• ×

11:33 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

ثقافة الماء في التراث الأدبي لفيفاء (2) 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ثقافة الماء في التراث الأدبي لفيفاء
للباحث و الأديب : أ. محمد بن مسعود الفيفي
[الحلقة الثانية]


رابط الحلقة الأولى


تشبيه المرأة بعين الماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال شاعر فيفي:
عاينة في ضمد وعاينة في دفا ما مثلهن... بي ظماي لهن
وردونا على احدات امعواين.

الطقوس المتعلقة بالماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ إنهم لا يشيرون بأصابعهم إلى شلالات المطر المنسكبة مطلقا..ويسمونها ( السبول) أو (النوّة) بل يقرأون الأدعية ويتلون الصلوات عند رؤيتها ..وحين يضطرون إلى الإشارة ناحيتها فبإيماءة من الوجه، دون أن يرفعوا باتجاهها يدا .. معتقدين بأن الإشارة إليها قد تكون محملة بالنحس والشرور والعين والحسد وسوء الطالع، مما سيتسبب في انكسارها وتقهقرها.
ولقد كانت جدتي لأبي رحمها الله تنتهرني عندما أشير باتجاه المطر قائلة : بسم الله عليها دعها تنهمر يا ولدي..فستجعلها تجفل وتقهقر خوفا.

2ـ وفي مناسبة أخرى فإنهم يمنعون ( المهد) من رؤية عين الماء أثناء العمل على استخراجها.. والمقصود بالمهد : الفتى الذي لم يختن بعد، وهو السبب الذي حرمني من مشاهدة العمال وهم يحفرون بئر وادي الرواح سنة 1969م بحجة أن المكان يعج بالأشباح التي تختطف الأولاد الصغار وتلقيهم في أقاصي الأرض وأبعدوني نهائيا عن المكان رغم أن والدي كان من ضمنهم فلم أفلح في اعتلاء كومة النزح المبلول المستخرج من الأعماق بهدف اللهو..
3ـ وعندما يعثرون على الماء في باطن الأرض فإنهم يقومون بتغطيته بإحكام، لايمكن رؤيته مدة أربعين يوما .. ويعرف هذا الطقس بـ (القصية) من الإقصاء والمنع.
4ـ يمنعون الاستضاءة المباشرة في مهل الماء وتشمل كافة القوالب التي تعتمد النار كمصدر للضوء..من جذوة وقنديل ومسرجة زيت وخلافه. وما زلت أذكر كيف كانت السرج تترك بعيدا عن ينابيع الغمر سنين الجفاف التي ضربت فيفا علمي 68و69م دون أن أعرف السبب إلا بعد ذلك بحين .

الماء في الحكاية الشعبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن تفجر العيون من باطن الأرض محكوم بما يشبه المعجزات والكرامات، ووفق قصص الماء فإنه لم يتحقق إلا على أيدي أولئك الذين عرفوا بالصلاح والتقوى وامتازوا بالإيثار والكرم، وهو ما حدث تماما في قصة مناهل وادي الغمر، الأشهر في موارد فيفاء.
وملخص القصة تقول : بأن رجلا يقطن بيت المغرف غرب شمال غرب فيفا، طرق بابه غريب عابر ذات سنة مكفهرة.. فرحب به وأبدى احتفاءً كبيرا، وعمد إلى الوعاء الخشبي وأفرغ نصف المحتوى من الماء في دلة يسمونها (جمنة) وأشعل النار وأعد القهوة، ثم قدمها للضيف، ولم ينتظر طويلا حتى نضج الرغيف الوحيد ليقدمه معتذرا عن تقصيره الذي يعلم الله سببه، وعندما قدر بأن الضيف قد انتهى من تناول العشاء عاد إليه، ليجده منزعجا من البكاء المتواصل لذلك الطفل المودع في الهندول، حاول الرجل تهدئته بالأرجحة لكن ذلك لم يغن شيئا..وسأله عن والدة الطفل؟ ..فقص عليه معاناتهم في الحصول على الماء..ومن خلال عدد من التساؤلات علم الضيف بأن هذا الرضيع يوشك أن يهلك جوعا وعطشا حيث غادرته تركته أمه صباحا إلى وادي جوراى لانتظار دورها لملء قربتها.. وأدرك أن مابحوزنهم من ماء قد نفد حين ذهب نصفه لإعداد القهوة والنصف الآخر لإعداد الرغيف..ولأجل أن يتأكد من صحة استنتاجاته فقد طلب من الأب أن يسقي طفله، واندهش لعدم انصياع الرجل، وهذه الأثناء تصل الأم ..وفيما بعد كانت تروي لزوجها كيف انطوت لها الأرض وكيف اجتمع انطلاقها من وادي جورا ووصولها إلى دارها لتحتضن وليدها الذي شارف على الهلاك فيما يشبه المعجزة.
ومع بواكير الصبح كان الغريب يطلب من مضيفه أن يتبعه ليعين له حدود ماله، وهكذا كان..فأخذ يتأمل المكان ثم التقت إلى الرجل وهو يقول سبحان الله.. ألديك هذا النهر الهادر من الماء وتكلف زوجتك السفر بحثا عنه؟..ثم وضع له خمس علامات طالبا منه أن يحرر الماء الذي سيروي فيفاء وما جاورها، فكانت المناهل الخمسة لوادي الغمر.. أما الضيف الغريب فلم يكن إلا الرجل الصالح ....الخِضر.

وفي حكاية أخرى بطلتها امرأة صالحة قيل بأنها رفضت الزواج إلا من شخص تحيط داره ينابيع الماء..فخطبها ابن آل مارحة زعيم قبيلة آل عبدل مدعيا بأن المياه تتدفق من شرق داره ومن غربها..فقبلت به زوجاحين تحقق شرطها، لتكتشف لاحقا بأنها كانت ضحية المجاز، وأن الماء الوفير شرقي الدار وغربه، لم يكن يقصد به سوى عيون جورا وضمد، كون داره تعلو قمة جبل اللعثة المطلة على هذين الواديين العظيمين، فإذن لقد وجدت هذه المرأة نفسها في أبعد نقطة عن الماء، فابتهلت وتضرعت ليغيثها الله بمنهل اللعثة، فكان انبجاس الماء من أعلى قمة في الجبل أمرا خارقا للعادة..فظل هذا النبع سخيا بالماء إلى أن توفيت ليجف تماما..وما زال معروفا إلى يومنا هذا.

أما حكاية صاحب اليسير فتقول بأنه أدرك ليلة القدر فتمنى أغلى غال وأطيب عيشة..وعاد إلى سريره الخشبي وتوسد أريكة الجلد والتحف إزاره المرقع، في انتظار الصبح الذي سينجلي عن كنوز من الذهب والفضة والقصور المنيفة، والحياة المخملية والعيش الرغيد، ثم أسلم جفنه للرقاد الذي لم يمتد إلى انبلاج أسارير الصبح، حيث استيقظ سحرا وقد حاصرته المياه وتحول كوخه الحجري الضيق إلى فوهة شلال هادر، فانتزع نفسه من هذا الطوفان وفتح الباب بمشقة واندفع خارجا يستطلع الأمر، وكان عليه أن يراجع امنيته التي أودعها ليلة القدر، لتأكد بأن أغلى غال ما هو الا الماء، ومع طلوع الشمس عاد إلى الكوخ لجمع ما تبقى من متاع معلق على الجدار..واندهش لوجود مائدة موضوعة على دكة الرحا فتناولها وعاد أدراجه ليكتشف أيضا بأن أطيب عيشة هي العصيدة باللبن، وانكفأ يأكل حتى امتلأ بطنه وغادر المكان ليقيم كوخا في الجوار.
ومياه اليسير على مقربة من وادي الغمر وماتزال بقايا من بناء الكوخ المتهدم ماثلة حول النبع.

أما قصة امحم عقيصاء وما احتوته من فنتازيا تدور في فلك الماء، نوجزها فيما يتصل بموضوعنا.. فقد ذهب يفتش عن شقيقه المفقود وجعل لزوجته مدة زمنية مقدارها سبع سنوات عند انقضائها تستطيع أن تعده في الهالكين.. ولها أن تتزوج إن رغبت..وهكذا ذهب إلى أقصى الأرض في قصة طويلة ومغامرة حافلة، وبانقضاء اليوم الأخير من السنوات السبع، لجأ إلى الملاك المعني بتوزيع الثمل وشرح له قصته المثيرة..طالبا من هذا الملاك الطيب أن يحمله على السحابة المتجهة إلى قزاعة من فيفا..متى حان نصيبها من المطر.. ولحسن حظ العقيصاء فقد أشار الملاك إلى قطعة بحجم نواة التمر، قائلا تلك ثملة قزاعة هذا المساء.. فامتقع لون الرجل وطلب من الملاك أن يزيد المقدار كون قزاعة أرضا طينية ومسطحاتها متسعة وتحتاج الى الشرب والإرتواء، كي تؤتي ثمارها، فأضاف مقدار النصف من الكمية الأولى، معتذرا إلى العقيصاء عن أي خراب سيجلبه طمعه، وعدم تقديره لحجم هذا العطاء المائي. وهكذا استقل الثملة إلى موطنه، وهبط وفق تعليمات الملاك والتجأ إلى معين قزاعة واستكن في بنائه منتظرا انتهاء سقوط المطر..ولكن دون فائدة ..وحين رأى بوادر الكارثة راح يدعو الله أن يحذف توصية الملاك.. قئلا : يا الله شل ام زيدة.. الغريب أنه حضر فرح زوجته التي عرفته بعلامة خاصة وتم صرف المدعوين بما فيهم العريس وتحولت المناسبة إلى احتفاء بعودته الميمونة.

الاستمطار
ــــــــــــــــ

ما زال الاستمطارفي فيفا يشكل عنوانا مثيرا في التراث القصصي، إلى درجة القول بأن آخر حفلة استمطارية تقام في رأس الكدرة أوقمة الشّباب، لم يمض عليها سوى أعوام يسيرة، رغم كونها واحدة من الطقوس الجاهلية المغرقة في الشرك بالله عز وجل.
قال الرواة: إذا اشتد القحط وانحبس الغيث، عمد الناس إلى الكاهن يستفتونه في أمرهم، فيأمر باقتياد ثور أسود رباع إلى قمة من قمم الجبل، فينحرونه جاعلين دمه في وجرة مكينة لا يتسرب منه شيء أو يفقد من كميته أدنى اليسير، وهكذا يتم نحره دون أن يذكر اسم الله عليه.. وربما كانت هناك طقوس أخرى غائبة، لكنهم في النهاية يقتسمون لحمه، ويعودون مسرعين لبيوتهم، إلا أن المطر قد يدركهم قبل أن يصلوا في الغالب.
ووفقا لما بلغني عن الاستمطار والمستمطرين، فإن أواخر القرن الثالث عشر الهجري أو ربما بدايات الرابع عشر قد شهد آخر هذه الطقوس الجاهلية للاستمطار.
ويتناقل الناس رواية تؤكد بأن الكتلة الصخرية الموجودة في السرب قد سقطت من قمة الكدرة، ولم تكن سوى صخرتهم التي كانوا ينحرون فوقها ويستمطرون..لقد جرفتها غضبة إلاهية وألقت بها في مكان سحيق، وصاحب ذلك دمار شديد وانهيارات جرفت مدرجاتهم الزراعية فظهرت من تحتها اصخرة فيفا الصماء تلتمع.

الخاتمة
ــــــــــــ

إنه الماء في فيفا.. ملهب الخيال، وباعث الأمل والرجاء، والمحرض على الفعل الخلاق, وقصة مكتظة بالسحر والجمال، وأغنية يتردد صداها في جنبات الغمر والفاحم والصوملة والشلة أشهر موارد الجبل وأغدقها وأصفاها، الحبل السري الذي يهب الحياة لإنسانها والشريان الذي يضخ الدماء في جسدها منذ آلاف السنين، حتى دخلت سنة 1982م لتطوى آخر صفحة من ذلك السفر العجيب، وتبدأ فصلا جديدا من قصة أخرى ذات ثقافة مختلفة تماما ..وإلى ما شاء الله.

 56  0  2099
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:33 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.