• ×

05:39 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

سع امتسعد 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سير أعلام النساء في جبال فيفاء 2 ..
سعيدة بنت أسعد قاسم سلمان المدري الفيفي
للباحث : محمد بن مسعود الفيفي





**سعيدة بنت أسعد قاسم سلمان المدري الفيفي المعروفة بـ ( سع امتسعد) (1328هـ ـ 1415هـ ) حوالي 1907م ـ 1994م .
تنتسب إلى أهل العُرضِيةِ من قبيلة مَدَر الباسلة؛ متراس فيفا وحامية تخومها، وصاحبة الوقائع الشهيرة في الأعصر الخوالي..التي حفظتها لنا السجلات التاريخية.
**قريبا من عام 1927م تم زفافها إلى الشيخ جابر بن سالم المشنوي(1) شيخ قبيلة آل المشْنِيَة، وكانت هي الزوجة الثانية، حيث نزلت من دوره بيت الخوش في قزاعة الخصيب، فكانت هذه البيئة الزراعية المواتية، مشجعا لها على مواصلة نشاطها في تربية المواشي، لا سيما وهي قادمة من مَدَرْ أغنى مناطق فيفاء بالأنعام والمراعي، مما أكسبها الخبرة الكافية لخوض التجربة مع مستهل حياتها الجديدة في قلب قزاعة حيث الخصب والنماء.
**كانت شخصية ذات وجدان عامر بالشفقة والرحمة والإنسانية وحب الخير، يميزها الذكاء، والنبل والكرم، ويغلب عليها الهدوء والمرونة في دأب ومثابرة، واصطبار، يشفعه حسن الإدارة والتدبير, فبزغ نجمها في هذا الوسط الجديد، واكتسبت مكانة مرموقة لدي الجميع، أما زوجها الذي كان بها عليما فقد جعل من بيت الخوش ملتقى رئيسيا لقاصدي مجلسه العام لثقتة الكبيرة في حسن إدارتها وبراعة تنظيمها لديوانيته التي يرتادها الجميع سواءً من أفراد القبيلة للنظر في حاجاتهم وحسم نزاعاتهم، أو من خارجها لأي داع من الدواعي، وهكذا حظيت بالاحترام والتقدير في محيطها العائلي، بل ومن كافة أفراد العشائر المشنوية التي يتولى مهام الزعامة فيها زوجها الشهم جابر بن سالم.
**وبمرور الوقت تضاعفت مواشيها واتسعت دائرة مهامها وأعبائها الأسرية من تربية أطفالها ورعايتهم، والوقوف على متطلبات بيت لا يكاد يخلو من ضيوف أو عمال في المزارع الواسعة التي يمتلكها الزوج، ورغم ذلك كله، إلا أن الخدم التابعين لها لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة؛ تقتصر جل مهامهم على رعي المواشي، ولم يكن ذلك لعدم استطاعة من قبلها في توفير مزيد من الخدم ، بل لأنها دقيقة تسعى إلى تحقيق الإتقان لشؤون حياتها المختلفة، لهذا فقد كانت تتصدى لتنفيذ المهام المتعلقة بدار الخوش.
**وكانت المجاعة التي اجتاحت فيفاء بين عامي ( 1942م و1943م ) نقطة هامة في تاريخ هذه السيدة، وفي الشدائد يعرف العظماء..ولكي يستطيع المتابع الكريم أن يلم بصورة أكثر دقة عن مسؤولياتها في هذه الظرف الطارئ، لا بد له من العلم بأن زوجها الشيخ جابر سالم المشنوي، كان في ذروة نبلاء فيفاء.. فكان داره مقصدا للحشود الجائعة من فيفاء والقبائل المجاورة، فأمد الجوعى بمدافن الحبوب التي يمتلكها.
ـ وهو الذي نزع باب داره ـ في تلك الأثناء ـ وألقاه بعيدا؛ حتى لا يوصده الخدم مرة أخرى، وقد أنذرهم بأن لا يفعلوا ، مهما تذرعوا بأن ذلك اجراء قسريا جاء حفاظا على صحته وأهله، وهم مؤتمنون عليها، وكان لابد من الحيلولة دون ولوج المصاب بمرض الجذام.
ـ وهو الذي طلب من خدمه أن يتفرغوا لنزع مدافن الحبوب وتفريغ حاوياته وتوزيعها، وحينما أنذره أحدهم بتناقص المخزون الغذائي إلى درجة مخيفة، قال له: ( ليفعل الله ما يشاء، وسنواجه ـ إن نفد طعامنا ـ نفس المصير، الذي سيواجهه هؤلاء الجوعى المساكين) .. وأمره أن يستمر في التوزيع على نفس الوتيرة المعهودة حتى آخر حبة.
ـ وهو الذي وجه مساعدية في تلك الأثناء إلى مراعاة مشاعر القاصدين نبله وسخاءه، وشدد بالمحافظة على مقاماتهم، لعلمه أن من الناس من يأنف مد يده أو التبرم بما أصابه، حتى لو هلك جوعا، وهؤلاء القوم كانوا يجعلون طريقهم عابرة كأنما وجهتهم أخرى، لكنه أدرك بإحساسه النبيل أن ليس لهم ما يقصدون سوى البحث عن كسرة الخبز ليس إلا.. فكان يدعوهم للضيافة رغم التذرع بأنهم مجرد عابرون لشأن في مكان آخر، فيلح عليهم، بل يأمرهم بشكل قاطع أن يتوجهوا إليه حالا؛ لحاجته الماسة إلى خدماتهم.. ويختلق لهم أعمالا واهية يتطوعون بتأديتها بكل ترحاب، فيقدم لهم الطعام في ظل تلك الأسباب المفتعلة من جانبه، مبقيا على شموخهم وأنفتهم التي يتمترسون خلفها من ذل السؤال.
**وفي هذا الإطار المكاني : الخوش من قزاعة، والزماني : سنة المجاعة كانت السيدة النبيلة سعيدة بنت أسعد المدري، تتصدى لظروف استثنائية، حيث كانت تتعامل مع شريحة مختلفة، وذات حساسية مفرطة، إنهم فئة الصبيان وجلهم من اليتامى الذين تتراوح أعمارهم بين التاسعة، والحادية عشرة، من الجنسين، حين أنهكهم الجوع، فتوافدوا على قزاعة طلبا للإحسان، واستيقنوا أن هذه السيدة هي التي سمعوا بنبلها وكرمها، والكل يبدي رغبتهم في خدمتها مقابل الطعام، فترحب بهم، وتبدد وحشتهم، وتزيل صلف الحرمان عن نفوسهم، ثم تخصص لكل مجموعة ما يلائم قدراتهم الجسدية من أعمال وهمية، لضمان عدم الاضطراب بين هذه المجاميع من الصبية، وخصصت فريقا لرعي قطعان الماعز، وأخرى تجعل مهمتم الضأن، وترسل مجموعة لرعي الأبقار، ولأن المسافة التي يقطعها كل قسم من هذه الأنعام خلال الرحلة اليومية للمرعى لا بد وأن تكون متفاوتة، فرعاة الماعز يقطعون مسافات أطول ويبذلون مجهودا أكبر، يسيرون خلف القطيع حفاة على أرض صلبة, شديدة التضاريس، بخلاف رعاة الضأن والبقر الذين لا يجاوزون المدى المنظور في أغلب الأحيان، وفي هذه الحالة تجعل المهام متوازنة، بحيث يرعى اليوم قطيعا آخر غير الذي رعاه بالأمس، وذلك من باب توخي العدل والمساواة، فلا يشعر أحد بالحيف، أو بمحاباة أحد في المجموعة، ويعود الصبية الرعاة كل مساء لتناول وجبة العشاء، ثم يلتحقون بالمأوى الخاص بهم، فيما تذهب السيدة لجمع الحليب ،وهي عملية قد تستهلك ساعة من أول الليل، فلا تعود إلا والمجموعة قد استغرقت في سبات عميق، تضع أوعية الحليب في مكانها المخصص، وتتناول ( كُرْدُحاً) وهو وعاء خشبي مملوء بالدهن المستخرج من حليب الأبقار، وتحمل مسرجة يند عنها ضوء واهن، وتتجه إلى حيث يرقد الصبية الرعاة، تتفقدهم كما تصنع الأم مع وليدها المحموم، وتتأكد جيدا من التزامهم بتعليمات المبيت؛ وأن الصبية في تلك الناحية، وأن الصبايا في الناحية الأخرى، كل على مضجعه المحدد..تضع القنديل الخجول، وتقترب من قدم حافية ليتيم رعى الغنم هذا النهار، تتناولها برفق شديد حتى لا تزعج أحلامه، وتتفحص أصابع قدمه بعانية، هل أصابه نَكْدٌ أو اخترقت باطن قدمه شوكة غادرة، حتى لا تكلفه بالرعي إلى حين التئام جراحه، بعد هذا تقوم بمد طبقات متتالية من الدهن على سائر قدمه النحيلة، وتتأكد من أنها قد تشرّبتْ هذه الكمية لأجل حمايته من الحفى، وهكذا تنتقل إلى قدم أخرى، حتى تأتي على أقدام الصبية من رعاة الغنم، وهي لا تخطئ هدفها رغم كثرة الأقدام، فكلها نالتها العناية، لأنها سارت خلف ذات القطيع ..وبنفس الخفة والهدوء تحمل قنديلها والوعاء الفارغ من الدهن وتنصرف.
** لقد أدرك الجميع بأن هذه السيدة النبيلة لم تكن في حاجة إلى هذا المقدار الكبير من "الجِيَرِ"(2) ولكنها استوعبتهم بدافع الإنسانية والإحسان، حتى انجلت الشدة، فترق الجميع كل إلى حال سبيلة، يدعون لها بالأجر والثواب.
** رحلت السيدة سعيدة بنت أسعد قاسم المدري الفيفي عن دنيانا؛ عام 1994م عن عمر تجاوز الثمانين عاما،اسأل الله أن يغفر لها ويجزل ثوابها لقاء ما قدمته من إحسان لطفل يتيم وعابرغريب، وسائل محروم.
** هذه النبذة المختصرة ذات الجوانب المتعددة، من حياة المترجم لها؛ استقيتها من مصادر عدة.. إلا أن أهم أعمدتها ثلاثة هم :
1ـ أستاذنا القدير الشيخ حسن بن فرح أسعد الأبياتي الذي سرد علينا ما بلغه من أخبارها وقصصها الإنسانية مع الصبية الرعاة، خلال لقاء جمعنا في منزل الأستاذ يحيى سلمان يحيى الكوبع, فباسمكم جميعا أتقدم لهم بفيض الشكر والعرفان وسابغ التقدير والامتنان لقاء ما أثروا به هذه الترجمة من أخبار ومعلومات.
2ـ الشيخ قاسم بن جابر سالم المشنوي أحد أنجال صاحبة الترجمة، فيما يختص بنسبها وجانب من سماتها الشخصية.
3ـ صديقي العتيق محمد بن يحيى جابر المشنوي، حيث اعتمدت رواية فيما يخص جده الشيخ جابر بن سالم المشنوي.
**تنويه: إن كافة الأسماء والمعلومات الواردة في هذه الترجمة قابلة للمراجعة والتصحيح والاستدراك والإضافة والتعديل..وهي أمانة لدى كل من توفرت لديه معلومة أكثر دقة من شأنها أن تزيد في إشباع وبسط هذه الترجمة بالأحداث كما جرت على يد صاحبتها، دونما زيادة أو نقصان، تمهيدا لتدوينها وحفظها للناطقين بلغة الضاد على امتداد وطننا الكبير لما في سير الأعلام من العبرة والأثر التربوي الخلاق.
ـــــــ
الهوامش:
(1) وردت ترجمته مستقلة في أعلام فيفاء برقم (17) ورقة 143 مخطوط لمحمد بن مسعود الفيفي.. وقد تداخلت ترجمتيهما للصلة الوثيقة التي تربط هذين العلمين.
(2) الجِيَر : جمع جار، وهو الخادم ، لكن في فيفاء ينعتونه بالجار، تحاشيا لكلمة ( خادم) حفاظا على مشاعره والله أعلم .

 23  1  2120
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:39 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.