• ×

09:01 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

ثقافة الماء في التراث الأدبي لفيفاء (1) 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ثقافة الماء في التراث الأدبي لفيفاء
للباحث و الأديب : أ. محمد بن مسعود الفيفي
[الحلقة الأولى]
======================

لقد أختار أجدادنا الأوائل، العيش في ذلك الجبل الصخري المنحدر، المعروف بجبل فيفا، لما توفره لهم التضاريس الوعرة من الأمن والحماية..رغم شح مياهه الجوفية وندرتها، إلى الحد الذي يجعل من رحلة البحث عن قطرة الماء مغامرة حاشدة بالمشقة والضنك.

ذلك الفقر، وتلك الخصاصة المائية، أدركها سكان الجبل منذ أن وطأته أقدامهم، وأصبح واقعا لا يمكن التغلب عليه ، إلا باستيعابه، وفق ثقافة خاصة، مكنتهم من إحراز نجاح نلمسه بجلاء عند تفحصنا الجبل، الذي يبدو لنا معمورا من قاعدته إلى قمته بمدرجات الزراعة.

و للفيفاء في معاجم اللغة تعريفات متعددة أوجزها الشيخ ياقوت الحموي في معجم البلدان ومنها : الأرض البعيدة عن الماء.
إنه تعريف يتطابق تماما مع حال الماء في فيفا، ومن خلاله ندرك لماذا أطلقت عليه هذه التسمية.

وإذا كانت عملية استنباط الماء من الصخور الصلدة، والصدوع العميقة، مهمة يتصدى لها الرجل، فإن عملية جلبه من مضانه عبر الأودية السحيقة، والشعاب النائية، تقع على عاتق المرأة، حيث لا يشكل خروجها من حدود الجبل في أزمنة القحط والجفاف؛ أي مخاطر على حياتها، نظرا لاعراف الفتن والحروب؛ عند القبائل العربية التي تجعل المرأة عنصرا محايدا؛ وغير مستهدف على الإطلاق, ولهذا كانت المرأة الفيفية في أزمنة القحط تقوم بجلبه في رحلة تستغرق يوما أو بعض يوم، من الأودية المحيطة بالجبل، وأشهرها ضمد وجورا..وسيلتها لذلك؛ قربة من جلد الماعز دُبغت وأُعدت بمهارة لهذا الغرض، يتراوح وزنها بين أربعين وخمسين كيلو جراما عندما تكون مملوءة بالماء، وتحملها بشنقين على ظهرها، ثم تسير مترنحة، ومنحنية للأمام تحت وطأة هذا الحمل الثقيل من الماء.

ورحم الله (غرسة) أم أحمد التي انطلقت قبل بواكير الضوء وملأت قربتها من وادي الغمر..وقفلت راجعة حتى مكان يعرف بـ (لحج الهامة) في معية عدد كبير من الواردات، اللائي طلبت منهن أن يتقدّمنها نظرا لبطء سيرها..إلا واحدة أصرت أن تبقى لمرافقتها..فما كان من غرسة إلا أن نبذت الغرب عن كاهلها، وانحرفت إلى أكمة بجانب الطريق .. ووضعت مولودها البكر أحمد..ولفته في مِحنَّتها، وواصلت السير باتجاه منزلها فيما تطوعت صاحبتها بحمل القربة.

قصص كثيرة تروى من هذا القبيل، تؤكد المعاناة التي تجدها المرأة من أجل البحث عن الماء.. فإذن هذه القربة الوحيدة التي عرفنا مقدار ما تحتويه من الماء.. لا بد أن تفي باستهلاك الأسرة يوما كاملا، إضافة للحصة المخصصة لشرب ثلاث أبقار في المتوسط، كل يومين على الأقل.. وهذا المعدل من الاستهلاك يكون في الأحوال العادية..وقد يتراجع إلى مقدار أقل.

أما مع ازدياد هطول الأمطار، ووفرة المياه فإن الاستهلاك يرتفع إلى قربتين أوثلاث، حيث تتحول شعاب الجبل إلى المناهل تجود بالمياه.
إذن فمتوسط الاستهلاك لا يزيد عن أربعين لترا في اليوم ..ويصفونه بـ التنواء، وهم يتونون : أي يتأنون، ويتصرفون في الماء بروية وأناة.

أمة حياتها على هذا النحو من التهديد بنضوب الماء، والهجرة والارتحال حين يتفاقم الظمأ، ويشتد القحط، بما ينطوي عليه الرحيل من غصص حين مغادرة ملاعب الصبا..ومدرجات الزراعة التي سقيت بالعرق وأفنيت في صياغتها وتهذيبها الأعمار.. كل ذلك كان مدعاة لافراز ثقافة تؤطر الماء وتمتزج به، وتجعل منه أهزوجة يترنمون بها في كل مناسبة، وشأن من شؤونهم العملية المتعددة كتضريس الحقل استعدادا للموسم الزاعي، تسمعهم يهزملون:

يالله اليوم تروينا بسيل..من سيولٍ تقع فاول سهيلٍ.

وإذا لفت اميوم، و اتقوى امحانب و امحيم، واستاقن امقنوق، وانهمرت المغزرات،
(ثم صاح المولش) حمدناك ياراعي الردات..واستبشروا بوفرة الغذاء والسعة في الرزق.
ثم أنشدوا بإيقاع سريع، وهم يتهيأون لمغادرة الحقل:

هللونا من وشيله .. كل شعبٍ جاب سيله

ومن خصائص الجبل أن جلدته الطيينية التي تكسو صخرته رقيقة جدا، فلا تحتفظ بالماء إلا أياما، كما أنها لا تقوى على التماسك عند تشبعها به، إذ تنهار وتتخذ سبيلها إلى معاميل تهامة، فتمطر فيفا لتمرع زهوب ضمد، وأهلها يقولون إنها تمنح الديار الأخرى حصتها من الماء!!.
(فصل) اصطياد الماء .

لقد حاولوا أن يستفيدوا من مياه المطر إلى أقصى حد، مهما كانت زهيدة تلك القطرات المنسكبة من السماء، وعمدوا إلى صفحات الصخور المنحدرة، فنحتوا الكريان في أصولها، لاصطياد الماء الذي يسارعون بجمعه مباشرة عقب توقف المطر، نظرا لمقداره الزهيد الذي لا يتجاوز اللترات..وبهذا نستطيع القول بأن الكريان هي الوسيلة الأقدم والأنجع، فحصادها مضمون من أي (وشيلة) واهنة أو (هازع) مباغت في العشايا الصيفية.

وهناك البرك المنحوتة في الصخور الرملية، بشكلها المستدير، ذات عمق يتراوح من مترين إلى ثلاثة بقطر قد يصل إلى متر ونصف في أغلب الأحوال، وهذه البرك يمكنها أن تحتفظ بالماء مدة شهر كامل، ولا سيما في فصل الشتاء ..وهو عندهم الربيع، حيث يكون التبخر في أدنى مستوياته في هذا الفصل من السنة.
ثم البرك المقضوضة بالكلس المعالج المعروف بالنورة..ولعل أول بركة بنيت في فيفا تلك المعروفة محليا بـ (بركة الترك)..ويرجع بناؤها إلى أواخر القرن التاسع الهجري، حيث تم تشييدها من قبل الحامية التركية بجانب حصن العبسية الذي اتخذه الأتراك مقرا لهم أيام الخلافة العثمانية، نظرا لموقعه الاستراتيجي في أعلى نقطة من جبل فيفاء.
ومهما كانت هذه الطريقة في اصطياد مياه المطر وخزنه ناجعة إلا أن كلفتها الباهظة جعلتها محدودة الانتشار، بحيث لم يتجاوز عددها أصابع اليدين على امتداد الجبل طولا وعرضا، حتى ما بعد 1965م حينما إنشئت طريق الجمال، ويطلقون عليها (الجمالية)..بواسطة الدواب وصلت مادة الأسمنت إلى الجبل فانتشرت البرك الأسمنتية، فشيد سكان الجبل من سنة1970إلى سنة 1979م، أكثر من عشرآلاف بركة لخزن مياه المطر.

استنباط الماء .
ـــــــــــــــــــــــــ


إن كمية الماء المتدفقة من باطن الأرض، وإيغالها في العمق أو العكس، أيقونة تتحكم في تصنيفات الموارد المائية في أنحاء الجبل..وتأتي الآبار في مقدمتها شهرة لما تمتاز به من ثراء مائي يمتد عطاؤه فترة زمنية أطول مما توفره المصادر الأخرى، ولا يعني أنها قد تسلم من النضوب عند انحباس المطر أعواما متعاقبة.
ومن آبار فيفا..بير النحاسي.. والعلايج، والكهلة، وحماس، وآل غالب، وغيرها الخ الخ.
ويأتي في المرتبة الثانية في هذه التصنيفات ما يعرف بـ ( الفقي) مفردها (فقوة) .. وماؤها في نقطة أقرب من سطح الأرض إلا أنه يستلزم بناءً فتبدو فوهتها على شاكلة البئر في الغالب ويتراح عمقها من قامتين إلى خمس..وتحتوي في بنائها على درج يمكن الوراد من الوصول إلى قعر الفقوة عند انحسار الماء في مواسم الجفاف، ومن أشهر الفقي ..فقوة الغمر ، والمنهم، وريسان، والضحي، والمعرف، وجذيمة.
وإذا كان البئر والفقوة يقومان على مسطح متسع نسبيا فإن المعين على خلاف ذلك تماما، ويكون في المعتاد مبنيا في أساس المدرج الزراعي، على هيئة نافذة أو بوابة ضيقة (انظر الصورة). وتنتشر المعاين في فيفا، وأهما الغمر، والسيالة، والشواحط، والشلة، والصوملة، والفاحم، وغيرها.
أما الحياد فمختلفة عن كل ما سبق من تصنيفات المناهل ومضان الماء في فيفا..إذ تتكون الحياد بفعل السيل أو الشلالات المنحدرة من الوديان في السنوات الغنية بالأمطار، ولا يتدخل الإنسان في إعدادها أوتهذيبها، وقد تبقى الحياد ثرة بالماء على مدار السنة يغذيها الغيل ..كحياد المقندرة شرق فيفا..وحياد العصم في وادي الغمر، ومن الأودية التي تكثر بها الحيود وادي الربوع، ووادي السربة، ووادي القصبة.

أعراف الماء في الشعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يقول الشاعر يحيى محمد..
قني منشط بازلي عل صافي الغيول..يشرب ويحلز قبل ورد المال والحلول
يروح واها قانع وامقلب قد روي.
وعلى هذا النحو الذي بينه الشاعر .. فإن الشرب من نصيب صاحب المال أولا، ثم مازاد عن حاجته فمن نصيب السكان المحيطين بالماء، وما فاض فمن نصيب من رغبه من الناس.
من الأهازيج المختلفة التي تضج بالماء.
قول الشاعر : يالله تسقينا الهمال ..من سارية تقوي المخال..على قصي وادي وعال
حيث امبدو متوالية.
وآخر : يالله اليوم تسقينا بسيل..من سيول تقع فاول سهيل
وآخر:
سرى الليلِ سرى الليلِ..على فيفا سرى البراق
سقى الله بقعة امسندر ...تعجل بالقنياتِ


الماء ومكوناته في الشعر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الماء رمز الخير....
قال الشاعر يحيى بن محمد:
يامرحبا قوم العبيدي لو قهم ولام ........ من شارخ الدفرة حك امجوة ولـ امزام
وامسربه وامدغر
وباقي احفاف عزيزٍ وا مجللِ
ترحيب يوم ماطرو من يامنٍ وشام.....ويروي الدنيا خلاف امدور وامحطام
واتنبت الخضر
وايفرح البدوي ويرزق كل عاملِ ( هنا أيضا حالة غريبة من تكرر العطف بالواوإحدى عشرة مرة وهو ما نجده في المسند تماما )
ورمز الحرب:
نحزب فيا باهي الشهود ...... قد وضعو زندو وامانو
فيهُ لعيق النار
يعزي قريبٍ والبعيد( يحيى بن جابر الحكمي)
فرد عليه يحيى بن محمد قائلا:
خللو لليقاي امحدود ...... في يوم تتراكم غيانو
واحذرتك الموخار
أيلا قها يوم الوعيد..
ورمز للقوة والمنعة :
آل امغامر راعدٍ بين القنيف.... مبيات وآل امودحي واال امشرف
وشيخنا يحيى نقول أبو علي

والكثرة :

ألا يمرحبا ياكل ضوال..رفيق واجنبية
تراحيب بعدة خط القلام..وهلات المطورا.
صورة الماء عند الشاعرأسعد زايد:
طلبت الله ذا برجو تكاثر.... وذاهب الما على البيدا تناثر
وشرب الطين منه وارزق اهلوا
والفرح والابتهاج....
قال يحيى بن محمد:
يامرحبا واهلا تراحيب على الذهوب..ترحيبة البيدا بيوم السيل والشروب
واتسمع الرجال
من لسن عراف ولا بو كلمة زافقة
والبشر والسعد ..

له أيضا:

يقول ابوعلي بدع في حالي النطوق..واطرح سلام الله على جميع تالخلوق
قدها مفاتيح الخبر وول مذاهبو
تسليم يوم حاكد واماطرو يسوق.....شل امشجر من مودية بامشجن وامعروق
سيلو يبث العقم والمعمال يخربو

و له أيضا وهو يصف الحميمية المودعة في التحية التي ألقوها على الحشود المستقبلة :
واطرح سلام الله على الهود في الوصول.. تسليمة تبلغ بنا مدينة الرسول
والبيت والحرم
تسلي قلوب الناس والشيطان تقرعو
تسليمة منها الحيا والخير والقبول.. مهل تهواي المطر من رادم الثمول
والرعد لا زكم
يفرح بها العمال يتغانى بمزرعو.

[يُتبع في حلقة ثانية تستكمل محاور أخرى ]


 22  0  2006
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:01 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.