• ×

04:06 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

وداعاً يا صديقي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
[[وداعاً ياصديقي]]

لقد علمتني الحياة بأن ابتسم في وجوه الفتن والمصائب ابتسامة ترى في الله عوضاً عن كل فائت وفي لقائه سلوى لكل مفقود وإحساسنا بأن زمام العالم كله بمن فيه وما فيه لن تفلت من يد الله والموت قادم واللقاء قريب ،،،

أي يوميّ من الموتِ أفرّ؟ يوم لا يُقدر؟ أو يوم قُدر؟

يوم لا يُقدر لا أحذرهُ ومن المقدورِ لا ينجو الحذر!!

عرفته شاباً طموحاً لم يثنيه الفقر والحاجة التي عرفتها في سيماه عن تحقيق أحلامه بل كان رجلاً من صغره يكره سؤال الناس مع ما تعانيه أسرته من الحاجة وكان يعيب على والده إذا سأل الناس مالاً أو غيره كان يحمل بين جنبيه عزةُ نفسٍ في تواضع وشموخٌ قي بساطة ، جاهد نفسه وبيئته لإكمال دراسته الثانوية كان أنموذجاً للشاب الطموح رغم ضيق العيش لكنه أبى إلا أن يكمل وكان كثيراً ما يزورني ليسألني هل يكمل أم يبحث له عن عمل ليساعد والدته التي كان يقول لقد أوصاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بها ثلاث مرات !! وكنت اجيبه قائلاً: آه ياأبويحي لقد فاتني ركب التعليم من صغري ولو أن الزمن عاد بي قليلاً إلى الوراء لكان أول قرارٍ أتخذه هو إكمال تعليمي فأرجوك لا تتركها وكنت دائماً أشحذ همته وانفخُ في روحه بالتفائل والقوة ، وفعلاً استطاع إكمال دراسته وحصل على الشهادة الثانوية ثم قرر أن يلتحق بالسلك العسكري لكي يساعد والدته التي كانت أقرب إليه من والده المشغول بنفسه أصلحه الله ، كان كثيراً ما يردد: كم أتمنى يا أبا علي أن اشتري لوالدتي منزل قبل أن أموت وأن أمتلك جيب (حبة وربع) كانت هذه كل أحلامه ،،

وبدأت رحلة العمل وتم قبوله في عام 1431 في الأمن العام وبدأ يفكر كيف يحصل على حلمه الثاني وهو إمتلاك السيارة فقرر أن يقترض من البنك ويشتري الجيب وفعلاً نجحت خطته وتمكن من ركوبه بل وقيادته وامتلاكه وبعد أربعة أشهر تقريباً عُرض عليه منزل بالأقساط الشهرية وكان لا بد من تقديم مبلغ للحصول عليه وتكلم مع والدته فإذا بها تُظهر رغبتها الشديدة في الحصول عليه ومباشرة أتاني وقال لي: لقد ذهبت لأبيع الجيب فأبخسوني حقي فيه فماذا عساي أن أفعل أريد تلبية رغبة أمي ؟ فقلت له قم ببيعه وسأكلم صاحب البيت يأخذ جزأ والباقي تشتري به سيارة وتكون قد ملكت بيت وسيارة بإذن الله عز وجل ، وانطلق إلى الصالات وقام ببيعه وأتاني واشترى البيت ودفع دفعة مقدمة والباقي اقساط شهرية وكتبنا العقد وشهد الشهود وتمت البيعة بتوفيق الله وانطلق ليخبر حبيبة قلبه ومهجة نفسه ولما وصل إليها قبّل رأسها ويدها وقال ابشري أيتها الأميرة فقد أصبحتي تملكين هذا البيت الذي طالما حلمتي به وضمته والدموع تسابق العبرات وهي لا تعلم بأن هذا اللقاء سيكون آخر لقاء يجمعهم في هذه الدنيا كان على موعدٍ مع ملك الموت فخرج وهو يرقص فرحاً لأنه أدخل السرور على قلب والدته رغم صغر سنة إلا أنه كان رجلاً أحلامه أحلام الرجال ، كان ذلك اليوم إن لم تخني الذاكرة يوم الإثنين قبل إحتفال أهالي فيفاء بعودة خادم الحرمين الشريفين بثلاثة أيام وقال لي أكملوا لي أوراق البيت وجهزوها سوف أذهب لكي أحصل على إجازة من عملي وآتيكم لحضور الحفل ولم يكن يعلم بأنه سيأخذ إجازة ولكن ليس كأي إجازة وإنما إجازة من حياته فلا حول ولا قوة إلا بالله ذهب ووقّع وفي صباح يوم الأربعاء نزل من أبها يسابق الريح ليلقى ملك الموت ينتظره في الدرب ليقبض تلك الروح ويسلمها إلى باريها وكانت قاصمة الظهر عندما طرقوا بابي بعض الرجال قبل صلاة العصر ليقول لي أحدهم والدموع من عينية : خبرٌ لا يسرك يا أباعلي ! فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا هناك؟

فقال: مات سليمان !!! ماذا تقول ليلة البارحة حادثني وقال لي هل الأوراق جاهزة فقلت له نعم فقال سأكون معك العصر إن شاء الله فربما أنك أخطأت ؟ فقال : لا ورب البيت بل أخذ الله وداعته والمصيبة الآن من الذي سيخبر والدته قبل أن يصلها الخبر من مجنون يفقدها عقلها ؟!!!

وبعد طول الحديث ونحنُ كأننا في حُلم إذا بالأنظار تتوجه نحوي فقلت ماذا بكم؟ قالوا أنت ؟ أنا !!

نعم أنت من سيخبرها؟! فقلت : لن أفعل لن أفعل

ولكم أن تتصوروا خطواتي كيف حسبتها وأنا أتوجه إلى ذلك الجبل أقصد تلك المرأة وأنا لا أدري من أين أبدأ وما الذي سأقوله ، ناديتها من خلف الباب فأجابت فقلت لها والكل يسمع ويراقب: إن الجبال لاتزحزحها الرياح والقلوب المؤمنة تبقى مطمأنة مهما لفحتها المحن واجتاحتها الآلام وقد عرفتكِ إمرأة صابرة محتسبة ،، وإذا بالباب يفتح وهي تقف أمامي فقلت لها لقد حدث حادث على سليمان وزملاءه في الدرب ولا ندري أهم أحياء أم موتى ؟! واعتقد أن أمرهم خطير وأنا أريدك أن تتقبلي الخبر بصدرٍ رحب لقبول قضاء الله وقدره كوني صابرة ولما رأيتها هادئة لاتتكلم قلت: وأظن سليمان قد توفاه الله والحمد لله على كل حال وإنا لله وإنا إليه راجعون!! وكأني بها وهي تنظر للسماء والأرض والجبال ولا ترى إلا صورته وحديثه وبسمته أمام عينيها فطأطأت رأسها إلى الأرض وحجابها على وجهها وقالت لي في ثبات الجبال وقوة المؤمن: وأين هو الآن؟ فقلت في مستشفى الدرب. فقالت: وهل لي أن آراه؟ فقلت وأنا أُخفي دموعي وأخنق عبرتي:نعم نعم، فقالت : هل مات فعلاً أم لازال فيه نفس؟ فقلت بل انقضى أجله وغابت شمسه وطوي كتابه وانتقل إلى ارحم الراحمين وشتان بين جواره وجوارنا يا أم سليمان وعليكِ بالدعاء له فلو كان البكاء يعيده لبكينا الليل والنهار وتذكري بأن خير البشر قد مات ، فقالت: الحمد لله إذهبوا إليه واغسلوه وصلّوا عليه وادفنوه وكأني بها وهي تقول بلسان الحال وقبّله في جبينه قبلة وداع وأخبره بأنني أحبه وراضيةٌ عنه..

رحمك الله ياسليمان لطالما أضحكتنا ولطالما أسعدتنا ولقد كنت نعم الشخصية للشاب الرجل الذي لم تلهيه المخدرات ولا اللحاق بعورات المؤمنين ومتابعة النساء عن تحقيق أحلامك أحلام الرجال وليت الشباب يفعلون فعلك في محافظتك على صلاتك وبرك بأمك رحمك الله وغفر لك وأدخلك الجنة ورضي عنك والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد وآله وصحبه والتابعين وعنّا معهم بكرمك وجودك يارحيم ياكريم..

 13  0  1409
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:06 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.