• ×

11:39 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

إلى أين يسير بعض الثوار بالأمة ؟!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.. أما بعد:
في الفتن الهوجاء تُسفه آراء العلماء ، ويُحيّد العقلاء ، ويحار الحليم ، ويعجز العقلاء عن توجيه السفهاء والأحداث ، فينفلت الزمام ، وتضطرب الأحوال...
وفي الفتن يُضلَّلُ الناسُ ، ويُخدع الدهماء ، وتحاك المؤامرات ، وتتسلل عيون (جواسيس) الأعداء ، وتندس بين الصفوف ؛ لتثير الأضغان والأحقاد ، وتؤجج المشاعر، و تبث الأراجيف والأوهام...
هذا إن لم يكن جواسيس الأعداء وعملاؤهم هم - في الأصل - من خطط للفتنة وأشعل فتيلهم ، وهم من يديرها ويوجهوا الواقعين فيها..
وفي كثير من القضايا والأمور تتشابك الخيوط ، وتتداخل الألوان في بعضها ، وتتقاطع المصالح والرغبات والأطماع ، حتى يصبح الأمر مشتبهاً ، والحالة محيّرة ، والوضع مقلق ، والمستقبل غامض ، والله وحده العالم المطلع على مكنون القدر في قادم الأيام...
وما يحدث لأمتنا العربية في هذه الأيام من ثورات تتوالى ، بل تتفجَّر بين لحظة وأخرى هنا وهناك لهو أمر جديد ، بل نازلة من نوازل العصر ، تحتاج إلى توجيه وترشيد ، وتصويب وتسديد ، بل ربما - في بعض الحالات والأوضاع - وأدٍ ، ومنعٌ واحتواء ؛ لأن مصالح الأمم والشعوب لا تترك للأدعياء وأهل الشعارات ولو كانت تلك الشعارات برّاقة جذابة ؛ لأنه كم من كلمة حق أريد بها باطلاً ؟!! ، وكم من مفسد ادعى الإصلاح ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ0 أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) ، وكم من مسيء وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ؟!! { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } هذا حال من وقع في السوء والفساد وهو مخدوع مغرر به!! ، فكيف بمن هو عالم عامد مصرٌّ على الإساءة والإفساد ؟!!..
فهل يليق بالعلماء والعقلاء وأهل الحل والعقد أن يغضّوا الطرف عن هؤلاء ؟ ، أو يلتزموا السكوت والحياد في هذا الوقت الحساس!! الذي اشتعلت فيه الأوضاع في أكثر من قطر عربي؟!! .
إنه لا أحد ينكر أن الظلم والكبت والاستبداد ، والفساد الإداري والمالي من الأسباب الرئيسة التي قادت إلى تفجر بعض الثورات العربية كما حدث في تونس ومصر وليبيا ، وما يحدث الآن في سوريا.. ولكن : ينبغي أن نعي وندرك أن بعض العملاء والخونة ، وأصحاب الأطماع والأهواء قد ركبوا موجة الثورة ، وجعلوها وسيلة لتحقيق أطماعهم وأغراضهم التي لا تخدم مبدءاً ولا ديناً ، و لا وطناً أو مواطناً..
نعم لقد رأينا عملاء الفرس ماذا فعلوا في البحرين باسم الثورة!! زعموا ، كما رأينا دولة المجوس كيف ترغي وتزبد دفاعاً عن عملائها الخونة !! ، وكيف تتوعد بدعم ونصر من ينفذون مخططها الإجرامي الفارسي في البلدان العربية!! .. فهل بقي عربي حر شريف يجهل حقيقة المؤامرة التي تحاك ضد دول الخليج العربي باسم الثورة ؟!! أو بأي مسمى آخر ؟!!.
كما رأينا الثورة التي تأججت في اليمن ، وكيف أنها ثورة عارمة بلا أهداف محددة أو رؤية واضحة.. وإنما هدفها كما يقال: إسقاط النظام!! وليكن بعد ذلك ما يكن.
ورغم أن الرئيس علي عبد الله صالح رجل وطني بكل ما للكلمة من معنى ، ورغم أنه قدّم المبادرة تلو المبادرة لإنهاء الاحتجاجات والاعتصامات ولكن دون جدوى ، ورغم أنه شكَّل لجنة من هيئة كبار العلماء وطلب منهم أن يستمعوا إلى دعاوى المناوئين والمحتجين ، ثم يصدروا حكماً شرعياً فيما بين الحكومة والمعارضة، كما أنه قد أعلن قبل أكثر من سنة ونصف أنه لن يترشح للرئاسة ، وأعلن مع بداية الثورات العربية أنه لن يورّث الحكم لأحد من أقاربه.. بل أعلن بصريح العبارة: أنه قد سئم السلطة وتبعاتها!!.. رغم كل ذلك فلم يجد أيّ ردٍّ سوى كلمة واحدة هي: ارحل!!.. ارحل!! ، و لا يخفى خطورة الوضع في اليمن لو تنحى فجأة دون أن توجد حكومة تدير شؤون البلاد وتحافظ على وحدتها.. ثم إلى أين يرحل؟!!.
إن إهانة الحاكم المسلم أمر لا يجوز شرعاً ، ولا عقلاً ، ولا مروءة ؛ لما جعل الله تعالى له من واجب السمع والطاعة ، ولما قررت الشريعة من واجب العدل والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وعدم غمط الناس حقوقهم..
فكيف إذا كان الحاكم يدعو إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة بفهم علماء الأمة ، والخارجون عليه لا يجيبون ولا يستجيبون؟!! .
هل بعد هذا يقال: إن أولئك الثوار يطالبون بحقوق مهضومة ، ومطالب مشروعة ؟!! ثم ماذا يمكن أن يقدم مثل هؤلاء للأمة إذا تمكنوا من السلطة ؟!!.
إن محاربة الفساد ، وتصحيح الأوضاع ، يجب أن يكون بوسائل مشروعة ، وأساليب منضبطة.. كما ينبغي أن يكون كل ذلك وفق سياسة شرعية ، وخطة تراعي القواعد الشرعية المعتبرة ، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، و لا ضرر و لا ضرار ، والضرر يزال ، وإنكار المنكر محكوم بأن لا يؤدي إلى منكر أكبر منه أو يساويه..
إن الإعلام القوي والمؤثر في تحريك الثورات وتوجيهها اليوم هو في غالبه مع الأسف - إعلام لا يدرك مقاصد الشريعة وقواعدها التي يجب مراعاتها في عملية الإصلاح وإنكار المنكرات بجميع أشكالها وأنواعها.. أو أنه يتعمد تجاهلها.
ثم إن مما يجب التمسك به ، والتنبيه عليه من جميع العقلاء والحكماء ، والعلماء وغيرهم أن الظلم لا يزال بظلم ، وأن الظلم حرام أن يمارس ضد أحد كائناً من كان ، حتى لو كان ظالماً ، أو فاسقاً ، بل ولو كان كافراً.. وإنما العدل العدل ، والإنصاف الإنصاف كما قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) وقال جلَّ شأنه: ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).
ورأس العدل وأساسه التحاكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فمن تبتت إدانته أخذ جزاءه العادل دون حيف أو جور ، و المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ومن ثبتت براءته فلا تثريب عليه ولا لوم ، ولا تشهير ولا تشويه له ولسمعته.. وفوق هذا كله فإن العفو من شيم الكرام ، والتسامح والتراحم يجب أن يغلب في حلّ المشكلات ؛ لأن الهدف المنشود هو الإصلاح والتغيير إلى الأفضل وليس الثأر والانتقام ، فمن خلصت نيته ، وصلُحت سريرته راقب الله في كل شؤونه ، ومن يركب الموجة ، ويصطاد في الماء العكر ، ويبحث عن مصالح ذاتية وشخصية دون خوف من الله أو رحمة بخلقه ، فهو من المفسدين سواءً كان من المؤدين للثورة أو المتوجسين منها ، ومن نتائجها وآثارها.
والله من وراء القصد ، وهو سبحانه المولى ، وإليه المشتكى ، وعليه التكلان.
الخميس 19/ 4/ 1432هـ

 13  0  1082
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:39 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.