• ×

09:01 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

الديسة مغانٍ و معان  

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


الديـسـة . . مغــان ومعـان

الحمدُ لله الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسَان ما لم يَعلم ، والصلاة والسلام على المُعلم الأولُ للبشرية ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . . . أما بعد :
الديسة قرية صغيرة متواضعة ، شبه متحضرة ، تقع في منطقة تبوك تتبع محافظة ضباء وتبعد عن مدينة تبوك حوالي 180كم جنوباً ، قرية زراعية فيها من جميع المحاصيل ، تغطيها النخيل ، أهلها ذو أخلاق عالية ، لهم عادات وتقاليد تعجب الزائرين ، فيها مناظر خلابة ، ومناظر غريبة ، ومزارع عديدة .
في هذه القرية وضعت أول قدم لي في مشوار العمل التعليمي ، وعلى ثرى هذه البقعة شعرت بحب الوطن ، والانتماء إليه ، وخدمته بعيداً عن النظر إلى مكان الميلاد ، على أرضها تعلمت أن الإنسان إذا أراد العطاء فلا يمنعه وعورة الطريق ولا غربة المكان ، ولا قلة المقومات الحياتية التي تصبح أحياناً ترفاً في حياة الإنسان ، فمن تربتها أحسست أن الواجب يتضاعف ، وأن يدي ويد زملائي ستجعل من هذه التربة واحة غناء ، من شدة حرارة شمسها أيقنت أن حرارتها دفء يشد من عزمي وقوتي ، نظرت إلى جبالها الشاهقة فقرأت فيها أن الشموخ مرتقى سهل يمكن للإنسان أن يرتقيه بالعزم والإصرار والتحدي ، وأبصرت في أعلى قممها غرفة ، ترى منها الديسة بأكملها أسفل منك ، فعَزَّزَتْ في نفسي ألّا عسر مع اليسر ، ولا صعب مع الصبر ، وبالصبر تُنالُ القِمم .
خلو مكانها من السكان أحياناً جعل الترابط بيننا أقوى كالأسرة التي تسكن المكان منفردة ، عليها أن تُحافظ على المكان ، وتشيد البُنْيان ، وتقيم وثائق عرى الإيمان وتخلق من الألفة والمحبة جسراً لبقية الأيام ، ومن التسامح نموذجاً .
عندما يقترب المساء يبدأ الهدوء ويظلم المكان قبل أوان الظلام ؛ لأن أعالي الجبال تحجب الشمس مبكراً ، فتوحي للنفس أن الليل قد حلّ وعسعس ، وعندها تشتد الحاجة إلى المأوى ، وسرد الحكايات والقصص والإنشغال بالقراءة والإطلاع حتى نقطع الوقت والليل الشاتي الطويل ، لننتظر الصباح بإشراقة شمسه ، لنرى وجوهاً مشرقة ، تلوح لك من بعيد .
جبالها الشاهقة تضفي إلى النفس شموخاً ، وإلى العزة علواً ، وإلى القلب ارتياحاً فبدل أن تتبدد العين في النظر يمنة ويسره ، تصبح محلقة في السماء ، فيكسبها سعة في الأفق ، وبعداً في النظر ، وسناء في الفكر ، وأن ماءها العذب الذي ينسدل من جبالها فيكسي واديها يوحي إلى النفس : أن الحياة أمل ، كما أن الماء قوام الحياة .
تعلمت من مدرستها أن الحياة مدرسة ليست صعبة ، وأن مخالطة الناس أساس الحياة ومعرفة العادات والتقاليد المختلفة تجعلك تعايش المجتمع بكل فئاته ، فأحببت من خلالها اليد التي تعمل ، والعقل الذي يفكر ، والقلب الذي يحب ، والمعلم الذي ينتج ، والطالب الذي يجتهد ، والطفل الذي يلعب ، والشخص الذي يكسر المعاناة بإبتسامته المشرقة ، والأب الذي يسأل عن أبنائه ، والمنهج الذي يربي ، والكتاب القيّم المفيد ، والإنسان المسرور بعمله .
فراغها شغلٌ في التفكير في طيبة أهلها ، وكريم خصالهم ، ونبيل صفاتهم ، وصفاء قلوبهم ، وجُودُ كرمهم ، وجمال إبتسامتهم ، وجميل عاداتهم وتقاليدهم ، وطيب كلامهم الذي يفوح من ألسنتهم .
كأن الديسة أكسبتهم من جمالها الأخّاذ جمال الطباع ، وترابها الذهبي أورثهم طباع الجمال ، وخضرتها أكسبتهم رواء العقول ، وبداوتهم أورثتهم صفات الرجال وبعدهم عن الحضارة أكسبهم نقاء العقول وصفاء الأذهان ، واتساع كثبانها الرملية أورثهم سعة الصدور .
لنا مع أهلها ذكريات جميلة ، لقينا منهم الحفاوة والتقدير ، والكرم والسخاء في كل دار وفي كل مزرعة وفي كل جزء من أجزائها .
نودع الديسة بعد أيام قلائل ، نرحل عنها وقلوبنا معلقة بها ، نحمل الحُبَ والوفاءَ لأهلها ، ولن نذكر أهلها إلاّ بكل خير وندعو لهم بإذن الله ، وإن لاح لهم طيفنا فلن يذكرونا إلاّ بخير ويكفون عن مساوينا ، ولن ننسى لهم جميل الفعال ، والله نبكي على مغانيها ، نفقد ماءها العذب الزلال بواديها ، نرحل عن أناس عرفناهم من أهلها ، فلا نقول لهم وداعاً ؛ ولكن لنا لقاء بإذن الله تعالى ، فإذن عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا .
نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، يا أهل الديسة ، تلكم القرية العزيزة الغالية
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

صور منوعة من الديسة


image

image

image

image

image

image
image

image
image

image



الأستاذ : عيسى بن سليمان جابر الفيفي
معلم بمدارس الديسة


 21  0  2340
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:01 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.