• ×

07:31 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

الصوم وبعض فوائده ودروسه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الصوم وبعض فوائده ودروسه

بقلم الأستاذ/ عبد الله بن علي بن قاسم الفيفي .

الحمد لله بلغنا رمضان، وجعله بلغة لنا إلى جنته والرضوان، وجعل لنا به عتقا من النيران، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ـ قال الله تعالى (يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) فالصيام ليس عبادة خاصة بالمسلمين ولكنه قد فرض على من كان قبلنا من الأمم وان كان يختلف في كيفيته وأركانه وتوقيته وليس معيارا ما نراه من بعض المنتسبين إلى بعض هذه الأديان في عصرنا الحاضر فقد دخل على أديانهم الكثير من التحريف والتبديل والتغيير وأما ديننا فقد تكفل الله بحفظه بحفظ دستوره وشرعه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فالحمد لله الذي جعلنا من هذه الأمة خير امة أخرجت للناس 0
إن الصوم تغيير في الحياة الرتيبة التي يعيشها المسلم فالإسلام عالج نفسيات البشر وجعل حياة المسلم في تجدد دائم لا رتابة فيها مملة، فالإنسان إذا عاش على وتيرة واحدة، يقوم في وقت واحد ويودي واجبه في وقت واحد فقد يداخله الملل والتعب، فهو يحب التغيير المستمر، فالإسلام دين عظيم لم يغفل عن هذا الجانب، فجعل للمسلم بعض التغييرات والتجديدات في أسلوب حياته، مابين حين وآخر، فلا تجد للملالة في حياته دور، فلو عددنا بعض هذه التغيرات لوجدنا الكثير، فهناك الجمعة تختلف أعمالها عن بقية أيام الأسبوع، ففيها يتلقى المسلم جرعة من التذكير والوعظ، مما يكون دافعا له على مدى الأسبوع، فيقبل على الأعمال في بقية أسبوعه بهمة ونشاط، لا يكاد يفتر إلا وجاءت الجمعة الأخرى، وكذلك شهر رمضان المبارك، فيه تغيير جذري في حياة المسلم، وكله نشاط وصحة وتغيير، فيه صقل للقلوب والأنفس من ران الشهوات، التي قد تلبدت عليها وأمرضتها، (صوموا تصحوا ) إن الصوم يقلب موازين المسلم ويزيل عنه الرتابة المملة القاتلة، ودليل كونه كذلك ما نشاهده فيه من الإقبال على العبادة، من صلاة وزكاة وذكر وقراءة للقران، حتى ممن لم نتعود منهم ذلك في غير هذا الشهر، وأما المسلم الصادق فيزداد عبادة وذكرا، ويكون له دافعا إلى الاستمرار على ما هو عليه، بل يكون بعد رمضان أكثر حرصا على أداء عباداته دون تأخير أو قصور، ومن الأشياء التي تبعث على التجديد في حياة المسلم كذلك العيد الذي هو فرحة وخروج عن المألوف وانتقال إلى حياة أخرى كلها نشاط وحيوية، وكذلك الحج يخرج بالمسلم عن روتين المكان وأسلوب الحياة، فتحدث تغييرا كبيرا في حياة المسلم،ولو عددنا ميزات ما فرضه الله علينا في ديننا الاسلامى، لوجدناه دينا عظيما يراعي نفسيات الإنسان واحتياجاتها، ويزيل عنها كل ما يتسبب في الكسل والرتابة المملة، بل القاتلة في بعض الأحيان، فهو دين متجدد وازن بين حاجيات النفس، دون إخلال بما يجب عليها تجاه خالقها من عبادة وتقرب، إن شهر رمضان فرصة عظيمة لمن يسعى إلى طلب مغفرة ربه، وإزالة ما علق بأعماله من ذنوب وتقصير، فرمضان شهر المغفرة والرحمة، فيه ثلاث وعود وعدنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا عملها المسلم أو واحد منها غفر له ما تقدم من ذنبه، وأظن لا احد عاقل يفرط فيها أو في واحد منها، فالمسلم لابد أن يخرج من صومه وقد فاز بالمغفرة واكتسب الكثير من الأجر والثواب، قال صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) هذه واحدة، وقال صلى الله عليه وسلم ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) وهذه الثانية، وقال صلى الله عليه وسلم ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) فهذه الوعود الثلاثة لا أظن المسلم يفرط فيها، أو على الأقل في بعضها، المسلم الحريص يتبع كل ما فيه خير له، ووعد له بالجزاء والثواب، مع ما هو ركن واجب عليه أدائه، ولا يشترط لهذه الوعود مع العمل إلا أن تكون النية خالصة فيها لله سبحانه وتعالى، وذلك شرط لكل عمل يعمله المسلم، قال صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى ) 0
إن رمضان كله بركة وخير ومغفرة، يشعر فيه المسلم بالراحة والطمأنينة لان النفس فيه لا ينازعها شيطانها، فهي ترتاح منه في هذا الشهر، فالنفس تعيش في امن وأمان وسلام، لان الشياطين تصفد فيه وتحبس، قال صلى الله عليه وسلم (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ) فلم يبقى للمسلم إلا نفسه الأمارة بالسوء التابعة للهوى، فان تغلب عليها وجعلها تنقاد في طاعة الله ارتاح وفاز برضا الله، فالكثير من الناس تحكمه نفسه ولا يستطيع السيطرة عليها، فإذا اجتمعت هي والشيطان كان تمردها وتحكمها في صاحبها اكبر وأعظم، لا يستطيع لها كبحا ولا منعا، تودي به إلى التهلكة والعياذ بالله، وهناك بعض الأنفس هينة لينة منقادة تنقاد لكل من قادها، لا تعارض ولا تحاسب فإذا كان شيطانها قويا قادها وحركها كما يريد، لا حارس يمنعه عنها وهي غير معارضة، فإذا جاء رمضان وحبس عنها هذا الشيطان عادت النفس إلى طاعة الله والتقرب إليه لأنها لم تجد سوى ذلك، وهذا يتمثل في الكثير ممن نراهم يقبلون على عبادة الله في رمضان، ولكن ما إن ينتهي هذا الشهر المبارك إلا وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، تعود النفس منقادة إلى شيطانها فيغويها ويقودها من جديد إلى طريق الغواية والضلال، وأما المسلم القوي المسيطر على نفسه وعلى شيطانها، فهو على حالة واحده ووتيرة لا تتغير في رمضان وغيره، فهدفه دائم طاعة الله وعدم عصيانه، لا يكل ولا يمل من ذلك أبدا، لا يغفل عن نفسه في كل أحواله، قد عود نفسه الطاعة والالتزام ـ
والنفس كالطفل إن شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم
قال تعالى عنها ( ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها ) فالمفلح هو من سيطر على نفسه وعلى نزعاتها والخائب الخاسر من قادته نفسه وقاده شيطانه إلى الهلكة والمعصية 0
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
في رمضان يخوض المسلم تجربة عظيمة في التحكم في النفس، يمنعها من شهواتها وملذاتها المباحة فهناك حد يقف المسلم عنده، فمهما عرضت أمامه من ملذات الأكل والشرب وغيره من الحلال الطيب فهو يستطيع أن يصد نفسه عنه ويمنعها، وما إن ينتهي هذا الوقت إلا وأعطاها ما تشتهيه منه من دون إسراف ولا تبذير، وهذا يدرب النفس على الطاعة والانقياد، وفيها صدق الطاعة لله سبحانه وتعالى، لأجل ذلك تكفل الله بان يكون الجزاء عليه مما لا يدخل تحت قاعدة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، بل جعل الجزاء على هذا العمل داخل تحت تقديره وكرمه سبحانه وتعالى، الذي لا يحده حد، فهو الكريم الجواد ،الذي إذا أعطى لم تعد النفس بحاجه إلى زيادة عليه، قال صلى الله عليه وسلم ( كل عمل ابن ادم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصوم فانه لي وأنا اجزي به يدع شهوته وطعامه من اجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ) رواه مسلم وفي رواية البخاري (قال الله عز وجل كل عمل ابن ادم له إلا الصيام فانه لي وأنا اجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابه احد أو قاتله فليقل انى صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا افطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه ) 0
فلنعش هذا الشهر بإقبال على عبادة الله، محتسبين كل ذلك عنده سبحانه وتعالى، ليجازينا بما هو أهله، فيما لا يدخل تحت حصر ولا عد من الجزاء والثواب، ولنفرح بصومنا في حياتنا وبعد مماتنا، فالصائم يفرح بصومه عند لقاء ربه، مع ما يجد في نفسه من فرحة عند الفطر، عندما يشعر انه قد أدى صوم يومه كاملا، دون أن يجرحه بكلمة أو فعل، فما أعظمها من فرحة، أدامها الله علينا ووفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، ولنعلم أن الصوم ليس امتناع عن الأكل والشرب فقط، بل هو محافظة على جميع الجوارح من الانطلاق فيما لا يحل لها، من التعدي على الناس وأذيتهم، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابه احد أو قاتله فليقل انى صائم ) فالكثير يجيع نفسه ويحرمها معتقدا بذلك انه صائم، وهو قد افلت لنفسه الزمام يأكل في أعراض الناس ويلوك سمعتهم ويوذيهم، فليس لهذا من الصوم إلا الجوع والعطش، قال صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) فالصوم جنة ووقاية يحمى بها المسلم نفسه ويحمى بها غيره من نفسه، فإذا سابه احد أو قاتله احتمى بالصوم فقال انى صائم، لا يرد ولا يجارى من اعتدى عليه، ويقي الناس من نفسه، يعلم انه إذا أطلق نفسه في التعدي على الناس جرح صومه وقد يلغيه بالكلية 0
نسال الله التوفيق والسداد، وان يجعل صومنا صوما مقبولا كاملا خالصا لوجهه الكريم، وان يجعلنا من عتقائه من النار، ونسأله سبحانه أن يعيننا على صيام شهره المبارك وقيامه، وان لا يخرجنا منه إلا بذنب مغفور وعمل صالح مقبول، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) اللهم اجعلنا من المتقين وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم .

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  770
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:31 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.