• ×

04:52 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

حكاية مَدْرَسَة!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
-1-
ترحَّل أبي، الشيخ أحمد بن علي بن سالم آل حالية الخُسافي الفَيفي، (1337- 1432هـ)- رحمه الله- للتَّعَلُّم في تهامة، فتلقّى العِلْم في مدينة بَيْش، وكانت تسمَّى: (أُمّ الخَشَب)، على يد الشيخ عبدالله القرعاوي. وكذا تلقّى العِلْم على يد تلميذ القرعاوي: الشيخ حافظ بن أحمد الحَكَمي، رحمهما الله.
ثُمَّ اتّجه إلى تأسيس التعليم شِبه النظاميّ في جبال فَيفاء، وذلك من خلال تأسيسه مَدْرَسَة الخَشْعَة، وهي: بُقعة معروفة في جبل آل أبي الحَكَم، في فَيفاء، اشتهرت قديمًا بمَدْرَسَتِها تلك، التي خرّجت طليعة الجيل الأوّل من المتعلّمين والمعلّمين في فَيفاء. وتُعَدّ تلك المَدْرَسَة، كذلك، أوّل مَدْرَسَةٍ في فَيفاء تفتح باب تعليم البنات. أسّسها سنة 1373/ 1374هـ. أي قبل قيام المدارس النظاميّة للبنات في المملكة العربيّة السعوديّة بسنوات.
وبذا يُعدّ الرجل من روّاد التعليم قبل التعليم النظّامي في المنطقة، بل في المملكة. وهو أوّل من احتال لفتح المجال لتعليم المرأة هناك، في وقتٍ كان ذلك من المستحيلات. وكانت لتعليم البنات في تلك المَدْرَسَة قِصّة طريفة، سيأتي ذكرها.
ويمكن القول إنه لو لم يكن والدي قد صاهر مشيَختَي القبيلتين، آل المَشْنِيَة وآل أبي الحَكَم، ومن ثَمَّ أصبحتْ له دالّة لدى الشيخَين، ما تسنّى له تأسيس المَدْرَسَة. وفي الحكاية دلالة على أوضاع الناس يومئذٍ، ووعيهم بأهميّة التعليم، وتقبّل فكرة تعليم المرأة، تحديدًا. وإليك بعض التفاصيل:
كان قد أقام المَدْرَسَةَ في مكان يسمّونه (الوِشْر)، معروف في جبل آل المَشْنِيَة، ولكن- بمبادرة من الشيخ محمّد بن أحمد الحَكَمي، رحمه الله، شيخ الحَكَميّين- تمّتْ تهيئة مكان آخر راقَ للمعلّم أحمد بن علي أكثر، وذلك في مكان يسمّى (النَّقِيْل)، في بقعة الخَشْعَة، من جبل الحَكَميّين، فأزمع الانتقال إليه. غير أن الانتقال بـ"المِعْلامَة" (وهي كلمة تعني: الطَّلَبة) بين قبيلتين متناطحتين كان مخاطرة، بل كان انتقال الطالب لوحده، أو غير الطالب، أمرًا محفوفًا بالخَطَر، ناهيك عن التقاء الطلاّب من القبيلتين في مَدْرَسَة واحدة؛ فبَين قبيلتيهما إذ ذاك ما صنع الحدّاد للقبائل لتصفية الأيّامٍ والثارات، وإنْ كانوا جميعًا إخوةً في الأصل وأبناء عَم. ذلك أن الآباء يورّثون تلك الحِنَات أبناءهم ويلقّنونهم إيّاها. بل لم يكن الأبناء- ممّن يتعلّمون يومئذٍ- بأطفال، أو صغار السنّ، بل هم فتيان أو شبّان.
جازف المعلّم باصطحاب طلاّب مَدْرَسَته ذات ضُحَى- كما يحكي- على مرأى ومسمع من الناس أجمعين من القبيلتين، رجالاً ونساءً، مطلّين من بيوتهم أو مزارعهم على تلك المسيرة الصاخبة بالأناشيد، منطلقةً من (الوِشْر) إلى (النَّقِيْل)، لتحطّ رحالها في موقع المَدْرَسَة الجديد.
ومن ثَمَّ كان عليه أن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار! أي بين المشنويّين والحَكَميّين، باللِّين تارة والحزم تارة أخرى؛ فكان مثلاً يَعْمُد إلى ترتيب الطلاّب في المَدْرَسَة على نحو خاص: جاعلاً طالبًا من هذه القبيلة إلى جوار طالبٍ من القبيلة الأخرى. ومن خلال منهجيّته التربويّة السلوكيّة، ودمج أبناء القبيلتين في المدرسة، جعلت العداواتُ تتحوّل إلى صداقات، على الرغم من الحزازات التي كان يورّثها الكبار للصغار، حتى ألِفُوا بعضهم واستتبّت له الأمور. إلاّ أن المشكل ظلّ يكمن في الكبار، لا في الصغار، أي في الآباء لا في الأبناء، ولكن الله أعانه على "قنافرهم"! وقد ضَمَّت المَدْرَسَة بعد تأسيسها واشتهارها طلبة آخرين من قبائل أخرى.

-2-
ثم جاء دور تعليم المرأة، وتعليم المرأة أدهى وأَمَر! لكن العلاقة المشار إليها بشيخَي القبيلتين قد سهّلتْ الأمور. ويحكي الوالد حكاية ذلك قائلاً:
"كانت لي بنتٌ تُقيم عند أخوالها من (آل المَشْنِيَة)، وكنتُ ما أزال أفكّر في تعليمها القرآن، وما الوسيلة التي أصل بها إلى ذلك الهدف؟ ورأيتُ أن تعليمها لوحدها من الصعب عليّ وعليها. وكان للشيخ جابر بن سالم المَشْنَوِي، شيخ قبيلة آل المَشْنِيَة، رحمه الله، بنت (هي خالة ابنتي)، فأخذتُ أشجّع إخوتها أن يعلّموها (جزء عَمَّ)، كما أن للشيخ محمّد بن أحمد الحَكَمي، شيخ قبيلة آل أبي الحَكَم، رحمه الله، بنتًا أيضًا في سِنّ بنت الشيخ جابر، فأخذتُ أشجّع أولاد الشيخ محمّد ليعلّموا أختهم (جزء عَمَّ)، كذلك. ولمّا عَمِلوا ذلك، صِرْتُ أُرَغِّب كُلاًّ من الشيخ جابر بن سالم والشيخ محمّد بن أحمد في فتح مَدْرَسَةٍ للبنات. فاستغربوا بادئ الأمر، فجعلتُ أقول للشيخ جابر بن سالم: "إذا استطاعت ابنتك أن تتفوّق على طالبات المَدْرَسَة، فسنحاول الشيخ عبدالله القرعاوي ليعيّنها موظّفةً مساعدةً براتبٍ شهريّ، أو حتى معلِّمة، بعد حين، إنْ أثبتت جدارتها، ويكون لكم ذلك أفضل من خِدمتها في شؤون البيت، وفيه مردود ماليّ!" وكان بالناس إذ ذاك حاجةٌ ماسّةٌ للمال، بطبيعة الحال. فكان يُحيلني عَمِّي الشيخ جابر إلى شيخ الحَكَميّين، قائلاً: "إنْ وافق الشيخ محمّد، سأوافق!" كأنه يكاد يجزم بأن ذلك لن يتمّ أصلاً! فأنتقلُ إلى الشيخ محمّد بن أحمد، شيخ آل أبي الحَكَم، فأحوم حوله بالإغراءات نفسها. حتى وافق الشيخان أخيرًا على ذهاب ابنتيهما إلى المَدْرَسَة، ولكن شريطة أن تدرس ابنتي معهما. وبذلك- كما قال- حَصَل كلّ ما كنتُ أسعى إليه، وسلِمنا من كلام الناس، حيث إن بِنْتَي الشيخين ستذهبان إلى المَدْرَسَة مع ابنتي؛ فمَن سوف يجرؤ بعدئذٍ على الكلام؟!" ولكن ماذا عن بقيّة الناس؟ وماذا عن بناتهم؟
لقد كان تعليم المرأة فيهم أمرًا غير مقبولٍ على الإطلاق، أو قُل: كان- بالأحرى- لا معنى له. أمّا وقد صارتْ بنتا شيخَي القبيلتين، وبنتُ المعلّم نفسه، يَغْدُوْنَ إلى المَدْرَسَة ويَرُحْنَ، فقد انقطعتْ ألسنة القيل والقال التي كانت تُخشى معرّتها، وقامت القُدوة أمام الرعيّة. حينها أقبل الناس، زرافات ووحدانًا، يسجّلون بناتهم في مَدْرَسَة الخَشْعَة، من حَكَمِيّين ومَشْنَوِيّين، وهو ما لم يكن من قبل متخيّلاً حدوثه، لا طَوْعًا ولا كَرْهًا.. ليس هذا فحسب، بل ما لبث بعض الناس أن سَجَّلوا أيضًا زوجاتهم في المَدْرَسَة!
سُجِّلَتْ في الدفعة الأولى من الطالبات: خمس وأربعون طالبة. وأصبح الشيخ المعلِّم يدير قسمين من المَدْرَسَة منفصلين للبنين والبنات. وكان تعليم الكبيرات من الطالبات يجري تسميعًا من وراء حجاب.. ويقوم الأخ المتقدِّم في التعليم على تعليم أخواته، والزوج زوجته، وهكذا.. حتى أصبح من الطالبات أنفسهن- بعد حين- معلِّمات يَقُمْنَ بذلك الدَّوْر. واستمرّت مَدْرَسَة البنات تلك منذ بداية عام 1374هـ إلى آخر عام 1377هـ. فخَتَم معظم الطالبات خلال تلك السنوات القرآن، وحفظنَ مبادئ التجويد، والأربعين حديثًا، التي كانت تسمَّى "الأربعين النوويّة"، إضافةً إلى مبادئ الفقه والتوحيد، ونحو تلك من مواد التعليم المتاحة. غير أن مدارس القرعاوي- التي كانت مَدْرَسَة الخَشْعَة إحداها- توقّفت بقيام التعليم النظاميّ في البلاد.
يُروَى أنه كان لوفد تلك المَدْرَسَة إلى الإمارة في الجبل الأعلى، إبّان زيارة الشيخ القرعاوي التفقّدية إلى المنطقة، يومٌ مشهود، وذكرى لم ينسها طلبة ذلك الجيل ومعلِّمهم، وكذلك كانت زيارة الشيخ القرعاوي- مع شيخ الشمل وأعيان المنطقة- لموقع المَدْرَسَة في الخَشْعَة.
وقد خرّجتْ مَدْرَسَةُ الخَشْعَة عددًا من المتعلِّمين والمتعلِّمات في فَيفاء، يمثّلون الرعيل الأول من متعلِّمي العصر الحديث في فَيفاء. وعَمِل بعضهم (وبعضهنّ) في التعليم، في المَدْرَسَة نفسها وفي غيرها.
تلك حكاية أوّل مَدْرَسَة شِبه نظاميّة لتعليم البنات والبنين في جبال فَيفاء.
ثُمَّ- بعدما أشير إليه من توقّف مدارس القرعاوي- عَمِلَ أبي في محكمة فَيفاء على وظيفة (كاتب)، حتى بلغ التقاعد. إلى جانب عمله مقدِّرَ شِجاج، في منطقة فَيفاء وما جاورها، يجوب البلاد منتدَبًا من المحكمة أو من الإمارة لتقدير الجنايات والشجاجات، أو للتقرير عمّا يقع من حوادث قتلٍ وخصومات وما شابه ذلك، والسعي للإصلاح بين الناس.
ومن الطريف أنه لمّا افتُتحت أوّل مَدْرَسَة تابعة لرئاسة تعليم البنات في فَيفاء لم يطمئنّ الأهالي إلى أن يسجّلوا بناتهم أيضًا إلاّ حينما عَلِموا أن المَدْرَسَة ستكون إلى جوار بيت أحمد بن علي، حيث لا يخشون على بناتهم ما يخشون، أو ما يتوجّسون، فكان أن استأجرتْ منه الرئاسةُ مبنًى، كان ابتناه سَكَنًا لنا، ليُصبح مَدْرَسَةَ بنات، ولتكون تلك مَدْرَسَةَ الجيل الثاني من الطالبات والمعلِّمات في فَيفاء، بعد مَدْرَسَة الخَشْعَة.
.. رحمك الله، يا أبي، رحمةً واسعةً، وأسكنك فسيح جنّاته، على ما قَدَّمْتَ لدينك وأهلك ووطنك.

-3-
ولئن كان حال التعليم مزدهرًا في أبرز المراكز الحضريّة والمدن الرئيسة في مقاطعة جازان خلال القرون الأخيرة، فإن التعليم لم يكن قليل الانتشار في القُرى والبلدات، وإنْ كان أقلّ نشاطًا فيها منه في الحواضر. بل لقد اشتهر من تلك المواطن النائية، في بعض الفترات التاريخيّة، العلماء والقُضاة. فمن تلك القُرى والبلدات التي عُرف فيها التعليم والفقهاء: جبال فَيفاء. ومن الفقهاء والمعلِّمين الفَيفيّين خلال (القرن14هـ): الفقيه علي بن حسين آل مُدْهِش، والشيخ حسن بن يحيى آل سَنْحان، وأخوه أحمد، والقاضي حسن بن جبران آل سَنْحان(-1364هـ)، وأخوه محمّد، والفقيه قاسم بن أسعد آل سَنْحان، والفقيه حسن بن يحيى المُثِيْبِي (راعي حمزة، و"حمزة" اسم بيته)، وكانت له مدرسة. والفقيه أحمد بن علي المُثِيْبِي، والفقيه جبران بن ساري بن آل عَطْنَة المُثِيْبِي، والفقيه يحيى بن جابر المُثِيْبِي، والفقيه حسن بن حسين الداثري، والفقيه جبران بن أحمد الخُسافي، وأخوه يحيى، وكانت له معرفة بالطِّبّ العربي. والفقيه يحيى بن أحمد الخُسافي، والفقيه علي بن مسعود آل زايد الخُسافي، والعلاّمة السيّد يحيى بن علي الشريفي، والفقيه فَرَح الشريفي، وكان مدرِّسًا بمدرسة قبيلة الأشراف. والقاضي أحمد بن أسعد الأبياتي (-1352هـ)، والفقيه أحمد بن علي آل خَفْشَة الأبياتي، وابنه حسن، وكانت له معرفة بالطبّ العربي، وابنه الآخر موسى، وكان وأخوه يدرّسان في مدرسةٍ لقبيلتَي الأبيات وآل عُمَر، ومقرُّها مكان يسمّى: شِيْحَة. والقارئ- والشاعر الشعبي المعروف إذْ ذاك- فرح بن أسعد الأبياتي، وكانت له معرفة بالطبّ العربي. والفقيه محمّد بن أحمد العُمَري، وأخوه علي، وكانت له معرفة بالطبّ العربي. والقاضي حسين بن شريف العَبْدِلِي (-1365هـ)، وكان يُدرّس في مدرسة قبيلة آل عَبْدِل، ومقرّها مكان يسمّى: العِلاج. والفقيه حسن بن أحمد العَبْدِلِي، وكان يدرّس في مدرسة آل عَبْدِل، ومقرّها: الغَمْر. والفقيه محمّد بن سالم آل جرادة العَبْدِلِي، والفقيه جبران بن حسن المَشْنَوِي، وأخوه مسعود، والفقيه سليمان بن سلمان المَشْنَوِي، والفقيه زاهر بن حسن المَشْنَوِي، وكانت له معرفة بالطبّ العربي. والفقيه سلمان بن حسن المَشْنَوِي، وكان وسابقه يعلّمان بمدرسة آل أبي الحَكَم وآل المَشْنِيَة، ومقرّها: الوِشْر. والفقيه جبران بن أسعد المَدَرِي، وكان يدرّس في مدرسة أهل مَدَر، ومقرّها: البَديعة. والفقيه مسعود بن ماطر الشراحيلي، وكانت له معرفة بالطبّ العربي، كما كان يدرّس بمدرسة الدَّفْرَة. والفقيه سالم بن شريف الشراحيلي، وكان يدرّس بمدرسة قبيلة آل شراحيل. هذا إضافة إلى بعض المعلِّمين من آل مشكاع الوافدين من اليَمن، الذين عَمِل بعضهم في عددٍ من المدارس (الكتاتيب)، كمدرسة الدَّرْب، لقبيلتَي آل الداثر وآل مَخْشَم، ومدرسة آل ظُلْمَة، ومقرّها: نيد المجزرة. وفي عام 1363هـ أسَّس الشيخ عبدالله القرعاوي مدرسةً علميّة في فَيفاء، برعاية الأمير خالد بن ناهض، وشيخ الشمل علي بن يحيى. ثُمَّ جاء تلميذ القرعاوي: الوالد الشيخ أحمد، فأسّس "معهد الخَشْعَة"، للبنين والبنات، سنة 1373هـ، وقد تقدّمت حكاية تأسيسه تلك المَدْرَسة.


31/ 3/ 2011
p.alfaify@yahoo.com
http://khayma.com/faify

 6  0  1172
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:52 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.