• ×

07:36 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

صفات مثالية لقاض و صاحب قضية (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


صفات مثالية لقاض و صاحب قضية
(الجزء الأول)
بقلم فضيلة الشيخ الدكتور : سليمان بن قاسم الفيفي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه
وبعد : الأداء المثالي في أي عمل من الأعمال يثمر إنجازاً وجودة في العمل لا سيما إذا أُدي العمل بأدب وحسن سلوك في التعامل مع أصحاب الحاجات .
والقضاء هو أكثر التصاقاً بحاجات الناس على شتى معتقداتهم ومشاربهم وصفاتهم ، وكثير من الحقوق المستحقة لا تأتي إلا عن طريق القضاء ، وعلية فالقضاء أهم مرفق يعلق عليه الناس آمالهم في حل منازعاتهم ، والمطالبة بحقوقهم ، وتوثيق ممتلكاتهم ، والقاضي الذي يؤدي عمله بصبر واحتساب ، وبجد واجتهاد وإتقان يثاب من الله على عمله سواء أصاب الحق أو أخطأه ، وبحسن أدائه يكسب رضاء الناس واستحسانهم وثناءهم عليه ودعاءهم له .

وللمشاركة في تثقيف الناس حول هذا الموضوع الهام أقدم هذه الكلمة للدلالة على المثاليات الراقية في القضاء والمطالبة بالحقوق تحت عنوان ( صفات مثالية لقاض وصاحب قضية ) أهديها لمن هو في حاجة إليها مستوحاة من النصوص الشرعية ، وأقوال العلماء ، ومن خبرتي في القضاء واطلاعي على بعض القضايا وأسلوب نظرها ، لعل الله ينفعني بها ، وينتفع بها من يطلع عليها ، وستكون موضوعاتها تحت العناوين التالية :

القضاء وأهميته

قال الله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( النساء ٥٩ ).

هذه الآية توجب على المؤمن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأولي الأمر ، والمراد بطاعة الله إتباع ما جاء في كتاب الله ، والمراد بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعته في حياته ، وإتباع سنته بعد وفاته ، والمراد بأولي الأمر من ولي أمر المؤمنين من الحكام ، وكذلك العلماء الذين يقع على عاتقهم بيان الحكم الشرعي المستنبط من الأدلة الشرعية ، وإقامة العدل بين الناس .

إن دولة الإسلام الأولى قامت في المدينة المنورة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ، حيث قام صلى الله عليه وسلم بنشر دعوة الإسلام وقواعده السمحة ، وأقام العدل بين الناس ، ولكونه صلى الله عليه وسلم مرسلا إلى الناس كافة كما قال تعالى :وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سبأ: ٢٨

فقد بلغ الناس بما أرسل به إليهم فأرسل البعوث إلى الأمصار لدعوة الناس لدين الله الحنيف ، والحكم بينهم ، ومن ذلك بعثه معاذاً إلى اليمن حيث بين له طريق دعوة الناس الذين بعثه إليهم وسياسة أمورهم ، وأرشده إلى البداية بالأولويات والأهم فالأهم ، فقال له صلى الله عليه وسلم : [ إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ] . متفق عليه ، فهذه كلمات موجزة ممن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم تنظم أسلوب الدعوة إلى الله وحل مشاكل الناس .

مؤسسات الدولة

الإنسان مدني بطبعه ، والمجتمع المدني يحتاج إلى أن يتعايش أفراده مع بعض ويقتضي ذلك أن يتبادلوا السلع والمنافع ، وذلك يتطلب أن تضبط وتنظم تصرفاتهم ومعاملاتهم ، والشريعة الإسلامية في أحكامها متسقة مع هذا النهج السليم المستقيم ، لذلك لا بد لجماعة المسلمين من دولة تسوس أمورهم ، وترسي الأمن في مجتمعهم ، وتحل النزاع فيما بينهم وهو المعني بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً النساء59 .

إن مؤسسات الدولة التي تقوم بتنظيم أمور الناس ورعاية مصالحهم وحل مشاكلهم وإرساء العدل بينهم تتكون من ثلاث جهات رئيسية هي :-

أولاً ـ جهة مشرعة للأحكام التي يجب على الناس الاحتكام إليها ، وهي في المجتمع الإسلامي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراجع الشرعية والفقهية التي يرجع إليها لمعرفة الحكم الشرعي للنازلة عند التنازع ، ويلحق بهذا سن النظم والتعليمات التي تنظيم أمور الرعية بما في ذلك تنظيم المرافعات القضائية ، وهذه الجهة قد تكون الملك ، أو مجلس الشورى ، أو أي جهة أخري يعهد إليها بذلك .

ثانياً ـ الجهة القضائية التي تنظر في المنازعات التي تحصل بين الناس ، وتطبق الأحكام الشرعية ، والأنظمة المرعية على القضايا محل النزاع ، وتحكم فيها مستندة في حكمها بالأحكام الشرعية ، والأنظمة المرعية التي تتعلق بتلك القضية .

ثالثاً ـ الجهة التنفيذية ، فلا خير في حكم لا نفاذ له ، والجهات التنفيذية في مجتمعنا قد تكون الأمارة ، أو الشرطة ، أو الحقوق المدنية ، أو قاضي التنفيذ أو أي جهة أخرى يعهد إليها ولي الأمر بتنفيذ الأحكام القضائية .
أهمية القضاء
إذاً فالقضاء ركن أساسي للدولة ، والقضاء العادل المنظم يساعد على ضمان الحقوق ، وبذلك يأمن الناس ويطمئنوا على أموالهم وحقوقهم الناتجة عن المعاملات المختلفة في التجارة والصناعة والاستثمار ، وعليه فوجود قضاء عادل سريع في الإنجاز يساعد على الأمن والاستقرار وانتعاش التعامل بين الناس حيث يطمئن الناس على أموالهم ، وضمان حقوقهم عند التنازع ، وكل ما كان القضاء عادلاً في أحكامه ، سريعاً في إجراءاته ، حازماً في أعماله كل ما اكتسب ثقة الناس واطمئنانهم ، وبذلك يسود الأمن والانتعاش الاقتصادي والتجاري في المجتمع ، والعكس بالعكس .

الصفات المثالية في القاضي
وظيفة القاضي في دولة الإسلام ، وظيفة دينية يترتب عليها رجاء من يقوم بها على الوجه المطلوب الأجر والثواب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وهي في نظر الناس وظيفة اجتماعية مرموقة ، ومركز رفيع القدر والمستوى ، لذلك ينظر الناس للقاضي نظرة احترام وتقدير ، وكيف لا يكون كذلك والمفترض ألا يتولى القضاء إلا من توفرت فيه عشر خصال ذكرها الفقهاء في كتب الفقه أنقلها من كتاب المقنع لابن قدامة ـ رحمه الله ـ صحيفة ( 607 / 3 ) قال : يشترط في القاضي عشر صفات هي : أن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً حراً مسلماً عادلاً سميعاً بصيراً متكلماً مجتهداً . ، وقال : والمجتهد هو من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز ، والأمر والنهي ، والمجمل والمبين ، والمحكم والمتشابه ، والخاص والعام ، والمطلق والمقيد ، والناسخ والمنسوخ ، والمستثنى والمستثنى منه ، ويعرف من السنة صحيحها وسقيمها ، ومتواترها وآحادها ، ومرسلها ومتصلها ، ومسندها ومنقطعها مما له تعلق بالأحكام ... الخ
إذًا فشروط تولي القضاء شروط عالية المستوى ، وصفاته رفيعة المكان والقدر لا يرتقي إليها إلا الأكفاء أصحاب الهمم العالية ، فحق للقاضي أن ينظر إليه باحترام وتقدير لعلمه ومكانته الاجتماعية ومركزه الرسمي ، فينبغي له أن يكون على قدر المسئولية ، فيطبق العلم الذي تعلمه ورفع قدره ومكانته ، فهو من الذين قال الله تعالى عنهم :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة: ١١ وقال تعالى :شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ آل عمران: ١٨ ،
وبما أن القاضي يفترض منه الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد المظالم وإنصاف المظلوم فعلى من يتولى القضاء ان يتحلى بالصبر والاحتساب ليصدق عليه قول الله تعالى :( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * الا الذين امنوا وعملوا الصالحات * وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر ،
وليكون من السبعة الذين ذكروا في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ سبعة يظلهم الله قي ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم : إمام عادل ... ] الحديث متفق عليه ، ومن الذين ذكروا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم ، وأهليهم ، وما ولوا ] رواه مسلم .
وعلى القاضي أن يعلم بأنه يتعامل مع طبقات مختلفة من الناس ، فمنهم التقي والفاجر ، والمسلم والكافر ، والمتعلم والجاهل ، والحكيم والأحمق ، والعاقل وضعيف العقل ، مما يجعل عمله شاقاً ، والأجر على قدر المشقة ، فإذا احتسب الأجر عند الله في عمله ، وجد واجتهد في معرفة الحق والحكم به فإنه يؤجر سواء أصاب الحق أو أخطأ ما دام قد بذل جهداً في معرفة الحق والحكم به بدليل ما جاء في حديث عمرو ابن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإن حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ]. متفق عليه ، ولكن الأجر في حال الخطأ قد قيد في هذا الحديث بالاجتهاد في طلب إصابة الحق ، فإذا اجتهد في طلب الحق فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، وهو أجر الاجتهاد ، وعليه فإنه يخشى على الذي يرتجل الأمور ارتجالاً ولم يبذل جهداً في معرفة الحق والتعرف عليه أن يكون من أهل النار ـ والعياذ بالله ـ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ القضاة ثلاثة قاضيان في النار ، وقاض في الجنة : قاض قضى بالهوى فهو في النار ، وقاض قضى بغير علم فهو في النار ، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة ] رواه الطبراني في الكبير ، ويجب على القاضي أن يعلم بأنه في إصدار أحكامه ، والتوقيع عليها بأنه يوقع عن الله ـ عز وجل ـ فينبغي للقاضي أن يبذل أقصى ما عنده من الاجتهاد لمعرفة حكم الله في القضية ، وقد يعينه على ذلك ما يلي :-
1 ـ الاجتهاد في طلب العلم وكثرة القراءة ، والاطلاع على النصوص الشرعية ، وأقوال العلماء فيما يتعلق بالقضية التي ينظرها .
2 ـ يصغي باهتمام للمترافعين أمامه ليستوعب ما يدلي به الخصمان في القضية من أقوال وبينات ومستندات والتي سوف يبني عليها حكمه لأن القاضي لا يجوز له أن يحكم بعلمه وإنما يحكم على ضوء ما يسمع من الخصمين . لحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إليّ ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها ] متفق عليه .
3 ـ يجتهد في معرفة ما يتعلق بالقضية من أنظمة وتعليمات صادرة من ولي الأمر لأن الحكم لا يصح إذا خالف الأنظمة المتعلقة بالقضية .
4 ـ مما يساعد القاضي على معرفة الحق : الاطلاع على النظائر للقضية من القضايا السابقة ، وكذلك استشارة من له علم وخبرة في القضاء .
5 ـ أن يعزم على إيصال الحق لصاحبه ، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه ، وأن يستشعر أهمية وظيفته ، ونظرة الناس إليه ، وعظم الأمانة التي حملها فاستشعار ذلك يدعوه للحرص على أداء الأمانة التي تحملها على الوجه المطلوب .


يتبع ــ في الحلقة الثانية

 6  0  1733
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:36 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.