• ×

03:30 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

التفاخر بالأنساب ونتائجه السلبية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن من المشكلات التي يعاني أي مجتمع منها - وخاصة مجتمعنا - مشكلة التفاخر بالحسب والنسب، ولا شك أنها مشكلة لها تبعاتها ونتائجها والناظر إلى المجتمع بعين فاحصة يدرك ما أقول، ولذلك ذم القرآن والسنة هذه العادة الموجودة من ذو القدم.
قال تعالى:(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فمقتضى هذه الآية ينص على التعارف لا التفاخر، وما أبغض الناس بعضهم بعضاً إلى حينما تفاخروا بالأنساب والأحساب، وما ضاعت مصالح المسلمين وحقوقهم إلا حينما خالطتها العنصرية القبلية والإقليمية، وهذا لا شك عامل يعود بالأمة إلى زمن الجاهلية؛ فتعم الفوضى ويتفشى الجهل بسبب عدم تقبل الأخر فكراً وسلوكاً، والنفور منه واستهجان ما يقول أو يفعل قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) فالخير لا يعلم أحد أين يوجد فقد يكون في مذموم محتقر، والشر في ممدوح معظم ممجد.
إن التفاخر بالأنساب دعوة من دعوى الجاهلية، وقد ذمها الإسلام ونهى عنها، لكونها تصنع الفرقة بين المسلمين من أبناء البلد الواحد وقد قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنة". والتفاخر المطلق يحجم سعة الوطن ويصهره في بوتقة ضيقة لا تتجاوز مساحة القبيلة فيهمش صاحبها بقية الوطن، بل قد يكره بعضهم السفر إلى بقعة معينة منه؛ لأنه ليس فيها أحد ينتمي إلى نسبه.
قال البخاري: حدثنا علي، حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: كنا في غزاة- قال سفيان مرة في جيش - فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى جاهلية" قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال: "دعوها فإنها منتنة".
قال ابن تيمية رحمه الله في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم بعد أن أورد هذا الحديث: "ثم مع هذا لما دعا كل منهما طائفة منتصراً بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم ليبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقاً فعل أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب".
فكان لزاماً علينا بعد أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن التفاخر بالنصرة والهجرة مع أنها صفات عظيمة امتدح الله أهلها في القرآن (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ،كان لزاماً علينا أن نتجنب الوقوع فيها ما دام التعصب في الانتساب يزرع الفرقة ويوسع دائرة التظالم بين الناس، ولا يخدم تنمية الوطن ولا يصب في مصلحته التي هي مسؤولية الجميع.
إن الحق أن يكون الانتماء للأمة جميعها فتفاخرنا بالإسلام هو الأساس الأول؛ يأتي بعده الانتماء للوطن وحبه في المرتبة الثانية، إن الانتساب للقبيلة أو الفخذ فقط يقلص حجم هذا الوطن ويجعله في ذلك الحيز الضيق ويربطه بفئة معينة يضيع فيها جهده الساعي، وعمله المضني ويندرج في موضع واحد ولسبب واحد قد لا يستحق كل هذا الجهد المبذول فيه، فإذا كان بذل الفرد للفرد هو الغاية المنشودة فالفشل هو مصير هذا الانتماء.
وإذا لم يكن بذل الفرد للمجتمع والكيان الكبير الذي يعيش فيه هو المحفز للإنسان على العمل الجاد فلا خير في انتماء يكون التقوقع فيه على دعوة جاهلية تضيق واسعاً وتعسر يسيراً، وتذهب بمقدرات البلد.
الانتماء الصادق هو الانتماء للوطن بكل أرجائه وأفراد مجتمعه على اختلاف فئاتهم حباً لا يفرق بين أرجاء الوطن لأجل عنصرية أو حزبية أو قبلية.
إن الواجب على المجتمع بجميع طبقاته وفئاته التعاون والتعاضد فيما يعود على الوطن والمجتمع بالفائدة، ونبذ الفرقة والاختلاف والتحاسد والتباغض؛ لأن ذلك يوهن جسد الأمة ويجعلها هدفاً سهلاً للمتربصين ونحن حينما نفعل ذلك من تفاخر فإنما نطبق القول الشهير ونحن لا نعلم: "فرق تسد" فما سيدة أمة من قبل عدوها إلا بسبب تفرقها واختلافها.
قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) والتفاخر يزرع الحقد ويؤجج النفوس وبه يحدث التنازع والفشل، فعلينا أن نلتزم بشريعة الإسلام ونبذ ما يخالفه نسود كما ساد أسلافنا ونعود بالأمة إلى ماضيها العريق من القيادة والسيادة والريادة وبذلك نفوز في الدنيا والآخرة.

محمد بن سالم بن سليمان الفيفي

 2  0  1826
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:30 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.