• ×

08:43 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

ديدن الناجحين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
شدني مقال في هذه الصحيفة عن المثبطين للنجاح وكنت قد كتبت مقالا عن أسباب الفشل محتفظ به في أرشيف المقالات بالجهاز فعدت إليه لأهميته..


إن المحاربين للنجاح هم الفاشلين ونظرا لتنامي الفشل فقد تنامت معه سبل التثبيط للعزائم ومحاربة الناجحين ، ولكن السؤال يطرح نفسه منهم الناجحين وكيف نعرفهم ؟؟؟

النجاح ليس في المناهج الدراسية أو في مجال بعينه بل النجاح اكبر من ذلك بكثير ، وسمات الناجحين يكاد يتصف بها الشخص في سن مبكر ومن أهم صفات الناجحين هي العزيمة القوية والرؤية الثاقبة ألتي تتمخض كليها عن الطموح إلى المعالي ، والطموح يختلف عن أحلام اليقظة والأماني النرجسية ، ومن المهم جدا أن يكون المجتمع ارض خصبة لبروز الناجحين ، لكن عندما يكثر الفاشلون في المجتمع تقل إمكانية النجاح ، كون الفاشلون لهم طموحات لا تتجاوز مصالحهم الشخصية للعيش في أريحية تامة لا يشوبها منغصات ، والنجاح يعني الإيجابية ويعني العمل ويعني الإنجاز والبذل واقتحام الصعاب ، حيث ان الناجحين لا يروي تعطشهم للمعالي إلا الإنجاز الذي يكون بحجم فكرهم وهمة نفوسهم والذي لا يقبل مطلقا بالفردية والاستئثار ، كما أن الناجحين لا يبحثون عن الإشارة بالبنان كونها مرض عضال يمحق النجاح ويبدد حلاوته وسمو مقاصده ،بل إنه يرغب أن يحدث التغيير إلى الأفضل لكل ما يجده حوله ، يبحث دائما لإحداث بصمة إيجابية في كل مكان فتجده كالنحلة التي لا تجني إلا الرحيق ولا تنتج إلا الشهد ، سمات الناجحين الدماثة في الخلق لا يكلون ولا يملون من نسج الخيوط الحريرية لترابط من حولهم كونه يؤمن بالعمل الجماعي الذي ما أن كبر حجمه حتى كبر إنجازه وطال أمده ، الناجحين تجدهم شخصيات قيادية ذات تأثير على من حولهم في الأخذ بهم إلى طريق الفضائل والمعالي لا يبحث عن المكانة حيث أنها في حوزته يثق بها في أي زمان وأي مكان وفي أي متغيرات ، نعم هم الناجحون المتميزون في توجهاتهم النقية من المخالفات الشرعية والقانونية والاجتماعية ،الناجحون لا يحتاجون إلى النفاق ولا يحتاجون إلى الدجل والتصور والتشكل والتلاعب والتحايل ، لا يحتاجون إلى السيارات الفارهة ولا إلى المباني الشاهقة ولا إلى المظاهر المزيفة ، الناجحون يعلمون أن النفاق والرياء والعجب من اكبر المحبطات لعوامل النجاح ، الناجحون عندما يولدون في المجتمعات الفاشلة تجدهم كالأيتام ، يتوهون ويصارعون هموما تنوء بها الجبال ، ولكن من عجائب الناجحين أنهم يملكون عزائم تفوق التصور ، الناجحون يملكون صبرا وجلادة ينهار عندها خصومهم ، الناجحون دمائهم لا تعرف السكون أو الركود ، الناجحون لا ينظرون إلى الخلف ولا يكسرهم الإخفاق ،

مثال لقصة واقعية .
كان هناك ملك يحب نوادر الناس في الصفات فسمع عن رجل يشتكونه الناس دائما فسأل عنه فقيل له إنه المظفر رجل فضولي يحشر نفسه فيما لا يخصه فطلب الملك أمثلة لذلك فقص عليه احد الجلساء موقفا من تلك المواقف ، ، فضحك الملك وقال أتوني بهذا الرجل ،فاتوا به وعند دخوله على الملك سلم عليه وقال ما سبب أرسالك في طلبي ، فقال الملك أريد أن تعمل حاجبا على الجناح الخاص بعائلتي ، فوافق الرجل وما هي إلا أيام وشكته زوجة الملك قائلة أما وجدت حاجبا غير هذا فقال الملك وما سر انزعاجك منه فقالت لم أره ولكن الجواري أصبحن غليظات الطبع غير آبهات بأوامري فتقصيت السبب فطلبن مني أن أغير الحاجب فستدعى الملك احد الجواري وأصدقهن قولا فقال لها أصدقيني القول يا جارية ما خطب الجواري مع الحاجب الجديد فقالت الجارية ، إنه لا يداعبهن ولا يصغي لهن وإذا قدمن له شيء لا يأخذه وإذا اقبلنا إليه اعرض عنهن فكأنه حجر لا حس له ولا مشاعر ، فقال الملك أتوني بهذا الحاجب فدخل الحاجب المظفر إلى الملك فقال خيرا ما سر طلبك لي بهذه السرعة ، فقال لقد أمرت بتعيينك قائد سرية في الجيش فتسلم موقعك متمنين أن تكون محل الثقة ، وبعد عام تقريبا دخل الملك في حرب مع جيوش غزت مملكته وكان قائد الجيش أبن عم الملك فكان يعود كل يوم بهزيمة نكراء معللا من هول وباس العدو ، فقال احد قادة الجند إن قائد سرية المقاتلين الذي عينته أنت واسمه المظفر رفض الأوامر بخروج جنده إلى القتال رغم أن سريته من أشرس وأقوى الجند فغضب الملك وقام باستدعائه ، وعند دخوله قال الملك لقد خيبت أملي فيك عندما وضعتك قائدا فمالك تتقاعس حين دقت طبول الحرب فقال قائد السرية المظفر والله ما كنت مخرجا جندي أو خارجا تحت قيادة أبن عمك المهزوم ، فانه يورد من خلفه المهالك فلا حكمة ولا فطنة ولا شجاعة فغضب ابن عم الملك وسل سيفه إلى عنق القائد المظفر دون أن تهتز شعرة منه فتحدث المظفر للملك قائلا لقد أجاب ابن عمك على قولي بما اظن حكمتك ستبدي لك ما اقصده ، فأعجب الملك به ، وولاه قيادة الجيش فغضب ابن عم الملك فقال له الملك اجلس فاني بحاجتك فصرف البقية وقال لبن عمه أسبوع وأنت في كر وفر فما يضيرك إن ارتحت يوما لننضر ما سيفعل هذا المتعجرف فلعله يقتل فنفتك منه فقد صرت أخشاه ، فخرج المظفر قائد للجيش فالقا خطبة في الجند قبل الزحف قائلا ، لقد ولويت عليكم ولست بخيركم ففيكم من هو اشد مني شجاعة وإقداما وإني والله ما كنت مرسل جنديا واحدا منكم إلى ساحة المعركة إلا وقد سبقته ، فأما موت بشرف أو حياة بشرف ، وتذكروا أن هزمتم ما سيحل بنسائكم وبمن خلفكم فما انتم إلا لمثل هذا اليوم الذي تتجلى فيه معادن الرجال فمن كان يثق بمعدنه وبما هو أهل له فل يكون خلفي مقاتلا ومن كان دون ذلك فله الخيار أن يرجع إلى نسائه وجواريه وسيصله الخبر بعد حين

فتراجع ثلة قليلة وعادوا قائلين أنك مجنون لا نورد أنفسنا المهالك ونحن في حل ، فخرج المظفر بجيشه لمقابلة الغزاة فصطف الجمعان في ساحة القتال فخرج المظفر أمام جنده وسل سيفه قائلا بأعلى صوته لجيش العدو والله ما خرجت للقائكم هذا اليوم ومن معي إلا وقد عقدنا العزم ألا نعود إلا منتصرين أو تسفك دماؤنا وما كنت أرى أمامي إلا عدوا بغى وطغى وسعى لما ليس له به حق وإنكم والله لمعتدون وإن الله لا يحب المعتدين فيكفيني قوة وعزما أنكم أعداء الله قبل أن تكون أعداء لخلقه فطوبا لموت أناله في ساحة الوغى وأنتم له كارهون ، فبث الرعب والهلع في صفوف العدو حيث عاد قائدهم إلى الخلف مناديا في جيشه قائلا إني ما أرى أمامي إلا مصيبة لم احسب لها حسابا ولا مناص عنها فاقبلوا ولا تدبروا فالتحم الجيشان في معركة استمرت نصف يوم قتل فيها من المعتدين الألف وقتل القادة واسر الكثيرين لينهزموا ويولوا الأدبار فعاد المظفر برأس قائد الغزاة ليلقيه أمام الملك الذي ذهل بما شاهده قائلا من أي أرض يا مظفر أتيت ، فقال المظفر أتيت من أرض أن أصابها وابل اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ،أتيت من ارض تحب الله ويحبها يعطيها فأعطت وإن أخذ منها صبرت وشكرت وخضعت أتيت من أرض عز لا تذل فقال الملك لا تتكبر فقد أخذتك من بين الناس مكروها ووضعتك هذا الموضع فقال المظفر أنت ذكي جبان ترى الحق وتسخره لك لتنال به ما لست أهل له فغضب الملك وقال أيها الجند خذوه إلى السجن فلم يحرك الجند ساكنا فقال الملك مكررا خذوا هذا الإمعة عن وجهي فلم يصغي له احد فسل سيفه الملك وذهب ليضرب به المظفر فراغ عنه وركله بقدمه قائلا لست أهلا لأسل سيفي عليك فخذ جواريك وزوجاتك وضرب عن وجهي قبل أن أزج بك في السجن وأنساك فتكلم احد القادة قائلا أيها الملك لقد هنا عليك عندما وضعت ابن عمك علينا والذي كان يوردنا المهالك ويسقينا الذل والمهانة وقد أتى المظفر فكان الروح التي فقدناها فاعد الله به عزنا وشد به من أزرنا فوالله ما نعود لذل بعد عز وهبه الله لنا بالمظفر ، فسمع لما يقول ليبقى لك روحك واهلك خير من ان تخسرهما معا، فتولى المظفر الملك وأمر جنده بالقبض على الفارين يوم الزحف وصفهم في الميدان مكبلين وخطب أمام الجمع قائلا، ما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه الفارون اليوم بالفارين يوم حنين فأنهم أهل النفاق الذين هم أشد خطرا على الأمة من الكفار والمشركين فأنهم أن تولوا كانوا أشد خطرا فأنهم يثبطون العزائم ويخلقون الفتن وينشرون الفساد ويقتلون روح الخير والهمة ، حتى تستحل الحرائر وتمجد الجواري وتقرع الكؤس وتضيع المرؤة بين الناس فحذروا أن تكونوا يوما منهم أو معهم ، فقال احد الفارين المكبلين وهو يمد يده لسماء الحمدالله أن وهبنا الله رجلا بعدك يا خليفة رسول الله عمر فقال المظفر أسمعتم كلامهم إنه يدخل في القلب العجب والكبر لمن هو ضعيف النفس سماعا لهم ، فتكلم أخر قائلا يا مظفر نحن قوم مستضعفون استغل المنافقون ضعفنا فنسقنا خلفهم فنحن نرجو منك الصفح والعفو عنا فقال المظفر بصوت مرتفع أسمعتم ما قال فوالله انه لكاذب وسا أصفح عنهم ولكم فيهم يوما تجدونهم كما وجدتموهم اليوم أفاكين منافقين جبناء وما هي إلا سنوات وبرزوا المستضعفين المعفي عنهم في موقف لا يحسدون عليه حين تم كشفهم وكانوا يدفعون الجباية لولاة الروم في في السر لتسليمهم ومبايعتهم على أن يسقطوا حكم المظفر فأخرجهم أمام الجمع للقصاص معيدا عليهم ما قاله عنهم قبل سنوات ، ومن هذه القصة يتجلى لنا بوضوح أن مكارم الأخلاق والقيم هي ديدن الناجحين ، فلنكون أرضا خصبة لنمو النجاح والناجحين .

 3  0  755
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:43 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.