدّه. وهذا ما رأيته في هذا الكتاب الذي أعتبره من عجائب التأليف والتصنيف!
* ملاحظة للتاريخ (لمن يهمه التاريخ):
الكتاب مكتوب عليه: [ "لغتي الجميلة"!!! ]. نعم لغتنا جميلة، ولكن العلة والقبح والمشكلة الكبرى هي في فهم وتفكير بعض من يظنون أنهم يقدمونها للجيل في صورتها الجميلة وهيئتها المطلوبة!!!
يا مَن ألفوا وأقرّوا هذا الكتاب، أنتم مسؤولون عن هذا الجيل، ومطلوب منكم تسهيل اللغة العربية للأطفال وليس العكس!! إنكم بهذا الفعل تجرمون بحقهم وتشعرونهم بالضيق والكره للغة.
وإني لأجزم أن هذه الكتب تؤلف بدون عرضها على مختصين في تربية وتدريس الأطفال والكتابة الأدبية واللغوية لهم، بل يجمّعها ويلفقها من لا دراية له بها ولا خبرة لديه - على العموم - بالأطفال ومتطلبات الكتابة لهم. وكم ادّعى أناسٌ أنهم يكتبون للأطفال وهم أبعد ما يكونون عن ذلك!!
القصيدة لا تفيد الطفل، ولن يستوعبها طفل إلا مُرغماً وبشق الأنفس، وربما يفهمها البعض بالصراخ والتعنيف والضرب!!
فشكراً لكم أيها المؤلفون - على دعم المسيرة التربوية والدراسية للطفل بهذا الكتاب الرائع وبهذه القصيدة "أكب على الخوان"!! التي يختمها الشاعر بقوله "وأغبى العالمين"!! كم استحيت حين أتيت لأشرح كلمى "أغبى" للطفلة الصغيرة التي أنزه سمعها وأسماع رفيقاتها عن مثل هذه الكلمات!!!
- أخيـــــــراً :
دونكم القصيدة المذكورة في كتاب (لغتي الجميلة!!؟؟) ط 1431هـ، ص 91 وأنا أضعها أمامكم وآمل من كل منكم أن يحضر أخاه الصغير أو ابنته الصغيرة ويجعلها تقرأ القصيدة!! ثم حاكموا كلامي بعد ذلك. تفضلوا واستمعوا إلى القصيدة التي تعبر عن روح الطفولة لدى مؤلفي الكتاب!:

أكبّ على الخِوان وكان خِفّا ** فلمّا قام أثقله القيامُ
ووالَىِ بينها لُقماً ضِخاماً ** فما مَرِئت له اللقم الضخامُ
وعاجَل بلعَهنّ بغير مضغ ** فهنّ بفيه وضعٌ فالتهام
فأرسلت اللحاظ إليه شَزْراً ** وقلت له روَيدك يا غلام
أتزدرد الطعام بغير مضغ ** على أيام صحتك السلام
ألا أن الطعام دواء داء ** به ابتُليَت من القِدم الأنام
فداوِ سَقام جُوعك عن كَفاف ** فإكثار الدواء هو السَقام
حَذارِ حذار من جَشَع فإني ** رأيت الناس أجْشعها اللئام
وأغبى العالمين فتىً أكول ** لفِطنَتِه ببِطنَتِه انهزام.

- (بعد أن انتهيت من كتابة هذا المقال، تذكرت أن أخي، قبل سنوات طوال، كان يحفظ وهو في الثاني المتوسط أبياتاً منحوتة من أعماق الغرابة المعجمية والحوشي اللغوي. وتذكرت أني طلبت منه أن يخبر أستاذه بأن هذه القصيدة لا تصلح لهذه السن، فأخبرَه وأقرّه الأستاذ على ذلك وبين له رضوخه للواقع المرير.
إذاً فالمشكلة قديمة، والخطأ مستمر بالتضخم.. فكتبنا من الخارج "جميلة"، وأما من الداخل.. فلا تعليق!
اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد) - .
أسأل الله أن يرد المستأمَنين على عقول أطفالنا إلى طريق الصواب، وأن ينير بصيرتهم ويهديهم.. آمين.

 9  0  1468
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:40 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.