• ×

06:44 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

(ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تمر بالإنسان أزمة، أو ضائقة لم يكن قد استعد لها الاستعداد اللازم، تجده يندم على تفريطه، ويخاطب نفسه ويعاهدها، على انه إذا خرج منها سليما معافا، وأتيحت له الفرصة فسيعوض ذلك، ويستعد الاستعداد الجيد، ويتلافى أي قصور كان سببا لما يعيش فيه الآن ، ولكن ما إن تمر هذه الأزمة وظروفها، إلا ونسي كل ما قال وكل ما كان فيه، وعاد إلى سابق عهده من التكاسل والتسويف والإهمال، ولا يذكرها ألا إذا عاد إليها مرة أخرى، وهذا طبع أصيل في الإنسان (الندم والعزم على التغيير ثم التأجيل والتسويف ثم النسيان) .
فالطالب المهمل في أيام الاختبارات يندم على وقته الذي ضيعه، وعلى انه لم يستغله في الاستذكار والمراجعة، ويعاهد نفسه بأنه لن يكرر ذلك لو تتاح له الفرصة مرة أخرى، ولجد واجتهد من بداية العام أو الفصل،وسيعمل ويعمل ولن يفرط أبدا ، فتمضي تلك الاختبارات بما فيها، وتعود الدراسة من جديد، ويعود إلى طبعه من الكسل والإهمال وعدم الحزم اللازم، وينسى كل تلك العهود والوعود ،وعاد إلى سالف عهده من اللعب والإهمال والتسويف، ولا يذكر الأمر إلا عند عودة الاختبارات مرة أخرى، فيجدد عهوده ووعوده من جديد، وكذلك المسلم المقصر، عندما تمر به فرصة يضاعف فيها الأجر والثواب، كرمضان مثلا، يمضي به الشهر وهو في لهو ولعب وسهر في غير ما لا فائدة منه، فما أن يرحل إلا وندم وتحسف على تقصيره في استغلال ذلك الشهر بما ينفعه، ويعاهد نفسه بأنه في رمضان القادم لن يكرر ذلك ، بل سيكون من بدايته حريص على استغلال كل أيامه ولياليه وثوانيه، مابين قراءة للقران وتنفل، وصلاة التراويح والقيام، وسيعمل ويعمل ولن يضيعه في السهر غير المفيد واللعب، ولكن ما إن يهل رمضان ثانية إلا وتبدد من بين يديه كسابقه في سهر ولعب، ولا يذكر ما قال إلا مع نهايته ويوعد نفسه من جديد، وهكذا تمر الحياة ويمضى العمر، ورمضان يتبع رمضان، والفرصة تلحق الفرصة، وهو يسوف ويؤجل، ويعقد عزمه على شيء مستقبلي ما إن يصل إليه ألا ونسي، ونكص بذلك العزم، لا يحس إلا وحياته انتهت ودنى الموت واقترب، وجاءت ساعة المغادرة، فيندم حينها اشد الندم، ولآت ساعة مندم، فماذا يفيد الندم .
الله سبحانه وتعالى وهو اعلم بطبع الإنسان وخصائصه ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )كشف لنا عن ذلك وأوضحه اشد الإيضاح، ليكون الإنسان حازما مع نفسه لا يتركها مع التسويف والإهمال، بل يلزمها بما يصلحها، ويأطرها على الحق أطرا، إن الإنسان يسوف ويهمل ويؤجل الأعمال، وما إن تحين ساعة المغادرة ويدنو الأجل إلا ويتبدى قصوره أمامه، وتظهر الحقائق أمام ناظريه، فينظر خلفه فيرى إهماله وتسويفه، فيندم ويشتد ندمه، ويتمنى أن يؤجل الأمر ليرجع ويعوض، فيطلب ذلك ويلح فيه، فتاتيه الإجابة الحازمة (كلا) وما أشدها من كلمة زاجرة مانعة، تنزل عليه كالصاعقة تحرق كل أحلامه وأمانيه، وتزيده حسرة على حسراته، تمعن معي في قوله تعالى ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) وكلما أوغل الإنسان في الحياة الآخرة، تبدت له الأمور اشد وضوحا وزال عنه كل لبس، قال تعالى ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) فيزداد الندم ويشتد وقعه عليه، ويتحسف على ما فرط والحسرة تعقب الحسرة، ما العمل؟ وكيف التصرف؟ ماذا يقول؟ وما عساه أن يفعل! وقد ألجم الحجة،فالقصور كان من قبله ، فقد اتيحت له الفرصة كغيره، ولكنه لم يستغلها كما فعلوا، بل كان يراهم جادون يؤدون فروضهم وواجباتهم، وهو جالس متكاسل عن ذلك، بل قد ينظر إليهم باحتقار واستهزاء، فماذا نفعه كل ذلك؟ اسمعه اليوم وهو يقول في حسرة وانكسار وصغار، في هذا الوصف الرباني الواضح ، قال تعالى ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) فهم ناكسوا رؤوسهم ندما وخجلا وحسرة، يتمنون الرجوع إلى الدنيا لتلافي قصورهم وتقصيرهم، فهم موقنون بالوعد والوعيد الذي كانوا يشكون فيه، موقنون بإهمالهم وتفريطهم، ويتكرر منهم ذلك الرجاء مع كل موقف، وما أكثر المواقف الرهيبة في الآخرة قال تعالى ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المومنين / بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون ) فالله سبحانه وهو اعلم بطبائعهم، وقد كرر لهم الفرص في الدنيا، وكلها تمر بهم دون تغير، لطبع التسويف والإهمال والتكذيب لديهم، فلو ردوا مرة أخرى إلى الدنيا لعادوا لنفس سيرتهم الأولى، ونسوا ما شاهدوا وانكروا كل الحقائق وتغافلوها، فالإنسان ابن ساعته يتأثر بالحالة التي هو فيها، إن لم يكن هناك عقل حازم خلفها يلح عليها ويجبرها، وعزيمة صادقة تدفعها إلى العمل الصالح والجد والاجتهاد، قال تعالى ( ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون ) وذلك مشاهد محسوس في كل إنسان، فإذا مرض الإنسان فانه يندم على تفريطه ،ويقول عازما على انه إذا شفي لسعى إلى تعويض كل تقصير وإهمال هو فيه، فإذا ما شفاه الله فلا تمضي فترة إلا ونكص وعاد إلى سالف سيرته أو اشد ، نسي تلك الحالة التي دعته إلى قول ما قال، وكأنه أصبح بمنجاة منها، ولو عاد لنفس الحالة لقال ما قاله الآن وكرر نفس الوعود والعهود، وإذا مرت نسي كل ذلك، وهكذا طبع الإنسان ، فالنسيان طبع أصيل فيه، بل قيل انه ماسمي إنسانا إلا اشتقاقا من هذا الطبع (النسيان)، فالإنسان يتأثر بحاضره وينسى ماضيه ومستقبله، نسمع كثيرا أن المجرم إذا ما قبض عليه بعد أن عاث فساداً وارتكب كل منكر، فأودع السجن بسبب ذلك، ندم وتاب وأناب، وعاهد على أن لا يعود إلى ما فعل إن خرج مما هو فيه، وقد يكون صادقا حينها وهو ينظر إلى حاله من خلال حاضره الذي هو فيه، ولكن ما إن يخرج من السجن إلا ونسي تلك الأزمة ،فبخروجه إلى حياته السابقة، لا يمضي عليه طويل وقت إلا وانمحت من ذاكرته كل الأحداث، ونسي ما قابله في سجنه وغفل عن عهوده ومواثيقه ، وقال لنفسه انه لن يقع مرة أخرى، وسيحترز هذه المرة ويحتاط عن اكتشاف أمره ، فيعود بذلك من جديد لماضيه أو يكون أكثر إجراما، لذلك كانت بعض العقوبات (الحدود) جسدية بارزة ليذكر بها هذا الإنسان جرمه كلما رائها، فيكون ذلك رادعا له،فقطع يد السارق من هذا القبيل، فالنفس متمردة تحتاج إلى الكثير من الشدة والحزم وتكرار التذكير لها، ففي إتباع هواها ورغباتها الهلكة، وفي عصيانها الفوز والنجاة ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى ).
الله سبحانه يبصرنا بالنفس، في أمثلة واضحة جلية، لنتعرف عليها ونتلافى عيوبها وأدوائها، فالبحر ذلك العالم الرهيب المخيف، إذا ركبه الإنسان فهو في خطر،يكتنفه ويحدق به من كل جانب، أمواجه اضطرابه هوامه وحوشه، فالموت قاب قوسين أو أدنى من راكبه، فهو يحيطه ويكتنفه على امتداد ذلك البحر المحيط،، فالخوف يجتاح كيانه، ما من أمل للنجاة إلا من عند الله سبحانه وتعالى، فالراكب في هذا المكان وفي هذه الحالة، يشعر بالضعف وفقدان الحيلة فلا يملك من أمره شيء ،فقد استسلم مرغما ، فلا منجى إلا من عند الله وحده، فيكون اشد قربا من الله سبحانه وتعالى وتعلقا به ، يوصي نفسه بالاستزادة من الإيمان بالله والقرب منه، ويلزمها بالكثير من العهود والوعود، بأنه لو خرج سالما فلن يفرط في العبادة والتوبة، والمحافظة على الإيمان والقرب من الله ، وكلما زاد البحر اضطرابا من حوله، زاد إعلانه وتصميمه على التوبة والإقلاع عن كل ما يغضب الله، ولكن هل يبقى حاله على ذلك ؟ لا والله ما إن يخرج من البحر، وتتمكن قدماه من البر، ويحس بثبات الأرض تحتهما، إلا ونسي كل تلك الأحداث ونسي كل تلك الوعود والعهود، وكأنه لم يعزم على شيء قال تعالى ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآتها ريح عاصف وجآئهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكون من الشاكرين / فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) ويقول تعالى ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله انه كان بكم رحيما / وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون ألا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا /افامنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا / أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا )إن الإنسان يظن انه إذا نجي لن يتكرر معه الأمر مرة أخرى فتراه يغتر بالحياة فكيف ولو استجاب الله لطلب هولاء المجرمون ليعودوا إلى الحياة الدنيا من جديد بعد موتهم فهل سيغيرون سيرتهم، لا والله بل سيعودون لما كانوا عليه ( ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون) .
إن تكرار الفرص والاستئناف لا يكون إلا في الحياة الدنيا فقط ،إن فشل مرة أعاد مرة أخرى، هناك دور ثان وإعادة سنة ثانية وثالثة، وإذا فشل في مجال فأمامه مجالات متعددة، وان فرط في رمضان جاءه رمضان آخر، فمجالات التعويض واردة وميسورة،ولكن إذا غادر الدنيا لا عودة ولا استئناف ولا تأجيل،( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) فالعودة لتلافي القصور والإهمال غير ممكن، وإنما لك ما قدمت وعليك ما أخرت وأهملت، نسال الله الهداية والثبات وان يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وان لا يجعلنا من المهملين المقصرين النادمين ( يا أيها الذين امنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون / وانفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا أخرتني إلى اجل قريب فاصدق وأكن من الصالحين ولن يوخر الله نفسا إذا جاء اجلها والله خبير بما تعملون ) صدق الله العظيم .

بواسطة : faifaonline.net
 4  0  828
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:44 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.