• ×

10:14 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

وقفة مع التكريم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله وكفى، والصلاة على المصطفى، وعلى آله مصابيح الدجى، وصحابته الذين اجتبى، ومن تبعه بإحسان واقتفى . أما بعد
بمروري على صحيفتكم الموقرة، ومتابعتي لموضوع تكريم بعض الخريجين والمبدعين من أبناء فيفاء العريقة؛ الحفل الذي غطيتموه بكل حرفية وإتقان "أدام الله إبداعاتكم وتألقكم ". يسرني ويسعدني ويشرفني أن أشارككم الفرحة، و أشاطركم الرأي حول هذا الموضوع الملفت للأنظار؛ بالتعليق عليه، وإبداء رأيي فيه، والرد علي منتقديه، و دعم القائمين عليه، والمباركة للمكرمين فيه.
فكما تعلمون أيها القرّاء المثقفون، والأدباء المطلعون؛ بأن للتكريم عدة وجوه، وأن له دواعيَ وأسبابا ومبرراتٍ وأغراضا عديدة. وكما أعتقد أنا شخصيا، حسب تصنيفي المتواضع الخاص بي، وبناء على معرفتي المسبقة والمحدودة. بأن بعض أغراض التكريم يكون (تكريما تحفيزيا)؛ وهو -كما أعتقده- تكريما يقوم على التشجيع لا على التشييع، لأولئك الذين استحقوا التكريم لقاء عمل فعلوه، أو خير قدموه، أو إنجاز بلغوه، أو إبداع حققوه. وذلك أثناء بداياتهم أو خلال حياتهم العلمية أو العملية.
أشخاص سنين حياتهم أمامهم، وتطلعات مستقبلهم أملهم. طاقات فاعلة، وقلوب نابضة، ودماء ساخنة. أشخاص ما زالوا على قيد الحياة ينفّذون أقوالهم، ويؤدون أعمالهم، ويقدمون إنجازاتهم، ويتألقون بإبداعاتهم، ويخدمون مجتمعاتهم في شتي المجالات وعديد الصور.
كما أن هنالك تكريمٌ من نوع آخر اسميه في رأيي (تكريم تأبين)؛ وهو بظني اعترافُ مجتمع ما بفضل عالم أو عابد أو زاهد أو عَلَم من أعلامه، حالفه الحظ بذلك الاعتراف؛ قبيل تشييع جنازته بنيف من الزمان، وسابق مواراتها الثرى وإكرامه فعليا بدفنه في مقابر المسلمين إذا تيسر له ذلك، والعكوف على الدعاء له بالرحمة والمغفرة، والنياحة والبكاء على أعماله الكريمة، وإنجازاته العظيمة، وخدماته الجليلة؛ التي قدمها إلى مجتمعه والبشرية كافة. وذلك بعد أن أفنى سنين عمره أعواما، وسقى جيله والذين يلونهم أقواما، عصارة دهره وخبرته شرابا سائغا ومداما. فنصح وعلّم، وأنجز وقدّم، وصبر وصابر، واجتهد وجاهد. وفرض نفسه على مر سنين ماضيه الناصع، وسطر بيده صفحات أيام تاريخه الساطع. بعيدا عن أي تكريم متدارك، أو صحوة مجتمع متأخرة.
وهنالك أيضا (تكريم تخليد) مشابها لسابقه عدا من ناحيتين : الأولى؛ كون المكرم ميتا فعلا، أو مقتولا علي يد جيله حرقا أو شنقا، أو فيما معناه ذلك. ويكون هذا التكريم بإنشاء صرح فكري أو علمي باسمه أو بناء مسجد أو وقْف خيري على نيته؛ بتدبير جيل آخر يلي جيله الجاني؛ وهذا هوالفرق الثاني.
كما أن هنا وهنالك أنواع شتى، وأشكال عدة، لا يفيدني ذكرها في هذا المقام. فقط تطرقت إلى أكثرها شيوعا في رأيي، وأشملها عموما في نظري.
وخلاصة ما سبق بأني من حيث المبدأ مع ما سبق من أنواع للتكريمات (مجتمعة)، ولكني لست بضد إحداها منفردة. وأهمها عندي هو :(التكريم التحفيزي)، وذلك لما يترتب عليه من عائد، ويرجى له من طائل. بالإضافة إلى عدة أسباب تربوية إجتماعية، وفكرية نفسية أتوقعها ومنها، أولا: أن التكريم التحفيزي -في نظري- يبعث بحد ذاته على الإبداع والتميز، في حين أن الأنواع الأخرى مجرد اعتراف بموجود لا طائل من ورائه ولا عائد !
والسبب الثاني -في اعتقادي أيضا- بأن تكريم المتعلمين والمتفوقين أحرى وأجدى، وأمضى وأبقى، وأنفع وأصلح من تكريم العلماء الراسخين، والمبدعين السابقين. حيث ينتهي عادة الأخير وينسى بمجرد استعراض المواهب الخطابية، وتسليم الدروع التذكارية.
أما الثالث -كما أسمع- بأن تكريم براعم العلم والأدب لا يُنظر إليه سوى من ناحية نبيلة بحتة؛ في حثّ هذه البراعم على النمو والإزهار. في حين أن البعض ينظر إلي تكريم القامات العملاقة، والهامات العالية؛ على أنه مجرد وجاهة اجتماعية، ورغبة دفينة في التودد والتقرب إلى ذلك العلم الشامخ. ولست أنقل هذا الرأي لاقتناعي به؛ بل لكونه السائد لدى الكثيرين ممن أعرف.
أما السبب الرابع والأسباب كثيرة لدي؛ سوف أطرحه على هيئة تساؤلات :
الأول: هل تعتقدون بأن الشخص الذي بلغ من المراتب العلمية، أو أن المناضل من أجل قضية؛ حتى اعترف به القاصي والداني، وعلى مستوى الألقاب أو الرتب أو الرموز العالمية والدَولية بحاجة إلى مثل هذه التكريمات المعنوية ؟ التي قد يعتبرها نفس المكرَّم تحت مستوياته العلمية، أو دون رتبه العسكرية، أو أقل من موقعه الاجتماعي فيرفضها تواضعا، أو ربما غرورا، أو الأقرب إلى الصواب يرفضها من باب ( بدري ! )، والأمثلة على ذلك كثيرة وعديدة ومنها المثبتة لدى الصحيفة ومحفوظاتها.
والثاني: هل تعتقدون بأن الشخص الذي يزيد دخله الشهري على الخمسين ألف ريال، بحاجة إلى الدعم المادي في سبيل تحقيق طموحاته العلمية، أو تشريفاته الاجتماعية ؟ وهل تعتقدون من ناحية أخرى بأنه نفسه ملزم ويدين لأبناء مجتمعه بدعم مشاريعهم العلمية الصغيرة، وطموحاتهم الفكرية البسيطة ؟ وما الذي تعتقدونه سببا في الإهمال الحاصل من بعض قاماتنا، والتخاذل الواضح من معظم هاماتنا ؟ هل هم السبب أم نحن ؟ أم أن السبب هو ردة فعل ؟ هل نسيناهم سنين الزرع والكد والحرث والاستواء، فنسونا يوم الحصاد؟
والثالث يقول : هل تعتقدون بأن البذرة المهملة ستنمو في ظروف مثالية، و بيئة اجتماعية خصبة ؟ وهل تعتقدون بأنه عندما لا تتوفر لها تلك الظروف المثالية، ونمت بكل صعوبة رغما عن التصحر والجفاف، بأنها مدينة لتربتها بشئ غير جذورها وسيقانها اليابسة من بعد القطاف ؟
في حقيقة الأمر كل هذه التصنيفات والتقسيمات والتساولات عبارة عن فلسفة متناقضات بعضها منافٍ لبعض من حيث الفعل. ومتطابقات بعضها مطابق لبعض من حيث ردة الفعل. وبعيدا عن التلاعب المشين بالألفاظ، والاستعراض المقيت بالكلمات، وصولا إلى المقصود والمراد وراء كل ما سبق ذكره : فقد قام -كما تعلمون- مجموعة من الشبّان ورابطة من الأصدقاء ببادرة خير جميلة، ونقطة انطلاق جليلة، وثورة فكرية جديدة من نوعها في مجتمعاتنا حيث قاموا بتكريم بعض الموهبين والخريجين من أبناء فيفاء العريقة على مستوى متقدم يفوق الاحتفالات العائلية الصغيرة التي تقام لخرّيج ما من قبل عائلته لدى تخرجه. وكما رأيتم بأن هذا العمل الموفق- بأذن الله- ؛ قد لاقى الكثير من الترحيب والرواج، ممن لديهم الاطلاع التام على فكرته وبداياته وتطوراته وتنفيذه. كما نال نصيبه من الانتقادات شبه المشروعة لمن فاتهم الوقوف على معوقاته العديدة، وصعوباته المديدة التي تخفى على الكثيرين منا، فانهالوا عليه نقدا صريحا، هجوما وتجريحا. وذلك عندما بدأت بوادر الفكرة تولد قيصريا في مجتمعنا الحديث على يد ثلة من الشبان الطموحين الذين لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة وعلى رأسهم ابن فيفاء الواعد الشيخ/ عبدالله بن علي حسن السنحاني، الذي لم يفاجئني عند مجالسته لأول مرة، وتجاذب أطراف الحديث معه ؛ وذلك بهدوء طبعه ، وبأخلاقه النبيلة، ورزانة عقله، وثقافته الواسعة الطويلة التي ناقشت خبراتي، ونافست معلوماتي المتواضعة حتى في مجال تخصصي ! آسأل الله العلي القدير أن يشفيه شفاء لا يغادر سقما، ويعافيه من مرضه المزمن في أقرب وقت إنه على ذلك قدير مجيب الدعوات. كما لا يفوتني الإشادة بإخوته الأبرار، وأبناء عمومته الأخيار، وبالجيل الجديد الذي يحيط به من المثقفين والمبدعين والمتمزين في شتى المجالات. وأنا مع هذا التكريم قلبا وقالبا، وضمن مؤيديه بكل أحاسيسي وجوارحي، بشكل دائم وأبدي. لا سيما وأنه حلم اجتماعي طالما راودني، ورغبة عارمة لدي ؛ كثيرا ما تمنيت تحققها، وغبطة هذيت بها مرارا، ورددتها تكرارا، ونعيت حالنا عقب معايشتها لدى الغير يوما بعد يوم منذ تاريخها الذي كان قبل عامين. وذلك إثر دعوتي من قبل أحد الأصدقاء إلى إحدى حفلات تكريم خريجي الكليات العسكرية من أبناء قبيلة شمّر العريضة والذين فاق عددهم ذلك العام أربعمئة خريج، وكان ذلك بحضور شيخ شمل قبائل شمر / بن جربا "حفظه الله" . فأدركت آن ذاك بأننا لاحول ولاقوة إلا بالله.
وعندما أسس هؤلاء الشبّان أركانا لاهتمامات جيل جديد بدأ البعض من المتهورين في إصدار الأحكام برمي تلك الأشجار المثمرة بأحجارهم المدمرة. دون علم مسبق بأن هذا التكريم هو مجرد بداية؛ اُشعل فتيلها أولائك الفتية نحو المستقبل، فقدحوا شرارتها بسرعة فائقة؛ بعيدا عن التسويف والتأجيل وانتظار المكرمات الجماهيرية. أوالدعم المادي الصريح والتبرع المالي المباشر من قبل شيوخ وسادة وأصحاب رؤوس الأموال وكافة أبناء قبائل فيفاء. مما أفقد ذلك التكريم بحق وبكل وضوح معنى الشمولية التي يستحيل على أي بداية في هذا الكون يكون مصدرها بشري بحت أن تكفلها. وكلي أمل فيكم أيها القراء الأعزاء وفي مشائخنا وسائر أبناء فيفاء الولادة؛ بالوقف إلى جانب هؤلاء الشبيبة المخصلون، ودعمهم ماديا ومعنويا، وإكمال مشوارهم الذي بدؤوه، وإتمام عملهم الذي أقاموا أركانه وأسسوه، ومؤازرتهم مستقبلا في سبيل الرقي والتقدم بدفة التعليم في ربوع ديارنا الغالية فيفاء. كما أطمع وعيني لا يملؤها سوى التراب في إنشاء جمعية خيرية، أو وقف تجاري يستغل عائده في مثل هذه الأعمال الجديرة بالاهتمام. وقد يسوقني طمعي هذا إلى مد بصري إلى ما متعت به بعض العوائل التي عَرَفت نزرا كريما من أبنائها. وعلى وجه التحديد عوائل نجدية متحضرة أجزم بأن أبناءها قد نسوا مقادير الديات، فجعلت على ذلك من جمعياتها الخيرية ممولا رئيسيا لأبناء الثانويات منهم للسفر أثناء عطل الصيف إلى الخارج كمجموعات تلتحق بأعرق المعاهد البريطانية والأمريكية والكندية. وذلك لتلقي العلوم الطبيعية الأساسية وعلوم اللغة الإنجليزية السائدة، والانفتاح على الثقافات العالمية الأخرى، في سن مبكرة قبيل التحاقهم بالجامعات الحكومية، أوالبعثات الخارجية، وتمهيدا لخوضهم في غمار التنافس الشريف في حقول التعليم العالي، مما منحم التفوق الواضح على أقرانهم من سائر المجتمعات الأخرى. ولا يزال هذا الطموح مطروحا، وقابلا للتنفيذ إن شاء الله تعالى. وبالعودة إلى تكريمنا الذي أرقنا في مضاجعنا، وأحرمنا الرقاد؛ في كون التكريم باسم شيخ شمل قبائل فيفاء، وإنها لهي البشرى وزيادة. لا نذير خوف أو تشاؤم من عنصرية تحاك ضدنا تحت الطاولات وخلف الأبواب الموصدة ! كون هذا الشيخ الكبير مقاما وعمرا يشرف حفنة من أبنائه الصغار، ويكرمهم شخصيا رغما عن مشاغله الكبيرة، وارتباطاته الكثيرة، لا سيما في وقت أيام العيد. وإن دلّ ذلك على شئ فهو: اهتمامه الفائق بالعلم والتعليم؛ الذي يظهر لكم جليا هنا، وقد ظهر لي شخصيا عندما كان يسألني في كل مناسبة سبق والتقيته فيها عن عام تخرجي ومتى سيكون ؟ بالإضافة إلى دلالة أخرى لا تخفى على أحد وهي تواضعه الجم الذي يشهد به عدوه قبل صديقه.
وأقول هنا وبالله التوفيق والسداد ! بما أن الشيوخ لدينا هم عبارة عن سلعة رائجة نمرّ على ذكرها مدحا أو ذما أو ذما آخر، في كل موضوعاتنا المتكررة، وبما آن شيخ الشمل قد نال ما ناله من النقد في عدة مناسبات -حاله حال الشيوخ الآخرين- وعلى كافة الأصعدة الإعلامية . لدرجة أنه إذا التقى شاب وفتاة يعبثان في أحدى منتديات التعارف؛ تكون شيوخنا ورموزنا أحد محاور حديث العشاق ! لذا فليتأكد هؤلاء؛ بأن الشيخ مجرد واجهة لقومه، إذا قوَموه وأعانوه اعتدل، وإذا شاوروه ونصحوه امتثل، وإذا أكرموه وشرفوه اصتقل؛ فعلى شأنه ومن ثم شأنهم. وإذا عابوه وخذلوه خَبى ، وإذا انتقدوه وجرّحوه عَرى، وإذا أسلموه وتركوه حَفى. فوهن ومن ثم وهنوا. والجدير بالذكر هنا "شهادة حق أقولها وأدين بها أمام الله" لأنها الشئ الوحيد الذي يمكنني أن أشفع به له أمام بعض ألسنتنا الحداد، بأن بيت شيخ الشمل وبيوت إخوته مفتوحة على مصراعيها لصغيرنا قبل كبيرنا، وبأن صدورهم أوسع من بيوتهم لمن أراد منا المناصحة و االتشاور أو حتى الانتقاد والتجريح من باب التصحيح ! وهلم جره ولا يلي المشايخ سوى الخدمات! فمن ناحية الخدمات وما إلى ذلك فهي كما أعرف مسؤولية الدولة -على وجه العموم- ثم بالتالي مسؤولية الحاكم الإداري -على وجه الخصوص- الذي زار المنطقة لأكثر من مرة، ورأى وضعها الحالي على طبيعته بالعين المجردة. واطلع على ما خفي واستتر من قبل المشايخ. وهذا هو دورهم، والمطلوب منهم، وقد قاموا بذلك خير قيام، وعلى أكمل وجه؛ بكل شفافية ووضوح ووبكل صراحة متناهية. لا سيما أثناء الزيارة الأخيرة لصاحب السمو الملكي الأمير/محمد بن ناصر بن عبدالعزيز آل سعود"حفظه الله" إلى المنطقة. والذي وعد فيفاء وأبناءها خيرا كثيرا، ولا يزال سليل المجد وابن الأسود عند وعده، وكما تعلمون بأن بداية كل نمو وازدهار هي محاربة الفساد الإداري المستشري في معظم إدارات وبلديات المنطقة المعنية وقطاعاتها الخاص. وقد عمد أميرنا المحبوب "أطال الله في عمره " إلى ذلك منذ سنوات عديدة وعمل عليه، تلى ذلك تركيزه الحالي الواضح على استحداث البنى التحتية، وإنشاء الخدمات الأساسية؛ التي كانت جازان المدينة عينها تفتقر إليها، ناهيكم عن المحافظات التابعة لها. هذا وكل شئ بقدر؛ فقدروا الأمور بقدرها. وكل تقدم ونمو وازدهار وليد مصابرة ومثابرة واجتهاد، وكله إلى وقت معلوم فأعطوا التطور حقه، وأنزلوه منازل وقته، والقادم "بأذن الله تعالى" أفضل وأشمل وأكمل. هذا والله أعلم وبالله التوفيق والسداد.

 12  0  1058
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:14 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.