• ×

05:18 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

سُلطان القلوب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سُلطان القلوب



=مَضى طاهِرَ الأَثوابِ لَم تَبقَ رَوضَةٌ
=غَداةَ ثَوى إِلّا اِشتَهَت أَنَّها قَبرُ
=ثَوى في الثَرى مَن كانَ يَحيا بِهِ الثَرى
=وَيَغمُرُ صَرفَ الدَهرِ نائِلُهُ الغَمرُ
=عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَقفاً فَإِنَّني
=رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ

رحم الله سلطانَ بن عبدالعزيز، وليَّ العهد الأمين، سلطان العطاء والخير، فقد مضى بالفعل طاهر الأثواب، عاطر الذِّكر، تلهج القلوب بالثناء على فضله وبذله وعطاياه. أذكر، وأنافي المرحلة الثانوية، زيارته رحمه الله إلى الحدود الشمالية، وزيارته عرعر، وأنا ممن درسوا في تلك المنطقة، أذكر ذلك الحفل المهيب الذي ألقى فيه خالي الشاعر الأستاذ سلمان بن محمد الحكمي الفيفي، قصيدة منها قوله:


=مَرْحَى أبا خالدٍ بُوْرِكْتَ مُبْتَسِمًا
=في كُلِّ مُعْضِلَةٍ تَغْتَالُ كُلَّ فَمِ
=كَمْ دَمْعَةٍ كَفْكَفَتْها كَفُّكُمْ فَغَدَتْ
=تِبْرًا على الخَدِّ بَعْدَ الحُزْنِ والأَلَمِ
=سُلْطانُ والجَيْشُ والإِقْدامُ إِنْ ضَرِمَتْ
=نارُ الوَغَى و اسْتَشَاطَتْ جَذْوَةُ الضَّرَمِ

بالفعل كان سلطان كذلك، وليس ذلك لسان الشعر والمديح،فهو يجمع قيم الإنسانية والقوة في شخصه، إنه صاحب الأيادي الإنسانيّة البيضاء على المواطن والوطن، وعلى المقيم والإنسان أينما كان، بل على الطبيعة والبيئة. فالأمير سلطان، غفر الله له، كان رائد الاهتمام بالبيئة والحياة الفطريّة في المملكة، فخيره يشمل الإنسان وغير الإنسان. ستظلّ بصمات أعماله في الذاكرة، شواهد على تاريخ من العمل الدؤوب المخلص في شتّى المجالات، على المستوى المحلّي والدوليّ.
كما أذكر أنني قبل، خمس سنوات تقريبًا- مع بعض زملائي في مجلس الشورى- ذهبنا للسلام عليه في مكتبه. وقد دهشنا لتنظيم وقته بين استقبال الزائرين، وإمضاء بعض الأوراق الكثيرة التي كانت على مكتبه، فاستأذَنَنا لإنهاء تلك الأوراق والعودة إلينا. وجلس على مكتبه أمامنا بكل تواضع لإنجاز ذلك العمل. لقد كان مشهدًا لافتًا في شخصيّة المسؤول، يجسّد مدرسةً في الشعور بالمسؤولية،كان يقرأ كل ورقة على مهل ويسأل عن بعض ملابساتها، ولا يَكِلُ مثل هذا العمل إلى غيره. ثم حين فرغ من ذلك، جعل يعتذر بأنه قد سهر الليلة البارحة لدراسة بعض تلك المعاملات، وكان لا بُدّ من الانتهاء منها قبل أي شيء. وبأريحيته المعهودة جعل يحدثنا عن المواطن، مؤكّدًا أنه وإخوته لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ملوكٌ أو أمراء بل هم مواطنون قبل كل شيء ومأتمنون، وأن الشعب هو مصدر قوّة أي بلد ومنبع تفوّقه.
لقد عاش سلطان رحمه الله رجل الدولة، رجل المواقف، رجل الدفاع، الباذل في سبيل الوطن والبناء والبرّ والخير ما يشهد به القاصي والداني. وكما قلتُ في سياق آخر، سيظلّ سلطانُ، وإن مضى إلى بارئه، نشيدًا على كلّ لسان:


=يا خَيْـرَ كَـفٍّ وسَيْفٍ للوَغَـى ، فإذا
=سُلْطـانُ يُذكرُ، هَبَّ العِطْرُيدَّكِرُ

إننا في هذا المصاب الجلل، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، لنرفع أحرّ التعازي إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وإلى سموّ الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، وإلى الأسرة الملكية الكريمة، والشعب السعودي كافّة، سائلين الله تعالى أن يتقبّل فقيد الوطن الغالي في الفردوس الأعلى من الجنة، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
(عضو مجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملك سعود)
الثلاثاء27 ذو القعدة 1432هـ

 3  0  765
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:18 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.