• ×

01:33 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

إطلالة على الأوتوقراطية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


إطلالة على الأوتوقراطية


تعريف الأوتوقراطية:
الأُوتوقراطية: هي الإدارة المركزية أو ما يسمى بالإدارة الاستبدادية.
وهي مصطلح يطلق على الحكومة التي يرأسها شخص واحد، أو جماعة، أو حزب، لا يتقيد بدستور أو قانون بعينه، ويتمثل هذا الحكم في الاستبداد في إطلاق سلطات الفرد أو الحزب، وتوجد الأوتوقراطية في الأحزاب الفاشية أو الشبيهة بها، وتعني الكلمة باللاتينية الحكم الإلهي، أي أن وصول الشخص للحكم تم بموافقة إلهية، والأوتوقراطي هو الذي يحكم حكمًا مطلقًا ويقرر السياسة دون أية مساهمة من الجماعة، وتختلف الأوتوقراطية عن الديكتاتورية من حيث أن السلطة في الأوتوقراطية تخضع لولاء الرعية، بينما في الدكتاتورية فإن المحكومين يخضعون للسلطة بدافع الخوف وحده.

معنى الأوتوقراطية:
الأوتوقراطية بالإنجليزية: (Autocracy‏) هي شكل من أشكال الحكم، تكون فيه السلطة السياسية بيد شخص واحد بالتعيين لا بالانتخاب. كلمة "أوتوقراط" أصلها يوناني وتعني (الحاكم الفرد، أو من يحكم بنفسه).
"استبدادية" هنا معنى اصطلاحي ناتج عن تعريب الكلمة، وقد تعرّب أحيانا بالدكتاتورية لكن في الواقع، هناك فرق في المعنى بين هذه المفردات، فالأوتوقراطية ليست مرادفة لـ الشمولية، حيث أن هذه الفكرة اختلقت للتفريق بين الأنظمة الحديثة التي ظهرت في عام1923م وبين الدكتاتوريات التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، الأوتوقراطية ليست مرادفة لـ الدكتاتورية العسكرية، فهناك مثلاً الأوتوقراطيات الليبرالية التي تحترم حقوق وحريات الأفراد.
مصطلح الملكية أيضاً يختلف عن الأوتوقراطية في أنه يعكس صفة توريث الحكم هذا بالرغم من أن بعض الملكيات السُلافية، بالأخص الأباطرة الروس كانوا يحملون لقب "أوتوقراطي".
تاريخياً، العديد من الملوك حكموا بشكل أوتوقراطي ولكن في نهاية الأمر ضعف نفوذهم وتلاشى بعد أن كتبت وأقرت الدساتير التي أعطت الشعوب القوة لصناعة القرارات بأنفسهم من خلال ممثليهم في الحكومة.
يحتاج الأوتوقراطي إلى نوع من مساعدة أفراد نافذين ومؤسسات في المجتمع من أجل أن يستطيع أن يحكم سيطرته على الشعب. قلة هم الحكام الذين تمكنوا من أن يبسطوا نفوذهم عن طريق الحضور أو الكاريزما أو المهارات فقط، من غير مساعدة الآخرين. أغلبية الأوتوقراطيين اعتمدوا على طبقة النبلاء، والعسكر، أو الزعماء الدينيين أو آخرون، الذين بدورهم قد ينقلبون على الحاكم أو يقتلونه. لذا، قد يصعب معرفة الفرق بشكل واضح بين الأوتوقراطية والأوليغارشية التي تعني حكم القلة.

الشخصية الأوتوقراطية:
وهي شخصية تتواجد في المجتمع، ولكنها تواجهنا كثيراً في إدارة الأعمال، تستمد قوتها من السلطة الإدارية الأعلى منها، وأن المسؤولية قد منحت لها وحدها ولا تتعدى غيرها، وتهمل هذه الإدارة السلطة الغير رسمية وهي سلطة تمنح لها جانب من المرؤوسين.
ومن السمات المميزة لهذا النوع من الإدارة ما يلي:
1- إصدار الأوامر والتعليمات التي تتناول كافة التفصيلات.
2- الإصرار على طاعة المرؤوسين، والاستبداد بالرأي، واستخدام التخويف والترهيب.
3- هي شخصية غير ودية في أسلوبها وتعاملها.
4- تلتزم بحرفية الإجراءات ولا تحيد عنها.
5- دورها هو الدور الرئيسي إذا تقوم بجميع الأعمال الفنية الهامة، أما دور المرؤوسين فهو دور ثانوي فلا يقومون بأي عمل إلى باستشارتها.
6- ينعدم الحوار بينهما وبين العاملين وخاصة بالأمور ذات الصلة بالعمل.
7- تقود وتأمر وتوجب وتصدر القرارات والتعليمات وتتأكد من تنفيذها، وعلى المرؤوسين أن يتبعوها.
8- تنعدم قدرتها في قدرات واستعدادات مرؤوسيها وتقلل من قيمتهم الشخصية.
9- تضع من الطرق والوسائل ما يحقق سير العمل سيراً منتظماً ودقيقاً.
10- تتضمن هذه الإدارة بالعمل بدرجة كبيره.
11- لا تهتم بعقد الاجتماعات الدورية للتشاور مع العاملين.
12- تقوم على فكرة الزعامة وغالباً ما تتعرض العلاقات بين الرئيس والمرؤوسين بشتى الأضرار وتسوء علاقاته الخارجية مع أفراد المجتمع.
13- يظل تماسك العمل مرهون بوجودها وعند غيابها ينفرط عقد المجموعة ويضطرب العمل.
14- أن أهم ما يميز هذه الشخصية هو الحزم والانضباط في الإدارة والعمل.
15- عدم تقبل هذه الشخصية للنقد الموضوعي أو التراجع عن ما يصدره من تعليمات حتى وإن أدرك أنها تعليمات عير صحيحة أو خاطئة.
16- الاجتماعات التي يعقدها تكون في أضيق الحدود وغير دورية وبدون جدول أعمال؛ كما أن وقت الاجتماع قصير وغير كافي لمناقشة الآراء ووجهات نظر العاملين معه، وغالبا ما تقتصر الاجتماعات على التعليمات فقط.
17- في الأمور التي تصعب عليه لا يناقش العاملين فيها.
وبعد السرد لأهم خصائص تلك الشخصية الأوتوقراطية سنتناولها في ضوء الفكر الإداري التربوي المعاصر:

الأوتوقراطية في ضوء الفكر الإداري التربوي المعاصر:
1- هذا النوع من الشخصية يحدث تحسين في تأدية العمل والنمو الذاتي للعاملين ولكن بدرجة ضعيفة جداً في الإنتاجية، وغالبا ما يسود الخمول في الإنتاج وعدم التطور السريع في الأعمال.
2- روح التعاون الاختياري بين الرئيس والمرؤوسين تكون منعدمة بل بين المرؤوسين بعضهم ببعض.
3- الثقة تكون معدومة بين العاملين بينهم وبين بعض في ضوء هذه الشخصية الأوتوقراطية.
4- الإدارة هي مصدر القرارات والتعليمات الفردية والتأكد من تنفيذها، ويؤكد الفكر الإداري المعاصر على أن اتخاذ القرارات دون مشاركة العاملين قد يحدث خطأ كبيراً وسلبية في إنتاج القرارات. كما يفقد المرؤوسين الشعور بالرضى والفخر المصاحب للمشاركة في اتخاذ القرارات وعدم إعطائهم الفرصة للتقدم والنمو.
5- هذا الأسلوب يضعف روح البحث والتفكير والابتكار بين العاملين.
6- أن العاملين تحت رئاسة النمط الأوتوقراطي يؤدون أعمالهم تحت سيطرة الخوف وفي جو من القلق والرهبة؛ مع انعدام الرقابة الذاتية. بينما يؤدي الفكر المعاصر على أن الفرد إذا توافرت حرية المسؤولية يكون قادراً على الابتكار وتحقيق ذاته والالتزام بقيم علياً، ويراقب نفسه مراقبة ذاتية سليمة للكل.
ويتضح مما سبق أن الشخصية الأوتوقراطية في الإدارة للأعمال المختلفة تتبع أسلوباً ونمطاً مرفوضاً من وجهة نظر الفكر الإداري المعاصر.
وهنا سوف نلخص أهم النتائج السلبية للسلوك الأوتوقراطي في إدارة الأعمال في ما يلي:
1- ضعف الإنتاجية.
2- انعدام التعاون وكراهية العمل.
3- ضعف العلاقة الإنسانية.
4- كثرة القرارات الخاطئة.
5- انخفاض الروح المعنوية.
6- انعدام الإبداع والابتكار.
7- ضعف الرقابة الذاتية من قبل الشخصية الأوتوقراطية.
8- القلق والاضطراب لدى المرؤوسين.
9- الثقة منعدمة بين الجميع.
10- قلة فرص النمو لدى الجميع.
فهذه الشخصية يتضح من خلال السلبيات أنها ضارة على إنتاجية العمل، ومعرضة للفشل وابتعاد المرؤوسين عن العمل وقلة الثقة بين الجميع في هذه الدائرة.
فالتربية وإدارة التخطيط للفكر المعاصر تساهم في ابتعاد هذا النوع من الأشخاص، وتقليل فرص عملهم لما لها من تأثير سلبي على المجتمع والأعمال الأخرى من ناحية أخرى.
أتمنى في ختام ملخصي لهذه الشخصية أن تكون تلك النقاط التي اجتهدت في سردها لكم هي أهم ما يواجه الشخصية الأوتوقراطية من النواحي المختلفة، وأن أكون قد ألممت بها من جميع النواحي الشخصية والاجتماعية والفنية والإنتاجية.

القيادة الأوتوقراطية:
يعرف هذا النوع من القيادة بأسماء مختلفة كالقيادة العسكرية، أو القيادة الاستبدادية (الديكتاتورية). ويعود تاريخ هذه القيادة إلى العصور الأولى من تكوين الإنسان لمجتمعه، حيث كانت القوة ضرباً من ضروب الحياة، ويتميز هذا النوع من القادة بسلوكه التعسفي المستمد من السلطة المخولة له.
يعتمد هذا القائد على السلطة الرسمية المخولة له بموجب القوانين والأنظمة، ويميل القادة الذين يستخدمونه إلى حصر السلطة فيهم، والانفراد في عملية اتخاذ القرارات، ووضع الخطط والسياسات دون مشاركة المرؤوسين في ذلك، و يتم عمل الجماعة بمشاركة القائد وتوجيهه المباشر، وغالباً ما يكون سبب ذلك عدم ثقة القائد بإمكانات المرؤوسين في اتخاذ القرار المناسب. وإذا أُطيع القائد الأوتوقراطي المتسلط، فإن ذلك يتم تجنباً للعقاب الذي قد يفرضه على المسؤولين.
ويركز هذا النوع من القادة على المهام المطلوبة، وعلى إنتاجية الجماعة، دون الاهتمام بمشاكل العاملين، ومعنوياتهم. ويتم أداء العمل بكفاءة عالية في الفترات الأولى أكثر منه في ظل القيادة الديمقراطية. كما أن الإنجاز يستمر في مستواه العادي بحضور القائد، ولكنه يقل عن ذلك في حال غيابه.

أنواع القيادة الأوتوقراطية:
يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من القيادة الأوتوقراطية:
الأول: الأوتوقراطي العنيد المتشدد، والمتمسك بتطبيق القوانين والتعليمات.
الثاني: الأوتوقراطي الخيّر، الذي يحاول أن يستخدم كثيراً من الأساليب المرتبطة بالقيادة الإيجابية، من خلال الثناء والعقاب البسيط، كي يضمن طاعة مرؤوسيه.
الثالث: الأوتوقراطي المناور الذي يوهم مرؤوسيه أن يشركهم في اتخاذ القرار، وهو في الواقع يكون قد انفرد باتخاذه،.
والقيادة الأوتوقراطية المتسلطة تتمثل في الإدارة التقليدية بكل مواصفاتها.

الأوتوقراطية الليبرالية:
الأوتوقراطية الليبرالية (Liberal Autocracy‏): هي نظام حكم غير ديمقراطي تكون فيه السلطة بيد شخص واحد غير منتخب لكنها تحترم حقوق وحريات أفراد الشعب كونها تتبع مبادئ الليبرالية. ويذكر الكاتب الأمريكي الهندي الأصل "فريد زكريا" أنه حتى القرن العشرين كانت أغلب الدول في أوروبا الغربية تحكم بهذا النظام، أو في أحسن الأحوال بنظام شبه ديمقراطي.(1). فمثلا كانت الإمبراطورية الهنغارية النمساوية تحكم بنظام "الأوتوقراطية الليبرالية الكلاسيكية(2)".
ويذكر مثالاً أقرب إلى زمننا هو هونغ كونغ التي كان يحكمها التاج البريطاني حتى عام 1997م، ويقول أنها حتى عام 1991م لم يكن لديها انتخابات تستحق الذكر لكن حكومتها مثـّلت نوعا من "الليبرالية الدستورية" constitutional liberalism حيث حمت حقوق مواطنيها الأساسية وأدارت نظام محكمة عادل مع سلطة مركزية.
ويضيف الكاتب أن أكثر دول الغرب قد تبنـَّت منذ منتصف القرن التاسع عشر أجزاءً هامة من الليبرالية الدستورية التي تمثل سيادة القانون وحرية التملك الفردية وفصل السلطات وحرية الفكر والتعبير وحرية الجمعيات، بينما لم تكتمل الديمقراطية وحق الانتخاب فيها إلا بعد حوالي قرن من ذلك الزمان.
في المقابل فإن وجود ليبرالية حقيقية في كثير من هذه الأوتوقراطيات أمر مشكوك فيه، حيث لم تكن حرية الرأي والتعبير فيها بلا حدود. لكن هونغ كونغ كانت بالفعل تتمتع بحرية التعبير وكذلك حرية الجمعيات في الفترة المتأخرة من الحكم البريطاني رغم غياب حق انتخاب الشعب لممثليهم.
ويرى بعض الباحثين أن النظام في جمهورية مصر العربية قد بدأ يبتعد منذ عام 2005م عن الاستبدادية المطلقة من خلال زيادة الحرية الشخصية نسبياً متجها نحو الأوتوقراطية الليبرالية(3) وعلى النقيض من الأوتوقراطية الليبرالية هنالك ديمقراطية لا ليبرالية.

الدولة الأوتوقراطية (الدول العربية نموذجاً)
هي الدولة ذات الطبيعة السلطوية والتي جعلت الواقع في الدول العربية مزيجاً - لا يختلف عليه اثنان - من نزعتي القمع والقهر معاً بدعوى أن الحرية ليست سبيلاً للاستقرار الذي يجب أن نسعى إليه بأي ثمن وتحت أي ظرف من الظروف.
في واحد من تصريحاتها الأخيرة - والذي كررته مرة أخرى في محاضرتها بالجامعة الأميركية في القاهرة - تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن مسألة تتجاوز في أهميتها كل ما قالته عن الشرق الأوسط قبل ذلك الحديث وبعده.
لقد ذكرت أن الأنظمة في الشرق الأوسط اختارت الاستقرار بديلاً للحرية وكانت النتيجة أن شعوبها لم تعرف الاثنين معاً، فلا حرية لديها ولا استقرار أيضاً.
وفي ظني أن هذه المقولة هي من أعقل الأطروحات التي تقدمت بها الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأخيرة، والدليل على ذلك ما حدث ويحدث من ثورات في العالم العربي اليوم.
فشعوب المنطقة العربية تحديداً عانت كثيراً من غيبة الحرية كثمن للاستقرار وكلما تحركت تلك الشعوب - شان غيرها من شعوب الدنيا - قيل لها دائماً أن الاستقرار أجدى وانفع واستقراراً دائماً بحرية منقوصة أفضل من حرية تعاني من الاضطرابات والاعتصامات والمظاهرات وغيرها من لوازم الحريات، والأمر في تصوري يحتاج إلى الطواف حول النقاط الآتية:
أولاً: أن الصراع العربي الإسرائيلي أعطى دائماً مسوغاً جاهزاً للأنظمة الديكتاتورية كي تقهر شعوبها إن أرادت وأن تقمع صوتها متى شاءت، والمبرر واضح ومباشر وبسيط (فلا صوت يعلو على صوت أميركا) أحياناً، و(الاستقرار مطلب أولى بالرعاية) أحيانا أخرى، وهكذا اندمج الحلم العربي في دائرة الصراع، وتعذر على المواطن أن يستمتع بحريته أو يباهي بكرامته أو يطالب بحقوقه.
ثانياً: إن شرعية النظم العربية بدت دائماً مستمدة من سطوة القوة وليست نتيجة للديمقراطية، فتعودنا في العالم العربي على الحزب الواحد إن وجد، والحاكم الواحد وهو موجود دائماً، وتحولت حياتنا إلى ما يشبه حالة الانفصام في الشخصية التي تجعلنا نتحدث عن شعبية بعض النظم عندما نشير إليها علانية بينما هي تفتقر إلى ذلك بالكامل في الشارع السياسي.
ثالثاً: إن الدولة (الأوتوقراطية) ذات الطبيعة السلطوية جعلت الواقع في الدول العربية مزيجاً - لا يختلف عليه اثنان - من نزعتي القمع والقهر معاً بدعوى أن الحرية ليست سبيلا للاستقرار الذي يجب أن نسعى إليه بأي ثمن وتحت أي ظرف من الظروف.
رابعاً: إن طبيعة الدولة البوليسية في عالمنا العربي جعلت الحلول الأمنية مفضلة لدى النظم القائمة فتوقفنا عن العمل السياسي الذي حل محله النشاط الأمني وهو بطبيعته غاشم مسيطر لا رؤية له. لهذا فان غياب الرؤية جاء أساساً من اعتماد الحلول الأمنية على حساب الحلول السياسية على اعتبار أن الأمن أقصر طريق للاستقرار الظاهري، وأسرع تحقيقاً للضغوط المطلوبة على قوى الشارع إذا تحركت.
خامساً: أن هناك خلطاً لا يخفي على أحد بين حالتي الاستقرار والسكون، فلقد توهمنا في العالم العربي أن السكون يعني الاستقرار، بينما الأمر ليس كذلك على الإطلاق فالسكون حالة (استاتيكية) فيها جمود يؤدي إلى ترهل النظم؛ بينما الاستقرار حالة أخرى تتميز بتوازن القوى وسلامة الوجدان وقدرة الجماهير على التعبير عن آرائها والتصرف وفقاً لمعتقداتها، فسياسة التصفيات والأساليب القمعية يمكن أن تؤدي إلى السكون ولكن الاستقرار لا يتحقق إلا بالقدرة على ملكية عوامل أساسية في مقدمتها الديمقراطية الحقيقية والمشاركة السياسية الكاملة والوعي الوطني المستنير.
هذه ملاحظات أثارتها كلمات السيدة كوندوليزا رايس والتي لا نظن أنها كانت تعني بها كل هذه المعاني التي قدمناها ولكن لأنه حديث ذو شجون فإننا ننظر إلى ذلك التصريح بكثير من التقدير ونراه واحداً من أصدق التعبيرات الأميركية عن واقع الشرق الأوسط - وما اقلها - في السنوات الأخيرة، وقد يقول قائل: ولم هذا التحليل المتشائم وفي العالم العربي نماذج ديمقراطية تبدو كالجزر المعزولة التي لا يتركها أحد على حالها بل هي تعاني من كل المتاعب والمشكلات التي تأتيها من خارجها وليس بالضرورة من داخلها ولعل النموذج اللبناني يشكل جزءا من هذا الفهم؟ وإذا تأملنا كثيراً من النظم بعيداً عن العالم العربي فسيدهشنا وجود كثير من خارج الإطار الذي نتحدث عنه، فما أكثر النظم الشمولية التي قهرت الإنسان وقمعت التنظيمات السياسية وحافظت على استقرار شكلي هو في جوهره سكون صامت يخفي النار تحت الرماد، ومع ذلك قبلته الشعوب وراهنت عليه باعتباره يمثل في الظاهر حالة استقرار قد تدوم بينما واقع الأمر يشير إلى غير ذلك، ولعل الكتلة الشرقية في ظل النظام الشيوعي هي خير دليل على ما نقول إذ لم يتحقق فيها ما كانت تسعى إليه تلك الدول وما كانت تحرص عليه أنظمتها وفي اللحظة المناسبة انتهى الأمر إلى فراغ حقيقي، لذلك فإننا نعتقد أن الذين قايضوا الاستقرار الوهمي بالحرية السياسية إنما سقطوا في الاختبار الحقيقي الذي واجهته الأنظمة المعاصرة وإذا قرأنا تصريح السيدة رايس مرة أخرى فإننا ننظر إليه في إطار يقوم على منظور الإصلاح الذي تراه الولايات المتحدة الأميركية لهذه المنطقة من العالم ولنا على ذلك تعليق النقاط الآتية:
۱- إن العقلية الأميركية سواء على المستويين الدبلوماسي أو الإعلامي تتحدث عن الشرق الأوسط ككتلة واحدة، وهو أمر لا نتفق معها فيه بل إننا نرى المنطقة من منظور آخر يقوم على منطق السرعات المتفاوتة أخذاً في الاعتبار أن درجة الاستقرار ومستوى الحرية لا يمثلان معاً نسقاً واحداً بين الدول العربية، ولذلك فان عمومية الحديث تجعله يفتقر إلى المصداقية ويصم كل الأنظمة بنفس الصفات.
۲- إن حديث وزيرة الخارجية الأميركية ليس خالصاً لوجه الله والعروبة ولكنه - شأن غيره من الأحاديث الأميركية في السنوات الأخيرة - يأتي نتيجة أحداث سبتمبر/أيلول ۲۰۰۱م ولا يعبر عن الحرص على الإصلاح في المنطقة بقدر حرصه على المصالح الأميركية فيها والرغبة في التخلص من بعض الأنظمة وإحلال نظم أخرى محلها تكون أكثر ولاء (لواشنطن) بغض النظر عن درجة ديمقراطيتها.
۳- أن الجانب الايجابي في تصريح السيدة رايس يكمن في صدقها عندما تشير إلى أهمية الاستقرار في المنطقة بالنسبة إلى بلادها رغم أن الشعوب دفعت الثمن الباهظ لذلك متمثلاً في القدر الكبير من سلطوية الأنظمة الفردية واستخدامها المفهوم المغلوط للاستقرار في خدمة سياسات القهر والقمع والتسلط.
4- دعونا نعترف في شجاعة بوجود الدورة الشريرة للحياة السياسية في المنطقة العربية وهي التي بدأت بالاستعمار ثم انتقلت إلى مرحلة الاستبداد ليعود الاستعمار من جديد؛ فلقد ملأت الأنظمة العربية الدنيا صخباً وضجيجاً تحت مظلة مقاومة الاستعمار وتصفية وجوده في دولها؛ بينما مارست في الوقت ذاته أبشع أساليب القهر واشد أنواع الدكتاتوريات وطأة واستبداداً، وهو الأمر الذي أدى إلى شيوع الإرهاب وانتشار العنف والذي استدعى بدوره الاستعمار من جديد وجاء بالوجود الأجنبي إلى المنطقة مثلما حدث في العراق، ولذلك فان الدول العربية عانت معاناة مزدوجة من الاستعمار والاستبداد معاً وهما اللذين تعاقبا على شعوبها في العقود الأخيرة.
5- إن تصريح السيدة رايس يحاول أن يبشر بمرحلة جديدة لا تقايض فيها الدول العربية استقرارها بحريتها بل هي تطلب الاثنين معها وتسعى لهما في آن واحد ولا تفرق بينهما ما دام الأمر متصلاً بقدرتها على اللحاق بركب التطور والمضي نحو الإصلاح الحقيقي وليس مجرد الإصلاح الشكلي الذي ينطلق أحيانا من الولاء (لواشنطن) ومحاولة إرضائها.
إن تصريح السيدة كوندوليزا رايس عن أن الشعوب العربية دفعت حريتها الحقيقية ثمناً لاستقرارها الزائف هو تصريح يستحق العناية ويستوجب الدراسة ويلفت الانتباه لأنه يعني قبل كل شيء أن الشعوب العربية دفعت الثمن الفادح في كل المراحل سواء كان ذلك الاستعمار الأجنبي أو الاستبداد الداخلي وأظن أن الشعب العراقي يمثل النموذج الأوضح لهذه الدائرة الشريرة(4).

الأوتوقراطية العربية:
عندما نتحدث عن الأوتوقراطية العربية نجدها في جميع نواحي حياتنا اليومية ابتداء من الأسرة والتي تأخذ الطابع الذكوري في مجتمعنا العربي؛ حيث من ينفرد بالقرار هو رب الأسرة ولا يمكن لأحد إن يشاركه القرارات سواء كان ذلك من قبل ربة المنزل أو الأولاد، فهو المتفرد الواحد والأوحد بالأسرة.
وأن كان ذلك في كثير من الأوقات يتسبب في مشاكل اجتماعية داخل الأسرة ينتهي معظمها بتفكك الأسرة وضياعها والضحية الوحيدة دائماً الأطفال.
ولاشك أيضاً في المؤسسة العملية للمواطن العربي، حدث ولا حرج عن الأوتوقراطية والدكتاتورية بحق العامل وإن كان يحمل أعل الشهادات العلمية فليس هناك منظومة عملية ناجحة بل ما يهم في أي مؤسسة عملية هو جني الأرباح على حساب العامل والمواطن .. لا يهم كثير تطور العمل والإنتاج أو الاحترافية العملية .. الربح وحدة هو اللغة التي يفهمها أرباب العمل، فلا وجود لروح الأسرة ولا العمل المشترك؛ فقط الإرباح والولاء المطلق وحده الذي يمكنك من صعود سلم النجاح، وليس التميز والإبداع هو البوصلة.
وأيضاً القبلية التي تميز بها العرب حيث شيخ القبيلة هو وحده من يملك صناعة القرار ويتفرد به دون الرجوع إلى القبيلة أو أخد الحكمة والمشورة، فقط بعض المقربين والأكثر ولاء يمكن لهم التدخل.
حتى إن الأوتوقراطية أصبحت هي التعامل بين الطبقات الاجتماعية حيث الطبقات الأكثر غنى يمكن لها التلاعب بالطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً.
بل وامتد الأمر للدساتير العربية والأنظمة العربية حيث لا يمكن محاسبة مسئول عربي أو حتى ابن المسئول فالقوانين تدار بعقلية اوتوقراطية(5).



===============================================
الهامش:
(1) صعود الديمقراطية غير الليبرالية، فريد زكريا، والشؤون الخارجية ، نوفمبر/ديسمبر1997م.
(2) قارئ الديمقراطية - ماريز سوندرا. طبع سنة 2002م صفحة 174.
(3) الأوتوقراطية الليبرالية في مصر. خليل العناني، مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط، صحيفة أخبار مصر.
(4) الحوار المتمدن - العدد: 3063 14/7/2010م.
(5) شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 30 كانون الثاني/2008 - 21/محرم/1429.
===============================================
المصادر:
1- مجلة المعلم.
2- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
3- جوزيف سيغل، المستشار الرئيسي للحكم الديمقراطي في مؤسسة "البدائل التنموية" موقع يو إس إنفو.
4- جوزيف تي. سيغل و مايكل أم. وينشتاين ومورتن أتش. هالبرن/جريدة المدى العراقية.
5- د. عادل ظاهر/ مجلة تحولات.
6- مصطفى الفقي/ جريدة الوفاق العراقية.
7- مجلس النواب البحريني.


 0  0  5259
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:33 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.