• ×

12:55 مساءً , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

الوطنية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بالنظر للأنظمة والمدونات الفكرية يتبين أن الوطنية تعني اجتماع في دولة لها حدود مرسومة على مجموعة مبادئ استراتيجية محددة وأخرى عامة ثقافية وفكرية، يُكَرَّسُ الانتماء لها عبر وسائل رسمية وغيرها، وتختلف تلك المبادئ من نظام إلى آخر تبعا لدينه وفكره وثقافته.
والمواطنة هي الهوية التي تـتكون من ذلك الانتماء، فتولد سلوكا قيِّما يحافظ على كافة المقدرات المعنوية والحسية ويزيد من تـنميتها في شتى المجالات النافعة.
والقبول أو الرد لمبادئ الوطنية إنما يكون بالرجوع للكتاب والسنة وليس لما سواهما.
وقبل الغوص في (الوطنية والمواطنة) لا بد من معرفة هذه المسميات ولوازمها وتبعاتها لنحكم عليها بناء على فهم وإدراك لحقيقتها، ومن المسلمات أنه ليس من الإنصاف الحكم على شيءٍ دون معرفة حقيقته ولوازمه وتبعاته .
إن الوطنية هي الانتماء الغريزي والفطري والنفسي لوطننا الذي ولدنا ونعيش فيه، أو استـقرينا واستوطنا فيه.
والشريعة الإسلامية السمحة لا تعارض ذلك، ولا تعارض النسبة للبلد الذي نشأ أو استوطن فيه؛ فيقال : مكي ومدني وعراقي وشامي ومصري .. الخ، ولا تعارض النسبة للقبيلة؛ فيقال: القرشي والقحطاني والتميمي .. الخ، شريطة أن لا يكون ذلك من باب الفخر أو الطعن، أو للتـنصل من الدين.
كما لا تمنع الشريعة من محبة تلك الصنعة أو القبيلة أو ذلك البلد ما لم يكن فيه غلو وإفراط، أو مخالفة شرعية.
والشريعة الإسلامية السمحة جاءت بضبط الإنتماء للوطن بضوابط شرعية؛ كـ: أن يكون الإنتماء للوطن انتماءً فطريا وشرعيا لا غلو فيه ولا تعصب، ولا يكون الانتماء للتراب أو العِرْق أو الهموم المشتركة مع بقية المواطنين دون التـفات للدين، مثل تفضيل من كان داخل حدود الوطن وإن كان كافرا أو مبتدعا أو فاجرا على غيره ممن هو خارج الوطن وإن كان من أهل الإيمان والاستـقامة !! فهذه وطنية محرّمة.
أَمَّا «الوطنية الشرعية» التي تبنى على الشرع فإنه لا محذور فيها، كما أن الوطنية التي يخالطها بعض المخالفات لا ترفض بالكلية بل يحافظ عليها وَتـُنَمَّا وتكرس فيها الأحكام الشرعية والمفاهيم السليمة، مع إبعاد تلك المخالفات واستبدالها بأمور مشروعة أو مباحة ما أمكن، فإن غلبت المحاذير على المصالح صارت من المحرمات.
فالميزان "الكتاب العظيم" و"السنة الشريفة"، هما الحكمان على كل شيء وعليه يجب الأخذ في الحسبان ما يأتي: ــ
أولاً: أن حب الوطن فطري قد جبلت عليه النفوس، فلا ينكر.
قال البخاري: «باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة»، قال الحافظ ابن حجر: « وفي الحديث دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه »([1]).
وفي الحديث: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)
قال السهيلي: «وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه»([2]).
ثانياً: أن المسلم الذي يكون من بلاد غير إسلامية لا يستـنكر عليه حبه لوطنه محبة فطرية، فإن كانت محبته له محبة دينيا حرم ذلك، كالمسلم الذي يحب والدته وهي على غير دينه محبة فطرية لا ينكر عليه بل هذا مما جبل الله تعالى النفوس عليها، فإن أحبها محبة دينية وقع في المحذور.
إذا تـقرر هذا فإن محبة الوطن محبة فطرية غير مستـنكر، فإن كانت بلاد للمسلمين ويقومون فيها شعائر الإسلام وإن لم يحكم فيها بالإسلام زادت محبتـنا لها لكون أهلها من المسلمين، فإن كانت كذالك ويحكم فيها ببعض أحكام الإسلام زادت محبتـنا على تلك المحبة، فإن كانت تحكم بالإسلام زادت محبتـنا لها، فإن كانت مما فضلها الله على غيرها من البلاد كـ: مكة والمدينة وبيت المقدس زادت محبتنا لها، وجميع تلك الزيادات في المحبة من المحبة الدينية التي نرجو فيها من الله تعالى الثواب ومضاعفة الأجر.
أن الوطن غير الإسلامي إذا أحبه المسلم المنتسب إليه غير مستنكر ما دام أنه يحبه حبا فطريا وليس دينيا، فطري، كمن يحب
ثالثا: أن تضبط الوطنية بقواعد الشريعة بحيث تكون مبنية على الشرع فهو الحاكم عليها لا العكس.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . [الحجرات:13]
وقال جل جلاله: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . [المجادلة:22]
وبهذا يقال: أن الوطنية لا تعني الارتباط باسم الوطن مجردا عن الدين بل الدين هو الأساس، فمن ضعف دينه قلّ حب المؤمنين له ومن زاد زدنا في حبنا له، فـ(يحب المرء لا يحبه إلا لله)([3])، كما لا تـلغي الوطنية محبة المؤمنين خارج الوطن، +إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات:10] فنحب كل المؤمنين بحسب إيمانهم، بل من يكون خارج الوطن وهو صالح فيما يظهر لنا فإننا نحبه أكثر من محبتـنا ممن هو دونه في الصلاح وهو من وطننا، ويجب لهم علينا ما توجبه الشريعة وتحرض عليه، من المحبة والمولاة والنصرة والنصح والإيثار.
كما أن الوطنية والانتماء الوطني لا يلغي الإيثار، والنصح ومحبة الخير للمؤمنين.
كما أننا لا نحب ونبغض وننصر ونعطي ونمنع بناء على الوطنية إنما الميزان في ذلك أحكام الشريعة.
وبهذا يظهر الفرق بين «الوطنية الشرعية» والوطنيات الأخرى؛ القومية والعنصرية المناطقية، والقروية والقبلية، وغيرها من الوطنيات الجاهلية.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة (الوطنية والمواطنة) على ثلاثة اتجاهات: ـ
الاتجاه الأول: المقدسون للوطن لذاتـه أو ترابـه أو لغته .. دون مراعاة للفطرة أو اعتبار للإسلام وأحكامه، فالأخوة عندهم تـنطلق من الوطن ! والاجتماع ينبعث من الوطن ! والرابطة هي العرق أو اللسان أو تراب الوطن .. لا غير، والتحاكم لغير كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ ببعضهم الأمر إلى أن جعلوا الوطن معبودا مع الله تعالى، يقول أحدهم:

إذا أراد الشعب الحياة = لا بد أن يستجيب القدر
ويقول الآخر :

آمنت بالبعث ربا لا شريك له = وبالعروبة دينا ماله ثاني
وهذا الصنف (من الغلاة) واقعون في العدوان والجهل ومناقضة الفطرة ومخالفة الشريعة.
كما أن هذا الفكر المتطرف كان من أسباب بعض ردود الأفعال التي وقفت من الوطنية والمواطنةعلى الطرف الآخر وهي:
الاتجاه الثاني: الرافضون للوطنية والمواطنة بكل أشكالها؛ سواء كانت صحيحة شرعية، أو خاطئة محرمة.
وفي هذا مناقضة للفطرة ومخالفة للشريعة، فالوطنية السليمة تكوِّن فكرا واعيا وتكرس مفاهيم مستقيمة، والمواطنة الصالحة تعني السلوك الذي يـبني الفرد بناء سليما في علاقته مع الله تعالى ومع نفسه ومجتمعه والعالم من حوله، فيحقق المصالح الدينية والدنيوية وفق الشريعة الإسلامية وضوابطها وأصولها التي تحقق السعادة والنجاة والتوازن الفطري والعاطفي والنفسي.
الاتجاه الثالث : التـفصيل في الوطنية والمواطنة، فإن كانت على نحو من طريقة القول الأول فمحرمة، وإن كانت على وفق الشريعة والفطرة فهي مشروعة.
وهي تعني: الانـتماء والمحبة الفطريين للوطن، بالإضافة للمحبة والانتماء الشرعيين إن كان بلدا تـقام فيه شعائر الإسلام ويحكم فيه بالشرع، وهذا الانتماء والمحبة يجب أن تحققان : ــ
1 -المصالح الشرعية، وهي العدة الإيمانية، ومن ذلك رعاية المصالح الكبرى؛ من جمع كلمة المسلمين، والمحبة في الله تعالى، والتآلف والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، من النصح لله وكتابة ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم، والتقرب لله تعالى بنبذ الفرقة والاختلاف، ومنع أسباب ذلك، والحرص على الوطن الإسلامي، بالتعاون مع ولاة الأمور من الأمراء والعلماء.
2 -المصالح التـنموية، وهي العدة المادية، ومن ذلك المحافظة على المقدرات والثروات المادية، والعمل على تنميتها وتطويرها وإعداد الكفاءات المؤهلة التي تستـثمر تلك المقدرات والثروات وتعمل على تـنميتها.
ومن هذا المنطلق أصاب أصحاب هذا القول الحقَّ بإذن الله تعالى وتوفيقه، حيثُ وافقوا الفطرة الإنسانية بالانتماء إلى الوطن والدفاع عنه، ومن جهة أخرى فإنهم امتثـلوا أمر الله U بالاجتماع على إمام يسوسهم بالشرع، وامتنعوا من أسباب الفُرقة والاختلاف.
ومن هنا فإن المواطنة الحقَّة هي المشاركة في تنمية الوطن وتقويته، وحمل هَمِّ الوطن المسلم، لا أن يحمل الوطن همهم، وبهذا حققوا شعب الإيمان من تحقيق التوحيد والسنة والاجتماع على ذلك، ونشر العلم، والقيام بالدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والعمل بالعلم النافع والعقل الراجح، والعمل الجاد لخدمة وطنهم دينيا ودنيويا، والدفاع عنه في أحلك الظروف؛ حين تـتـفرق الجموع الضالة وتـتجارى بها الأهواء.
فالمؤمنون صادقون ومحقون في هذه المواطنة، حيث إن جمع الكلمة ونبذ الفرقة من طاعة الله U قال تعالى : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). [آل عمران:103]
وقال تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). [الأنفال:46]
وطاعة ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية هي من طاعة الله U قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). [النساء:59]
وهذه البلاد المباركة اجتمع فيها انـتماءان وحُبَّان: انتماء وحُبٌ فطري، وانتماء وحُبٌ إيماني.
كيف ونظامها الأساسي للحكم شرعي نقي يعد غرّة في جبين التاريخ المعاصر من قرأه يتذكر عصر صدر الإسلام، وقد جاء في مقدمته تحت عنوان: «مبادئ الدولة» العبارات التالية:
«تمثل الدعوة الإصلاحية التي قامت على أساسها الدولة السعودية الركيزة التي اعتمد عليها الحكم فيها، وتـقوم تلك الدعوة على أساس إقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتطبيق مبـادئ الشريعـة الإسلاميـة، وإصلاح العقيدة و تـنقيتـها من البدع، وهي بذلك تستمد مبادئها من المبادئ الإسلامية الصحيحة التي كانت سائدة في صدر الإسلام».

إننا نعـتز بالانتماء لهذا الوطن الإسلامي، نعـتز بالانتماء لوطن أصبح حاضرة العالم الإسلامي، وخاصة ما يتعلق بالعلوم الشرعية والعلماء الراسخين، نعـتز بولاة يعلنون التمسك بالشريعة ويدعون إليها ؟! نعـتز بالانتساب لبلد رايته المرفوعة توحيد الله تعالى واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، نعـتز بالانتساب للبلد الوحيد الشامخ المُعْلِنِ لتطبيق شرع الله تعالى، نعـتز بالانتساب لبلد تُقام فيه شعائر الإسلام جهارًا، نعـتـز ولا فخر ببلد نظامه الإسلام...





د.أحمد بن محمد بن عثمان المنيعي عميد المركز السعودي لدراسات واحاث الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية ..

(بمناسبة اليوم الوطني خاص لصحيفة فيفا اون لاين)

 2  0  691
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:55 مساءً الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.