• ×

07:01 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

قصة التعليم في فيفاء الحلقــ29ــة .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أخذ العبر مما ذكر في الحلقات السابقة من قصة التعليم في فيفاء


ذكرت في الحلقات السابقة من ( قصة التعليم في فيفاء ) تلك المراحل التي مر بها التعليم في فيفاء إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في وقتنا الحاضر ، وقد ذكرت بعض الشخصيات التي كان لها جهود كبيرة ملموسة في نشر الدعوة والتعليم في فيفاء ، كما تحدثت عن بعض الأحداث التي كان لها تأثير في نشر التعليم في فيفاء ، ولذا أكون بما ذكرته في الحلقة السابقة ( الثامنة والعشرون ) قد استكملت الكلام عن أبرز الأحداث والشخصيات التي كان لها إسهام وتأثير كبير في نشر الدعوة والتعليم في فيفاء .
وفي هذه الحلقة سوف أحاول استجلاء العبر مما سبق ذكره بقصد شحذ همم الأجيال الحاضرة للعمل الجاد لمواصلة المسيرة وسلوك مسلك الصالحين السابقين من الآباء والأجداد الذين اغتنموا فرص الأعمال الصالحة التي سنحت لهم فخلدوا لهم ذكرا جميلا حسنا في العلم والمعرفة والدعوة والإرشاد ، وخدمة البلاد والعباد مما دفعني لأقول لأجيالنا الحاضرة لا زالت طرق الخير موجودة ، والمسيرة ماضية ، والأعمال الصالحة باقية لمن وفقه الله للعلم والعمل ، بل المتاح للعمل والنجاح فيه في زماننا الحاضر يفوق بكثير عما كان متاحا في الماضي .
وهنا أجد الوقت مناسبا لحث أبنائنا الذين هم في سن الدراسة ، وإعداد شخصياتهم لخوض غمار الحياة بالجد والاجتهاد في طلب العلم والإتقان في العمل ، وألفت نظرهم إلى أن العلم الذي ينبغي للمسلم الاجتهاد في طلبه علمان هما :
أولا ـ العلم الذي يتعلق بالعقيدة والعبادات ، والأحكام الشرعية المتعلقة بالحلال والحرام ، فهذا العلم مصدره الكتاب والسنة ، وهو علم ثابت وراسخ رسوخ الجبال لا يتغير ولا يتبدل بالاختراع والاستحسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فالإيمان بأركانه الستة المعروفة : الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره سيبقى مصدر العلم به هو الكتاب والسنة ، وهو مطلوب من كل عباد الله قديما وحديثا وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، والصلوات التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته وقال عنها : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وكذلك الزكاة ، والصوم ، والحج هي عبادات محددة من الشرع لا يصح الزيادة عليها ولا النقص منها لأن العبادة لا تصح ولا تقبل من العابد إلا إذا توفر فيها شرطان أساسيان هما :
أولا ـ أن تكون العبادة ثابتة بنص شرعي من الكتاب أو السنة لأن الله لا يعبد إلا بما شرع ، ولا يصح ولا يجوز للعبد أن يتعبد الله بغير ما شرع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد .
ثانيا ـ المطلوب من العبد المكلف أن يؤدي العبادة خالصة لوجه الله تعالى خوفا من عقابه ورجاء لثوابه ، لقول الله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ البينة: 5 .
فالعلم الذي تعرف به العقيدة ، ويعرف يه كيف يعبد الله ، ويعرف به الحلال والحرام مصدره الكتاب والسنة ، وهو لا يتغير ولا يتبدل ، ومهمة العبد هو تعلم هذه الأحكام من أجل أدائها على الوجه المطلوب والاجتهاد في حسن أدائها ليصدق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
ثانيا ـ العلوم التي تتعلق بشئون حياة الناس ومعاشهم ومصالحهم ، فهذا العلم يتجدد ويتطور بحسب تطور حياة الناس في الزمان والمكان ، وإبداع الناس في استغلال المكونات التي خلقها الله وسخرها لهم ، وبحسب ما يبذلون من البحث والتفكر فيما خلق الله لهم وابتكار الأدوات التي تطوع تلك الموجودات ، وبحسب ما يعلمون من الوسائل التي ترفع من قدراتهم ، وبقدر جدهم واجتهادهم في السعي المتواصل في مناكب الأرض لابتغاء فضل الله امتثالا لأمر الله لهم في قوله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الجمعة: 10، والناس يتفاضلون ويتفاوتون في عمارة الدنيا بحسب ما لديهم من العلم والفهم ، وبقدر ما يبذلونه من الجد والاجتهاد والإبداع ، وكما يتفاضل عباد الله في الدار الآخرة بحسب حسن العمل الذي استحقوا بموجبه الجنة فإنهم يتفاضلون ويتفاوتون في حظوظهم من الدنيا لذات السبب كما قال الله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الملك: 2 .
إن العلم بشئون الحياة الدنيا يتجدد ويتطور بحسب حال المجتمع من الناس ، وحال الزمان والمكان ، وما يستجد في حياة الناس من مستجدات يخترعها ويصنعها الإنسان ، وكل ذلك من تدبير الله وخلقه كما قال تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات: 96 .
أنظر إلى ما كان من صناعة الإنسان واختراعه قبل فترة ، والذي كان في ذلك الوقت يعد علما متطورا فقد أصبح في زماننا الحاضر لا يساوي شيئا بسبب ما استجد من تطور في الاختراعات والآلات ، وبسبب التطور العلمي الذي شهده العصر الحاضر ، ونضرب لذلك مثالين يقاس عليهما سرعة التطور في العلوم المدنية :
المثل الأول : ما كان يجريه الطبيب الماهر امن العمليات الجراحية قبل عشر سنوات أصبح الآن بدائيا ولا يصلح حتى للحيوانات ، فقد كان الطبيب الذي يجري عملية الزائدة ، أو استخراج أو تكسير حصاة في المثانة أو الحالب أو الكلية يتطلب شق بطن المريض من السرة إلى قفص الصدر ، وكان الطبيب يجري تلك العملية ودم المريض ينزف مما يتطلب تعويضه دما في الحال ، وإذ أراد تضميد الجرح الذي أحدثه في المريض فإنه يحتاج لاستعمال الخيوط الطلبة ، أما الآن فمثل هذه العلميات قد تجرى بالمنظار دون شق ، وإن تطلب الأمر شقا فإن المريض لا ينزف دمه أثناء العملية ، وإذا انتهت العملية فإنها تلزق أطراف العملية لزقا دون حاجة لخياط طبي .
المثل الثاني : كان المهندس الماهر قبل عشر سنوات إذا أراد إعداد خرائط لمبنى معين يستعمل المسطرة والفرجال والتلوين بالمرسمة ، وإجراء نسب المواد بالحساب البدائي بالضرب والجمع والطرح والقسمة ، أما الآن فقد أصبح ذلك عملا بدائيا لا يصلح ، وذلك بسبب التطور العلمي ووجود الآلات المستجدة ومنها الكمبيوتر ، وتلك البرامج التي اخترعت وأعدت لمثل هذه الأعمال ، فيبقى عمل المهندس اختيار الفكرة وإعطاء الأوامر ، وهذا تطور علمي كبير ، ويقاس على ذلك جميع العلوم العصرية التي تطورت تطورا كبيرا وفتحت مجالات كبيرة للإبداع والإتقان .
إذا وافقتني على ما ذكرته في هذه الحلقة من انقسام العلم إلى قسمين علم شرعي لا يغير ولا يبدل ، ولا يتطور مع تطور الإنسان والعصر ، وعلم نظري تجريبي عصري هو قابل للتطور والإبداع فتابع معي الحلقة القادمة لنرى دورنا مع الأمم في التطور في هذه الحياة .
ذو الحجة 1431 هـ

بواسطة : faifaonline.net
 3  0  987
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:01 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.