• ×

09:02 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

( الغبرة ) .. بين الآباء والأبناء ..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تشهد منطقة جازان والمحافظات التابعة لها .. موسماً لا يتأخر أو يتخلف .. يعرف عند العامة بـ ( الغبرة ) .. حيث تهب الرياح في أوائل شهر تموز تقريبا من كل عام قادمة من الشاطئ الغربي ـ ساحل جازان ـ فتقوم بإثارة الأتربة وحملها لمسافات بعيدة تصل لأعالي الجبال كجبل مصيدة وجبل صماد وجبل فيفاء وجبال بني مالك .. بل أصبحت في الآونة الأخيرة تتعدى حدود جازان لتمتد إلى مرتفعات عسير كأبها والسراة .. مما يسبب في تغير الأجواء .. وتلبد السماء بالأتربة .. ويتحدث المهتمون بالصحة عن تأثيرها على الصحة خصوصاً الجهاز التنفسي .. وضرورة التأكد من غلق الأبواب والنوافذ .. وغسل الفاكهة جيداً قبل تناولها .. ويتواصى الناس بتوخي الحيطة والحذر عند سلوك الطرق العامة بمركباتهم نظراً لتدني أو انعدام الرؤية الأفقية .. وتنشط سوق الكمامات الواقية من الغبار .. وربما تقرأ على صفحات الصحف المطالبات بضرورة إيجاد حلول جذرية لها .. ويظهر التذمر والتأفف على محيا الناس .. من المناظر التي نشاهدها ونحياها ونراها هذه الأيام الذي تلفنا فيها الغبرة بغطائها الذي يكتم الأنفاس ..

هذا هو جيلنا نحن الأبناء .. وهذا هو موقفنا من ( الغبرة ) التي لا نراها تكف عنا رغم تذمرنا وشكوانا ..

وإذا عدنا بالذاكرة لسنوات الآباء نجد أن ( الغبرة ) .. كانت تزورهم أيضاً كل عام .. كضيف ثقيل يجثم على النفوس .. ويغطي الأرض .. ويلبد الآفاق بلونه القاتم .. ورذاذه الكاتم .. أضف إلى ذلك.. انعدام الكهرباء .. فلا إضاءة تسعفهم ولا وسائل تبريد تساعدهم .. بل إنهم لينامون في العراء .. يعبّون من التراب عباً .. ويسفون من الغبار سفاً ..

وربما تزامن قدوم ( الغبرة ) مع شهر رمضان المبارك .. يعيشها الآباء وهم صيام تحت شمس تموز اللاهبة .. لا يهنؤون بالليل .. ولا يرتاحون بالنهار .. فكيف كان حال الآباء مع ( الغبرة ) ؟؟

مع كل ما سبق بيانه عن ظروف العيش .. وصعوبة الماضي .. وشظف الحياة .. إلا أنك لا ترى في آبائنا هذا التأفف .. ولا تسمع منهم هذا التضجر ..

ليس هذا وحسب .. بل اسطاعوا بتفاؤل عجيب أن ينظروا إلى الجانب المشرق في ( الغبرة ) ويظهروه ويعلنوه .. وأهملوا معاناتهم معها .. حتى لكأنها لا توجد معاناة ..

لقد كانوا يعددون مزاياها .. ويظهرون لبعضهم منافعها .. وربما صاغوا العبارات وضربوا الأمثلة في بيان نفعها .. يقولون ذلك ويحدثون به من بعدهم .. ويتناقلونه جيلاً إثر جيل ..



قد كانوا يشيعون أهميتها في تلطيف الجو .. وحماية الناس والدواب من ضربات الشمس .. بل وفي الحفاظ على الزروع من موجات الجفاف .. يذكرون الرياح التي تصاحبها .. وخصوبة الأرض التي تأتي معها .. عندما تحمل رياحها الأتربة الناعمة من شاسع المسافات ثم هي تلقيها في تلك المرتفعات فوق كل غصن وعلى كل حجر .. فإذا ما هطل المطر وتتابع القطر .. رأيت طيناً يعلو وجه المياه المنحدرة .. ليجدد التربة المنجرفة .. ويعوض الأرض ما فقدته من قبل ..

هكذا كانوا يسلون أنفسهم .. وينظرون للوجه الأجمل .. ويتغافلون عن ما تسببه لهم من أضرار عانينا منها اليوم ولم نستطع احتمالها .. مع تيسر سبل العيش .. وتوفر الإمكانات .. ووجود البدائل التي تخفف عنا وطأتها ..

هل كان آباؤنا أكثر حباً للحياة منا ؟؟
هل كانوا أكثر تفاؤلاً وأفضل تعاملاً مع مقتضيات الأحوال منا ؟؟

ألسنا نعيش في عصر الثقافة والمعرفة .. ألسنا جيل الحاسوب والتقنية ..

ألم نؤمن أن الأمور بيد الله وحده سبحانه .. يصيب بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء ..

ألم يستقر في وجودنا أن الله لم يخلق شيئاً عبثاً .. ولم يوجد شيئاً هملاً بلا فائدة ..

ألم نقرّ بأنه لا خيرَ خالص .. ولا شرَ محض .. وإنما هي نسب تتفاوت .. وميزان يعلو ويهبط ..

هل كان حظ آبائنا في الإيمان العملي والتطبيقي أوفر من حضنا .. وقَدَحُهم أعلى من قَدَحِنا ..

إذاً .. لِمَ رضوا يوم تذمرنا ؟؟ ..
لم صبروا حين تأففنا ؟؟ ..
لم شاهدوا الجوانب مشرقة وقتما عميت علينا ؟؟ ..

أهتبلها فرصة سانحة .. أن أحيي تلك القمم الشاهقة من آبائنا الأقدمين .. وسلفنا الماضين ..

لقد ذللوا الصعاب .. وطوعوا الحياة رغم شظف العيش .. وقلة ذات اليد ..

لا زلنا نتعلم إلى اليوم في مدرستهم الواسعة .. وننهل من تجاربهم الرحبة الشاسعة ..

لقد استطاعوا أن يختطوا في الحياة خطأ متوازناً .. بين الأمل والعمل .. بين التفاؤل وحسن التعامل ..

رغم نكد الزمان .. وتفرق الأوطان .. رغم انعدام الوسائل .. وغياب البدائل ..

بكم نرفع رؤوسنا .. يا آباء عرفوا معنى الحياة .. بينما جهلنا نحن أبسط أبجدياتها ..

 9  0  1176
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:02 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.