• ×

03:11 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

الاختبارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الإنسان عندما يقلب السلعة، ويقارن بين هذه السلعة وتلك،ليختار الأفضل منهما، أو يختار الأقرب إلى قدراته المالية، فهذا التقليب والمقارنة يسمى اختباراً، فاختبار الشيء هو معرفة كنهه، ومعرفة صفاته ومدى توفر بعض الميزات فيه، فكيف تقيّم السلعة، وتمايز بين قيمة هذه وتلك ، إنما ذلك بالاختبار،فلهذه السلعة ميزات وصفات عرفتها باختبارك الذي أجريته،فرفعت قيمتها، والأخرى تنقصها بعض الميزات والصفات لم تكن متوفرة فيها، فالاختبار هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة التمايز بين الأشياء بأي وسيلة كان ذلك .
في المدرسة كيف يعرف من كان من الطلاب قد أستوعب المعلومات من غيره، كيف تعرف المجتهد من المهمل، لا يكون ذلك ألا بالاختبار، نقيّم به كل طالب من الطلاب، فهو التقييم الوحيد العادل المنصف، ففي الفصل الواحد مالا يقل عن عشرين طالباً، كيف نعرف التمايز بينهم، كيف نعرف من هو المتفوق ومن الذي دونه، من هو المجتهد ومن هو المهمل،لا يكون ذلك إلا بالاختبار، فالاختبار إذاً ضرورة لازمة للإنسان في كل شيء، ليعرف التمايز فيما أمامه، سواء كان الاختبار بالنظر أو بالسوال، أو بأي وسيلة توصله إلى المقارنة والتمييز .
والناس كل الناس لابد لهم من اختبارات يمرون بها، ليتم تقييم كل واحد لمعرفة الدرجة التي يستحقها، والمنزلة التي يحلها،والاختبار العادل لا يكون إلا بعد تهيئة الظروف، وإتاحة الفرصة لجميع المختبرين، (الفرص المتساوية)، وتزويدهم بالوسائل المتعادلة، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وهيئ له كل أسباب الحياة، وتكفل له بالرزق، ومنحه العقل المفكر المبدع، وأرسل إليه الرسل يبشرونه وينذرونه،وانزل الكتب، ودله على طريق الخير، وحذره من طريق الشر، وجعل له حرية الاختيار، ليلزمه الحجة ويلجمه بها، والإنسان في هذه الحياة في اختبار دائم، من أول البشر آدم عليه السلام إلي أخرهم، فعندما خلق الله آدم عليه السلام، واسكنه الجنة هو وزوجه، وضعه في اختبار لينظر قوة عزيمته، ومدى تحمله وطاعته، فأمره أن لا يقرب شجرة واحدة عينها له من أشجار الجنة، وحذره قبل ذلك اشد التحذير من الشيطان الرجيم، بان لا يسمع منه فيضله ويغويه، فلم ينجح آدم أمام إغراءات الشيطان وتزيينه، ولم يتمالك نفسه عن معصية ربه، ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما / وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى / فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى / إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وانك لا تظمئوا فيها ولا تضحى / فوسوس إليه الشيطان قال يا أدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى / فأكلا منها فبدت لهما سؤ اتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) فآدم عليه السلام فشل في هذا الاختبار، لأنه لم تكن له قوة العزيمة والإرادة، ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) وأما خليل الله إبراهيم عليه السلام، فقد اختبره ربه فاجتاز الاختبار ونجح فيه، فجعله الله إماما للناس وخليلا له، قال تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )
فالله لكمال عدله، هيئ للإنسان جميع الأسباب والوسائل، من عقل وإدراك وحرية اختيار، ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) وأرسل إليه الرسل وانزل إليه الكتب، ليعرف الطريق وتسقط عنه حجة الجهل ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) وعرفه بمعنى الحياة، والغاية منها ومصيره بعدها ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنه والينا ترجعون ) وقال تعالى ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) فلم تعد هناك حجة لمحتج، أو عذرا لمعتذر الأمور واضحة، والحياة ممتدة بين يدي الإنسان يمايز ويختبر ويختار ويعمل، فكل شيء في هذه الدنيا مخلوق لهذه الغاية ( هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم أحسن عملا ولئن قلت أنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) فهذه الحياة وكلما يملكه الإنسان فيها، وكلما يقوله أو يفعله، هي أدوات امتحانه واختباره ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما ءاتاكم إن ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم )فالتفاضل في الأرزاق، وفي العقول وفي المراكز والمناصب وفي العلم، كلها اختبار سواء ما كان منها بالعطاء أو السلب، فكل يؤدي دوره من خلال ما أعطاه الله أو منعه منه، فأما أن يودي ما طلب منه بمقتضى شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يقصر أو يحتج ويتجاوز، فكل مختبر بالحال الذي هو فيه، والصفة التي هو عليها ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) فالذي قد عرف الحياة على حقيقتها، وعرف الغاية منها والمصير المترتب عليها، لم يغرره حال من أحوالها، لا منع ولا عطاء لا صحة أو سقم، لا راحة أو تعب، قد عرف أن الغاية من كل ذلك هو الاختبار، وتحديد المسار، واختيار الدار، أما إلى الجنة وإما إلى النار، قال صلى الله عليه وسلم ( عجبا لأمر المومن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمومن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) فبقدر قوة الإيمان يكون قوة الاختبار، فالطالب في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة لا يكون اختباره مماثلا للطالب في الجامعة، ومن كان يختبر ليتم تعيينه محاسبا ليس كمن يختبر ليكون طبيبا، فكل لما يعدّ له وحسب قدراته وخلفياته، فليس اختبار الأنبياء والرسل كاختبار غيرهم من البشر، اختبر أيوب عليه السلام بالمرض وفقد الأهل والولد والمال، فصبر واستحق الثناء والفوز ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد انه أواب ) ونبي الله سليمان عليه السلام، أتاه الله الملك والسلطان، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أراد، وسخر له الشياطين وسخر له الطير،وأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي انك أنت الوهاب ) ومع ذلك لم يتجبر أو يتكبر، أو يقصر في حق ربه من الحمد والشكر والعبادة، فعندما طلب من جنوده وأعوانه، أن يحضروا له عرش بلقيس من عاصمة ملكها، التي غادرتها متجهة إليه، فأراد أن لا تصل ألا وقد سبقها عرشها، ليكون دليل لها على عظمة الإله الخالق الذي يعبده، لعلها تومن وتدع ما تعبد هي وقومها من عبادة الشمس من دون الله، فماذا حدث؟ قال تعالى ( قال يا أيها الملؤا ايكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك واني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءاشكر أم اكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم ) فلم يغرره ما هو فيه من قوة وسلطان، عن رد الفضل إلى صاحب الفضل عز وجل، وأداء حقه من العبادة والشكر بل عرف أن كل ما أعطي له إنما هو اختبار وامتحان .
نسال الله حسن توفيقه، وان يلهمنا الصواب والرشاد، وان يبصرنا بأمورنا، وان لا يفتننا بما يفضحنا ويكشف ضعف إيماننا، وان يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاب يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا ) صدق الله العظيم .

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  688
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:11 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.