• ×

05:53 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

الاهتمام بالقران

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الاهتمام بالقران

بقلم : أ. عبد الله بن علي قاسم الفيفي


الحمد لله المحمود بكل المحامد، أسبغ علينا النعم، ورفع عنا النقم، وجعلنا من خير الأمم، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضى، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
مبارك عليكم هذا الشهر الكريم ،شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن ،شهر الطاعة والصبر ،تقبل الله منا صيامه وقيامه ،وجعلنا ممن يقومه ويصومه ايماناً واحتساباً، اللهم آمين.
رمضان شهر القران، سمي بذلك لأنه نزل فيه القران الكريم ،قال تعالى ( شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) وقال تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) فالليلة المباركة هي ليلة القدر أعظم ليالي الشهر، التي هي خير من ألف شهر، كما قال تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي مطلع الفجر ) فبداية نزول القران كانت في شهر رمضان المبارك في ليلة القدر منه، انزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، جملة واحدة في هذه الليلة، ثم ابتدأ نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الليلة، ثم توالى نزوله عليه صلى الله عليه وسلم منجما على ثلاث وعشرين سنة، قال صلى الله عليه وسلم ( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وانزل القران لأربع وعشرين خلت من رمضان ) فبسبب نزول هذا القران في هذا الشهر المبارك اقترن القران برمضان، فيقال رمضان شهر القران، أو قد يكون سبب هذه التسمية كثرة الاهتمام بتلاوة القران في هذا الشهر، كما هو ملاحظ ومشهود من مدارسته وقراء ته في أكثر ساعات النهار والليل، وقراء ته في صلاة التراويح والقيام، ولقد كان جبريل عليه السلام يدارس رسول الله صلى الله عليه وسلم القران في كل ليلة من ليالي رمضان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القران فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ) فرمضان شهر القران، كله خير وبركة، وإذا اقترن الاهتمام فيه بالقران والتمعن في معانيه وآياته زاد فضله وأجره، وكانا شفيعان له يوم القيامة، وشاهدان على فضله وصلاحه والتزامه، قال صلى الله عليه وسلم (الصيام والقران يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القران رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان )فالقران الكريم خير شافع لصاحبه ومدافع عنه، قال صلى الله عليه وسلم ( اقرؤوا القران فانه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ) ويقول صلى الله عليه وسلم ( يجيء صاحب القران يوم القيامة فيقول القران يارب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يارب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يارب أرضى عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزداد بكل آية حسنة ) ويقول صلى الله عليه وسلم ( يقال لصاحب القران اقرأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) وكلما كان اهتمام الإنسان بالقران أكثر كانت منزلته ودرجته أعلى وأكمل، فالذي يمارس قراءة القران حتى يصبح ماهرا به، يعرف أصوله وتجويده ومخارج حروفه وألفاظه، تكون منزلته أعلى واجل في الآخرة، لان القراءة الصحيحة تزيد صاحبها فهما لمعاني القران وحسن تدبره، ولابد أن يكون انقياده والتزامه بهذا القران على بصيرة وفهم صحيح، ولا يخلوا احد من الأجر في قراءة القران ولكن ليس كالمتقن له، يقول صلى الله عليه وسلم (الذي يقرأ القران وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القران ويتتعتع به وهو عليه شاق له أجران ) فواجب المسلم ليكتمل أجره ويتضاعف ثوابه أن يزيد اهتمامه بتعلم قراءة القران على الأصول الصحيحة، ولا يتم ذلك إلا بالمشافهة من المعلم، ففي الحديث (وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القران) ثم عليه أن يكثر من التكرار حتى يتعدل لسانه ويمهر به، وكلما زاد اتقانا للقراءة زاد تعلقا بالقران ،فهو متعة روحيه لا تعدلها متعة، على ما ينال صاحبها من الأجر والثواب، فالمتعلم والمعلم للقران من خير المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القران وعلمه ) فمجالس القران من خير المجالس، مجلس تسود السكينة والرحمة والجلال، يباهي الله بهم الملائكة في السماء، قال صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) فيا سعد من كانت هذه مجالسه، ويا سعد من عود نفسه وأولاده هذه المجالس ، إن الأجر والثواب ونور القران ليتجاوز المتعلم والعامل به إلى والديهما، فيلحقهما الجزاء والتكريم بسبب تعلم ولدهما للقران وقرائته، قال صلى الله عليه وسلم ( من قراء القران وعمل به البس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا ) ويقول صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القران وتعلم وعمل به البس والداه تاجا من نور ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتين لا يقوم بهما الدنيا، فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القران ).
إن القران الكريم حلية وزينة لأهله في الدنيا والآخرة، فهو يعمر القلوب والأبدان، ويحي الموات منها، قال صلى الله عليه وسلم ( إن الذي ليس في جوفه شيء من القران كالبيت الخرب ) فالبيت الخرب لا فائدة منه، بل هو خطر تسكنه الهوام والحشرات، فيتعرض للأذى حتى من يمر بجانبه، والقران الكريم عمار لهذا الكيان، فهو ينفع حامله ويضي جوانبه، حتى لو كان هذا الحامل من غير أهل الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم ( مثل المومن الذي يقرأ القران مثل الاترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المومن الذي لا يقرأ القران كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القران كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القران كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ) فالمومن بالقران يزكو ريحه، ويطيب طعمه، ويكون عامر القلب، حي الفواد، عظيم الثواب، فثواب القران ثواب عظيم، فيه بكل حرف حسنة، وتضاعف إلى عشر حسنات، قال صلى الله عليه وسلم ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) فكم من حروف في القران الكريم، وكم من حسنات يكسبها القارى بتلاوته وترديده، ما لا يدخل تحت حصر ولا عد، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال ايكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير أثم ولا قطيعة رحم فقلنا يا رسول الله كلنا نحب ذلك قال : أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث وأربع ومن أعدادهن من الإبل).
إن المستمع لا يقل في الثواب عن القارى، وبالأخص إذا أحسن التأدب في سماعه، وأحسن الإنصات والخشوع، قال تعالى ( وإذا قرىء القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) فإذا استمع بحسن أدب وصمت وتمعن فيما يسمع، نال الأجر والثواب العظيم، قال صلى الله عليه وسلم ( من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة ).
قال الله تعالى ( لو أنزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) فقراءة القران ليست مجرد قراءة عابرة سريعة، يمر فيها الإنسان بالآيات والصفحات والسور وهو في شرود لا يعقل منه شيء، بل إن قراءة القران يجب أن تكون بتمعن وتدبر واخذ بما فيه، قال تعالى ( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها ) فالمومن مطالب عند قراءة القران أن يفتح قلبه وذهنه ويتمعن ويتدبر، لتحصل له الفائدة المرجوة من القران، مع الثواب العظيم والدرجات العالية، ليزداد إيمانه ويقينه، وتتوسع مداركه بعظمة الله وقدرته، وليكون ذلك حافزا له على العمل، والسعي إلى تطبيق ما قرأ من آيات الله وأوامره ونواهيه، فهذا هو سبب النجاة والفوز الذي يرجوه المسلم ويسعى إليه، قال صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القران فاستظهره فاحل حلاله وحرم حرامه ادخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار ) فالقران هو كتاب الله العظيم ومأدبته على الأرض، هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، من تمسك به وسار على نهجه هدي ووفق إلى كل خير، قال صلى الله عليه وسلم ( إن هذا القران مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القران حبل الله والنور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فان الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف )0
ومن تدبره التوقف عند إعجازه، وعظيم أخباره، والائتمار بأمره، والانتهاء بنهيه، والسجود عند سجداته، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا قرأ ابن ادم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله ) وفي رواية ( يا ويلي أمر ابن ادم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ) والذي يقرأ القران ينبغي أن يتخلق بأخلاقه الكريمة العالية، التي تتمثل في خلق المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه سبحانه بقوله ( وانك لعلى خلق عظيم ) وعندما سالت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت ( كان خلقه القران يأتمر بأمره وينتهي بنهيه ) فالمسلم وهو يقرأ القران ينبغي أن ينطبع ما فيه على أخلاقه وصفاته، ويزداد إيمانا مع كل آية ومع كل سورة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يتجاوز الواحد منهم العشر آيات حتى يحفظها، ويعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها، ويعمل بمقتضاها، فجمعوا رضوان الله عليهم بين العلم والعمل، قال صلى الله عليه وسلم ( من قرأ القران فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير انه لا يوحى إليه لا ينبغي لصاحب القران أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله ) أي أن قارى القران يجب أن يكون على خلق بمقتضى ما يقرأه من كلام الله عز وجل، فلا يغضب ولا يشتم ولا يذم ولا يفسق، ويجب على صاحب القران تعاهد ما حفظه منه حتى لا ينساه ويضيع عليه، قال صلى الله عليه وسلم ( صاحب القران كمثل الإبل المعقله إن عاهد عليها امسكها وان أطلقها ذهبت ) وفي رواية ( إذا قام صاحب القران فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه ).
نسال الله أن يلهمنا حفظ كتابه، والعمل به، والتخلق بأخلاقه، ونسأله أن يذكرنا منه مانسينا، وان يلهمنا منه ما جهلنا،اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، واجعله خالصا لوجهك الكريم، اللهم واجعل القران ذخرا لنا وشفيعا بين يديك، وزدنا فيه فهما وعلما.
والله اعلم ــ وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم .


بواسطة : faifaonline.net
 1  0  859
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:53 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.