• ×

12:45 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

عجوز فيفاء وصوت الرعد. 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط





عجوز فيفاء و صوت الرعد و سعادة المدير

عجوز بلغت من العمر عتيا !
ظهرُها الأحدب جعل بصرها مُوَجَّهاً إلى الأرض دائما ؛ حتى تظن عندما تراها تمشي ـ مشيتها الوئيدة ـ أنها تتأمل الأرض لتبحث لها عن موضع قبر .
تقرأ في تجاعيد وجهها كل حروف الشقاء التي خطَّها الفقر والعَوَز والسعي الحثيث وراء لقمة العيش ،فلا تكاد تراها مُبَكِّرةً إلا لتبحث عن مرعى خصب لتطعمَ بقرتها ؛ بعد أن أصبحتْ هي ودارتُها ومشراحُها كلَّ ثروتها في الحياة الدنيا ؛ فالدارة مأوى ، والبقرة مصدرٌ لبعض ما تقتات به من السمن واللبن ،وما يأتيها من صُبابة مال من الضمان الاجتماعي يوفر لها ثمن البر والأرز .
وحينما تتأمل عبادة تلك العجوز تحسبها ممن لو أقسم على الله لأبَرَّه ، فلا تكاد تجدها إلا صائمة ، وحين تنير الضوء من مشراحها آخر الليل فما أضاءته إلا استعداداً للقاء الله تعالى في صلاتها .
ولا أذكر أني نظرت ـ وأنا أحد جيرانها ـ إلى شرفة دارتها آخر كل ليلة ولا ألمح رأسها يرتفع قليلا عن الشرفة إلا وعلمت يقينا أنها إما راكعة أو ساجدة ،وستقف بعد إتمام الركوع أو السجود ،ولو لم أشاهدها فهذا يعني أنها مريضة أو ميتة ،ولو ماتت لما شعر بفقدها سوى بقرتها التي تنتظرها كل صباح لتمنحها الحليب مقابل الغذاء .
قابلتها عصر تلك الليلة وهي تجمع بعض العلف من أرضنا لبقرتها ، فسلمت عليها فردت السلام ،وبينما كنتُ أسألها عن أحوالها إذا بالرعد يدوي ،فابتهجت تلك العجوز ورفعت بصرها إلى السماء وقالت بلهجة ملؤها الأسى :
\" يا الله يا كريم هب لنا مطرن \" ، وكررتها ثلاثاً .
ثم شرحت لي ما آلت إليه الحال بعد شح الأمطار في فيفاء الغربية ،فلا عشب لرعي بقرتها ،ولا شجرة مورقة فتقطف بعض أغصانها ، والأدهى من ذلك أنه لم يبق ببركتها من الماء ما يكفيها وبقرتها .
ثم أبدت استغرابها لانقطاع مرور صهريج الماء الممنوح من قبل خادم الحرمين لسقيا أهالي فيفاء مجانا ،وقالت إنه كان لا يمر أكثر من شهرين إلا ويأتيها نصيبها منه وهو نصف وايت .
ثم أردفت : أما الآن فقد مرَّ على آخر مرة سكب لنا بعض الماء أكثر من خمسة أشهر .
فتذكرت ذلك المتعهد المليونير صاحب الصالون الأبيض الجديد ،الذي لا يفتح زجاجة سيارته في أثناء مروره ، حتى لا يتعرض لنسائم حارة صيفاً أو لفحات باردة شتاء ،فتؤثر على بشرته الملساء ، أو لأهداف أخرى لا أعلمها.
فكَّرت أن أبوح لها بسر تأخر صهريج المياه ،وأخبرها عن ذلك المتعهد الذي إن لم تكن تعرفه فقد تكون تعرف أمه .
ولكني قلت في نفسي : وما الفائدة من إخبارها ؟
فهو إن لم يستجب لله تعالى القائل :\"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ..\"
ولم ترتعد فرائصه من قوله تعالى : \" وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما\"
فمن المؤكد أنه لن يستجيب لطلب تلك العجوز الفقيرة؛ فسقي إبله وإرواء بعض أولي الوجاهة قد شغلاه عن الوفاء بما تعهد به .

لا أخفيكم بأني شعرت بالغضب والكره لذلك المتعهد ، ولكني تذكرت قوله تعالى :
\"ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين \"
فسلوت واطمأنت نفسي ؛ لعلمي بأن ذلك المتعهد مع سعادة مدير عام المياه مع معالي الوزير وكل من علم من أصحاب القرار بمظلمة ولم يأخذ للمظلوم من ظالمه سيؤتى بهم يوم القيامة شعثا غبرا بلا بشوت ولا حرس ولا أتباع ويجازون عن ظلمهم أو سكوتهم عن ظلم تلك العجوز وأمثالها من الناس .

وأنا على يقين بأن الشكوى لمن اشتكى لأحد المسؤولين ستعود وتودع في أدراج مكاتب فرع المياه في جازان ؛لأنها ستصبح بعد دحضهم لها بالحجج الواهية والقليل من المحسوبية والوساطة دعوى كيدية ،وسيثبت ُ أن الصهاريج تجوب فيفاء وتسقي الحرث والنسل ،وتحيي الأرض بعد موتها ،وتملأ البطون وتنظف الأجساد واللباس ،وقد جرّب ذلك أهالي فيفاء مرارا وتكرارا ،وسيرون ذلك اليوم بعد الشكوى الأخيرة التي تقدم بها بعض المواطنين من عدة قبائل للجهات المسؤولة.

لذلك أقول : فلتنعموا يا سَدَنَة وزارة المياه ومتعهديها ،واملؤوا بيوتكم بالجاكوزي والبانيوهات ،والسكاريب والدشوش الذكية التي تصب في أيديكم وفوق رؤسكم بمجرد تمرير الأيادي تحتها ،واملؤوا بطونكم بالماء البارد المُحَلى ،فإن أمامكم يومَ حسابٍ جلادُوهُ خَزَنَة النار ،وسجنُه الحُطَمَة ،وحاكِمُه فاطر السموات والأرض ،وليس صاحب السعادة ولا المعالي ولا السمو .

وأنتِ أيتها العجوز اسألي الله أن يسقيك وبقرتك ،وانتظري متى يبشرك صوت الرعد بقدوم المطر ،واللهُ أرحم بك وببقرتك من فرع مياه جازان ومتعهدهم و زبانيته .

بواسطة : faifaonline.net
 28  0  1858
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:45 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.