• ×

07:10 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

القطيعة الإبستمولوجيّة / المعرفيّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يشهد الواقع العربيّ أن بعض ناشئة الشعراء كانوا ضحايا متشدّدي العَروض، كما أن ناشئة الفتيان والفتيات كانوا ضحايا متشدّدي النحو واللغة والمجتمع، بصفةٍ عامّة. ذلك أن لدينا (ثقافة تنفيرٍ طاردة) من الأصالة والتراث، ومن العِلم والمعرفة، ومن الإبداع والانتماء، وعلى شتّى الصُّعُد.
وممّا صَرَفَ بعض الشباب عن العَروض، وعن الشِّعر العربيّ إجمالًا، وأثار ثائرة عُقَدهم وأحقادهم على الأدب العربيّ وأهله، ممارساتُ بعض الجَهَلة ممّن يدّعون العِلم بالعَروض، كما عَقَّد العربيّة كلّها في وجوه أبنائها بعضُ النحاة الحمقَى واللغويّين المغفّلين، من السطحيّين والمتحجّرين. ولقد مررنا بهذا وذاك كثيرًا، ومنذ النشأة الأولى، ممّا تنضح به آنية أولئك المتفيهقين الذين عرفوا قشور أشياء وغابت عنهم أشياء أهمّ فيها وأكبر، فنذروا أنفسهم لممارسة الحسبة في إنكار ما يعتقدونه بجهلم منكرًا من القول وزورًا. فهم ما ينفكّون مسارعين إلى التخطيء، والتفتيش عن المعايب، في شيءٍ من الازدراء والتسفيه. ولولا أن في عِلْم العَروض وعِلْم النحو وعِلْم اللغة ما يُلقم أمثال هؤلاء الأدعياء الحجارة، إذ تَعْصِم تلك العلومُ من يعود إليها من حالات الإحباط والإحساس بانغلاق الآفاق، لولا ذلك، لذهب المرء ضحية هؤلاء الطفيليّين على موائد العِلْم والنقد. ذلك أنك تجد -حينما تعود إلى تلك العلوم- جمال اللغة العربيّة، ومدى السعة في أساليبها، والرُّخَص المتاحة لمستعمليها، والوجوه المتعدّدة للتعبير فيها، ممّا سَلَكَه العرب في نثرهم وشِعرهم. كما ستجد مدى تسامح معظم علمائنا القدماء مع الشِّعر والشعراء، وأنهم لم يكونوا خُشُبًا مسنّدة، لا يفقهون إلاّ قواعد حفظوها، يتّخذونها سلالم جاهٍ، وأسلحة دمار شامل، ومعاقل نفوذ واستبداد. وإنْ كان ضَيِّقو الأعطان موجودين في كلّ زمان ومكان. ولقد تَعَرَّض الشاعران الكبيران في العصر العبّاسيّ (أبو الطيّب المتنبي وأبو تمّام) لما لم يتعرّض له سِواهم من نقد أمثال هؤلاء، ومن التخطئة، والتسفيه، والتنقّص، وتتبّع المثالب العَروضيّة والنحويّة واللغويّة، بل الاتهام بالسطو والسرقة، وصولًا إلى نفي الموهبة الشِّعريّة، وذلك في كُتبٍ ما زالت بين أيدي الناس تُقرأ. غير أن الشاعر الواثق من تجربته، الذي لا يحتكم إلى موهبته فقط، بل إلى العِلْم بلغة العرب، والفقه بأصولها وشِعرها، يصمد أمام هؤلاء الدراويش المتعنترين. وهو ما لا يصبر عليه معظم شبيبتنا، فإذا هم إمّا يتردَّون في الضحالة والضعف، أو ينصرفون عن هذا الميدان كلّيّة، تاركينه للأغربة والذئاب، معلنين العجز، لاجئين إلى أقرب مأوى، يُؤَمِّن لهم السلامة وراحة البال، ويَقبل منهم كلّ ما سَهُل ودَبَّ ودَرَج.
هذا، ولعلّ قصيدة النثر العربيّة -على سبيل النموذج- كان بإمكانها أن تكون شيئًا مذكورًا لو نَجَتْ من تلك التركة التربويّة التعليميّة، ولو خرجتْ من قوقعة تعصّبها وتشنّجها وتخشّب عقول بعض عاشقيها، وباختصار من: تخلّفها باسم تجديدها، وتقليديّتها باسم تجاوزها. ذلك أنها -وَفق سياقها العربيّ- لا تعدو حركة تبعيّة، لا إبداعيّة، وحركة انغلاق لا انفتاح، وحركة تحجّر لا تفتّح. تبدو تبعيّتها من ولائها المطلق للنموذج الآخر الغربيّ، وعدم التفاتها -ولو على استحياء- إلى رأسمالها من التراث العربيّ، الشِّعريّ والنثريّ، مع أن هنالك نماذج نثريّة عربيّة كان يمكن أن تشكِّل ملامح تجربةٍ عربيّة مستقلّة، يُبنَى عليها ويُنطلَق. ولكن أين هؤلاء وذاك، وهم غارقون في كلّ ما خَفّ عبئه، بل وهم يستنكفون حتى من انتمائهم إلى ذلك التراث!
ويبدو انغلاق تلك النصوص النثريّة من تقوقعها باسم اليوميّ والهامشيّ والسهل.. وووإلى آخر هذه الحُجج اليوميّة والهامشيّة والسهلة. فأصبحت أدب انعزالٍ وانكفاء ذاتيّ، يجترّ فيه أصحابه هذياناتهم الذاتيّة، لا يؤثّرون ولا يتأثّرون، ولا يَسمعون ولا يُسمعون، ولا يُقنعون ولا يقتنعون، صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجِعون! فأيّ تعبيرٍ عن قضايا الإنسان لدى هؤلاء؟ وبأيّ مستوى لغوي إنسانيّ كان، ودع عنك أن يكون أدبيًّا؟
إن تعبير الشِّعر عن اليوميّ البسيط خصيصة طالما عُرفتْ في كلّ زمانٍ شِعريّ ومكانٍ أدبيّ، وليست باكتشاف جديد. غير أنها لا تعني بالضرورة هذا النحو المزعوم، الذي إنما يأتي ذريعة مَن لا ذريعة له. فإن يكون «اليوميّ» حُجّة من لا يكاد يُبين؛ إذ يريد انفتاق الجسد الأدبيّ لفُضوله وتطفّلاته، قائلًا: «أنا إنّما أتوخّى البساطة»؛ فإن شعراء العاميّة أكثر منه بساطةً ويوميّة، وغَرَقًا في هذا المستنقع، فما الجديد؟! على أن التعبير عن اليوميّ في الشِّعر لا يعني أن يُصبح نثرًا، بحالٍ من الأحوال؛ ذلك أن هذا الميدان يظلّ ميدان النثر بامتياز، بصحافته، ونشرات أخباره، وتقاريره، وخاطراته، ولا مفخرة، إذن، في منافسة الشِّعر للنثر في هذا المجال، إلاّ حينما يُشَعْرَنُ ذلك الواقع؛ أي حين يُرتفع به إلى سماوات الشِّعر، لا حينما يُستنسخ، فيَغرق في وحله الغارقون. هذا ناهيك عن أن يكون الواقع أبهى من النصّ وأجمل وأشعَر، وهو ما يُلحظ غالبًا في ما يسمّى بقصيدة النثر!
إن عبقرية الفنّ عمومًا تتمثّل في أن يرتفع بالواقع، وأن يخلِّق من الهامشيّ فنًّا رائعًا، أمّا أن يستسلم للواقع، وينغمس عاريًا في خَبَثه، بل أن ينحدر دونه، فما تلك إلّا وظيفة الضفادع، لا وظيفة الإنسان المبدع، الصناع!
كما يبدو بعض تحجّر أرباب قصيدة النثر من إصرارهم أنهم «شُعراء»، هكذا ضربة لازب، وأن مصيرهم مرتبط في منحهم هذا الوسام التلقيبيّ، وإلّا ضاعوا، فلا مستقبل لهم ولا مكان من الإعراب! إنها البطالة الشِّعريّة بحقّ، وهذا التمحّك بالشِّعر إنما يدلّ على عبوديّتهم للشِّعر وللانتماء إليه، كيفما اتفق، وإلّا لو كانوا حقًّا أحرارًا نابهين، لا تقليديّين خانعين، لانتعلوا طُرُقًا أخرى، ولانعتقوا من عُقدة هذا الادّعاء، ولتخطّوا مصطلح «الشِّعر» أصلًا إلى ما قد يكون أعظم من الشِّعر وأجدى! كَلاّ، وربّك، لن ينعتقوا من هذا الغرام، فهم مخطوفون بتقييد أنفسهم به، في الوقت الذي لا يكفّون فيه عن الصخب مدّعين الفتوح الخارقة، والقطيعة الساحقة مع كلّ ما سَلَفَ ومَن سَلَفَ من التقليديّين المتخلّفين! والعجيب أن أحدهم يولد وهو هكذا، يرى نفسه رائدًا ومجدِّدًا، فما يكاد ينفطم عن ثدي أُمّه إلّا بقصيدة نثر: فاتحًا وخارقًا وعظيمًا. وإنْ لم ير بعضُهم في نفسه ذلك -فَرَضًا- أو لم يعرف أنه عبقريٌّ أصلًا، فسوف يقيّض الله له مَن يُعرّفه، ناقدًا أكثر عبقريّة منه ليكتشف أن «خربشاته» كانت فتحًا مبينًا، فإذا صاحبه يتشجّع، فيمضي في طريق الريادة والتجديد والمجد، لا يلوي على شيءٍ، ولا تأخذه في الحداثة لومةُ لائم! ولَشَدَّ ما سيَشعر عبقريُّنا الهُمام -أو الهُمامة- بالأسف على نصوصٍ أُهملتْ قبل ذلك الاكتشاف المتأخِّر لنبوءاته الفنيّة؛ إذ لم يكن يعلم أنها آياتٌ بيّناتٌ، خَسِرَت البشريّة بفُقدانها ما لا سبيل إلى تعويضه أبدًا! غير أن الشاهد دليل على الغائب، والباقي فيه البركة، وإنْ كان ما خفي أو فُقد أجلّ وأعظم! وهو، على كلّ حالٍ، سرعان ما سينتفخ أوداجًا، وينتفش أرياشًا، ما دام قد وُلد عبقريًّا مجدِّدًا، وبالفطرة، من حيث يدري ولا يدري، وسيُعلن فورًا القطيعة المعرفيّة مع مرجعيّات التراث، كلّها أو جلّها، والبراءة الجماليّة مع ما لا يعرفه -طبعًا- لكي تكون له قطيعة معه، لكنها القطيعة مع جهله بما يقاطِع، فليَقْطَعْ وليخسأ الخاسئون! إنه لا يتردّد في إعلان القطيعة مع الشِّعر العربيّ، جملةً وتفصيلًا، ومع اللغة العربيّة نحوًا وصرفًا، ومع الذوق العربيّ، بلاغة وتعبيرًا، ومع البناء العربيّ للنصّ، تفرّدًا وحضارة، ومع النقد العربيّ، ومع المجتمع العربيّ، ومع الثقافة العربيّة، ومع كلّ ما فيه عين وراء وباء! والحقّ أن ذلك «انقطاع» لا «قطيعة»، وفرقٌ بين الحالتين؛ من حيث إن القطيعة تعني التمرّدَ عن رسوخ قدمٍ في العِلْم، والثورةَ عن وعيٍ عميق. غير أنك قد تجد أحدهم -وقد يكون بلغ من الكِبَر والكِبْر عتيًّا- ما يزال يُخطئ في اللغة والإملاء، ومع ذلك فهو ما يفتأ يُعلن منذ نعومة أظفاره عن تلك القطيعة، وأنها سِرُّه الوجوديّ، مدافعًا بذلك عن نثره الذي يعتقده شِعرًا، كلّما قيل له: توقّف يا هذا عن هذا الهراء! ومِن ثَمَّ تُدرك معنى قطيعة هذا، وأنها «انقطاع»، وأنه إنما وَجَدَ مأوى لعجزه فأوَى، وأن الأسباب الأُولى التي دفعته إلى هاوية قصيدة النثر شاخصةٌ من لسانه إذا نَطَقَ، ومن قلمه إذا كَتَبَ، ومن فكره إذا ناقش؛ لأن قصيدة الشِّعر صعبةٌ عليه وطويلٌ سلّمها، ذات شروطٍ، وقواعدَ، وبحورٍ، وقوافٍ، وبلاغةٍ، وصداعٍ يطول؛ فما أَلَذَّ النثر، إذن، وأَلَذَّ منه وأعظم أنْ يُوْلَد المرء هكذا: شاعرًا فذًّا، بل مجدِّدًا جذريًّا، يُشار إليه بالبنان كلّها، في الأيدي والأرجل، ورائدًا بالفطرة والسليقة! فيا للعجب! وبذا تستحيل دعوَى القطيعة لدى هؤلاء إلى (قَطْعِيَّة، أو دوجماتيكية Dogmatism)(1)، واثقة بعمائها، مزدرية لسِواها.
وهنا يَحْسُن التوقّف مَلِيًّا لدى قضيّة المصطلح/ الدعوَى (القطيعة الإبستمولوجيّة أو المعرفيّة)، الذي كثيرًا ما تُسقَط عليه خيبات الكتّاب المعرفيّة والبنيويّة، وتُعلَّق به حالات الجهل والعجز والمرض؛ فيتردّد القول بـ «القطيعة المعرفيّة» كلّما حوصر الكاتب لغويًّا أو جماليًّا.
فهل القطيعة المعرفيّة تعني الجهل بالتراث؟ وهل هناك قطيعة معرفيّة في مجال الفنون والآداب، أصلًا؟
السؤال الأول واضح الإجابة؛ فلا قطيعة عمّا يجهله الإنسان. بل القطيعة المعرفيّة لا تنشأ إلاّ عن هضمٍ بالغٍ للمعطَى المعرفيّ القائم والموروث، يَدفع إلى تجاوزه، واقتراح بدائل عنه، أفضل منه، لا أسوأ منه. فما يتردّد في الواقع الثقافيّ العربيّ اليوم لا يعدو تخلّصًا من جهلٍ إلى جهلٍ: جهلٍ بالتراث إلى جهلٍ بالقطيعة المعرفيّة، مفهومًا ومصطلحًا. أمّا القول بالقطيعة المعرفيّة في مجال الفنون والآداب، فأُغلوطة، أو لنقل -بحُسن ظنٍّ- محض تعبيرٍ مجازيٍّ، ونِسْبيّ الدلالة، يُفهم في السياق العربيّ كثيرًا بحَرْفيَّة. وذلك لأن المعرفة في هذا المجال تظلّ تراكميّة واستمراريّة وتواصليّة، لا قطيعة فيها. والأصحّ أن يُطلَق على ما قد يحدث في سيرورتها من طفرات فنّيّة، وعن رؤى ناضجة: تجاوز، أو تجديد، أو تحديث، أو نحو ذلك: لا «قطيعة»؛ لأن القطيعة هنا غير واردة بمعناها الحقيقيّ؛ وذلك لطبيعة هذا الحقل المعرفيّ، القائم على اللغة الخاصّة بقواعدها ومائزاتها، وعلى الذوق الفنّيّ القوميّ، والشخصيّة الحضاريّة. والقطيعة عن هذه الأصول لا تعني إلاّ شيئًا واحدًا، هو: الانقطاع من الهويّة اللغويّة والفنّيّة والحضاريّة. وهذا محض استلاب واغتراب واختراب، قد يقع عن جهلٍ، أو عن قصدٍ، أو لا انتماء، أساسًا.
إن القطيعة المعرفيّة لدى مَن تحدّث عنها مِن الفلاسفة -ولا سيما الفرنسيّ (جاستون باشلار Gaston Bachelard، 1884- 1962)، وهو فيلسوف هذا المفهوم الرفضيّ الإبستمولوجيّ- هي في مجال العلوم البحتة، لا في مجال الآداب والفنون، حيث يقسِّم باشلار المراحل التاريخيّة للعقل العِلْميّ إلى ثلاث: الحالة ما قبل العِلْميّة، حتى القرن 18، الحالة العِلْميّة، حتى مطلع القرن 20، عصر العقل العِلْميّ الجديد، بدءًا من 1905، وبعد نظريّة النِّسبيّة لأينشتاين Einstein، التي زعزعت الثوابت العِلْميّة السابقة. وساق أمثلةً على القفزات الهائلة التي حدثت بعد ذلك التاريخ في مجال العِلْم (2). بل إن المصطلح نفسه إبستمولوجياÉpistémologie -المكوّن من المقطعين (Épistémê) و(logie)- يعني تحديدًا: «لُغة العِلْم»، أو «منطق العِلْم»، أو قل: «عِلْم العِلْم». فهو معنيٌّ أساسًا بالعقل العِلْمي. وكلّ كُتب باشلار في هذا السياق إنما تدور على العِلْم: كـ «تكوين العقل العِلْميّ»، «العقلانيّة التطبيقيّة»، «الفكر العِلْميّ الجديد»، «الماديّة العِلْمية»، وهلمّ جرّا. والفلاسفة الفرنسيّون لا يُطلِقون هذا المصطلح إلاّ على فلسفة العلوم وتاريخها الفلسفيّ، فيما يُستعمل في النطاق الأنجلوسكسوني بمعنى: «نظريّة المعرفة»(3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حول المصطلح، انظر مثلًا: وهبة، مجدي؛ كامل المهندس، (1984)، معجم المصطلحات العربيّة في اللغة والأدب، (بيروت: مكتبة لبنان)، 296.
(2) انظر: باشلار، جاستون، (1996)، تكوبن العقل العلميّ: مساهمة في التحليل النفسانيّ للمعرفة الموضوعيّة، تر. خليل أحمد خليل (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر)، 8.
(3) انظر: شربل، موريس، (1986)، التطور المعرفيّ عند جان بياجيه، (بيروت: المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع)، 81.


p.alfaify@gmail.com
http://khayma.com/faify

 2  0  940
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:10 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.