• ×

10:42 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

الموسيقى وإعلان حالة الطوارئ. 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قبل أكثر من خمسة عشر عاماً في العصر الذهبي لما أسموه وقتها بالصحوة ، وبينما كنا نتابع إحدى المباريات في مجلس أحد من أعرف ، أذيعت بين الشوطين أغنية لعبادي الجوهر أعتقد كان عنوانها "جاكم الإعصار" لم تكن أول مرة تذاع فيها تلك الأغنية ، فكثيراً ما استمتعنا بها سابقاً في مناسبات مشابهة في مباريات المنتخب السعودي ، ورغم أنني لا أهتم بمتابعة الرياضة إلا أن تلك الأغنية كان لها وقع خاص في ظل الجو المصاحب للتشجيع والمتابعة واللهفة والحس الوطني والفرح بفوز المنتخب .



المثير في الموضوع في تلك اللحظة هي الحالة الهستيرية التي إنتابت هؤلاء القوم عندما سمعوا الإيقاعات الأولى من مقدمة الأغنية ، كنت أعتقد أن شيئاً ما حصل لا قدر الله ، إما أن أحداً مات أو حدث زلزال أو كارثة لا قدر الله ، فقد تم إعلان حالة الطوارئ في ذلك المنزل ونهض الجميع في حركات هستيرية سريعة نحو التلفزيون يتسابقون لتخفيض الصوت .

سألتهم وأنا في خوف ودهشة مما رأيت وكنت فعلاً أتوقع كارثة .. ماذا حصل ؟

قالوا : ألا تعرف أن الموسيقى حرام ، إسترجعت أنفاسي وحمدت الله أن هذا الإستنفار إنما هو بسبب أغنية ومقطع موسيقي ولم يكن إستنفار هلاك قادم أو كارثة محققة .



قبل عدة سنوات قيل لي أنه في حفل زواج أحد المعارف ، أُعلنت حالة الطوارئ بسبب بعض المقاطع الموسيقية التي صاحبت فقرات الحفل في صالة النساء ، ورفعت شعارات الإحتجاج ، وارتفع صخب النقاش بين المحتسبات والمضيفات ، بل إن بعض الضيوف غادروا مقر المناسبة قبل حتى أن يتناولوا طعام العشاء إحتجاجاً على تلك الألحان العذبة التي تعتبر في أعراف بعض الشعوب والثقافات راحة للنفس وغذاء للروح وعلاجاً للإكتئاب والضجر والعدوانية ، ووسيلة راقية من وسائل التواصل الإنساني وعلو الروح.



أنا هنا لا أحلل أو أحرم فلست أهلاً لذلك ، ولن أقول كما قال الدكتور الحميدي أن " الغناء أحل من أكل السنبوسة وشرب الفيمتو " لكن ما أعرفه من قراءتي لبعض نصوص المحللين كالشيخ القرضاوي في بحث له عن الغناء والموسيقى ، وكذا ما أدلى به الشيخ الكلباني إضافة إلى بحوث المحرمين من باب سد الذرائع ، أن الغناء والموسيقى في حكم الأمر الواسع ولا يوجد دليل صحيح صريح يحرم الموسيقى ، وإنما التحريم مرتبط بما قد يرافق الغناء والموسيقى من مجون أو تعري أو كلام بذيء .. ودرجة تحريمه أو كراهيته لا تصل إلى هذه الهستيرية في الرفض والإنكار من بعض الناس .

فتخريب أفراح الناس وبهجتهم ، وإتخاذ موقف معادي للأحباب والأقرباء والأصدقاء ومقاطعتهم في ظني أنه أكثر إثماً من سماع مقطع موسيقي هدفه إسعاد الناس وبث روح البهجة بين المتواجدين في لحظة فرح قلما تتكرر .



هذه الهستيرية في رفض الغناء والموسيقى وخصوصاً من دهماء الناس وعامتهم في اعتقادي ليس مرتبطاً بمدى وعيهم الفقهي بحكم الغناء أو تفاصيل تحريمه ودرجتها ، وإنما للتعود على نمط معين في التعاطي مع الأشياء .

فهناك أشياء وأمور حرمت بنصوص ( صحيحة صريحة ) كالكذب والغش والغيبة والنميمة والبهت والربا وغيرها ، ومع ذلك فهي تجري في عروق بعض الناس مجرى الدم ولا يلقون بالاً لأحكامها أو نصوص تحريمها ، بينما تقوم الدنيا وتقعد إذا سمعوا نغماً أو مقطع موسيقي أو ما شابه ذلك .



أرجوا أن لا يفهم أحد أنني أدعو إلى سماع الغناء ، وإنما هي خاطرة أدعو من خلالها إلى إعطاء الشيء حجمه الطبيعي ، وعدم تضخيم مسائل الخلاف حتى تصبح في حكم الثوابت في الجانب المتشدد، وأشير أيضاً إلى أن ظلم الناس مادياً ومعنوياً أكثر إثماً وأكبر حرمة من سماع الموسيقى إذا كان الهدف طاعة الله وإجتناب نواهيه .



أخيراً : يُنسب إلى الشيخ أبو حامد الغزالي قوله :

)من لم يحركه الربيع وأزهاره ، والعود وأوتاره ، فهو فاسد المزاج وليس له علاج ( .
ويُنسب إلى ابن خلدون قوله :

( أحد مؤشرات سقوط الحضارات تدني الحس الغنائي والموسيقى في المجتمع ).



http://www.alfaifi.us


 43  0  1525
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:42 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.