• ×

02:08 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

صفات مثالية لقاض و صاحب قضية (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ينبغي للقاضي أن يكون أسوة وقدوة لغيره في المثالية
القاضي بما لديه من علم شرعي ، ومكانة اجتماعية ، ومركزً رسمي فإنه يصدر في المجالس ، ويسمع قوله ، ويمتثل توجيهه وأمره أو نهيه ، وإذا كان تقياً ورعاً ملتزماً في عمله وسلوكه ومعاملاته مع الناس الآداب الشرعية فإنه بذلك يكون أسوة وقدوة لغيره ، ومثلاً أعلى للشباب الذين يتطلعون إلى المثل العليا التي يتحلى بها علية القوم .
لذا ينبغي للقاضي ألا يهدر هذه المنح التي وهبها الله له ، وأن يتحلى ويتزين بها ، وأن يخالط الناس لينتفعوا بعلمه وسلوكه ، وألا يحتجب عنهم إلا في الحالات التي يتطلب عمله ذلك ، وينبغي ألا يترفع ويتعالى عليهم ، بل يتعامل معهم برفق ولين جانب في حدود المعقول الذي لا يخرجه عن الوقار الذي ينبغي أن يتحلى به ، هذا إذا كان خارج مجلس القضاء ، أما إذا كان في مجلس القضاء بين الخصوم فإنه ينبغي له أن يتحرى العدل بينهم في مجلسه ولحظه وكلامه ، وإذا رأى منكراً أو مخالفة شرعية ينبغي له أيضا أن يعلم وينكر بأسلوب حكيم تبرأ به الذمة ، ولا يستفز الناس بأمره ونهيه فينفروا منه .
ويحذر أن يكون غرضا وهدفا

وليحذر القاضي أن يكون فظاً غليظاً ، عابس الوجه مقطب الجبين ، لا يتكلم إلا رمزاً ، ولا يرد حتى على السلام إلا همساً ، ولا يتيح لصاحب حاجة التعبير عما في نفسه ، وشرح قضيته وحاجته ، ولا يكون أسلوبه الزجر والنهي ، وربما الطرد والإخراج من المجلس أو التهديد بذلك ، فهذا الأسلوب الذي يقع من بعض القضاة بحجة إضفاء الهيبة والوقار على شخصيته هو أسلوب الفاشل العاجز الذي لا يليق بطالب علم وصاحب مركز اجتماعي مرموق أن يتصف به ، ولا يصح من قاض جلس لحل مشاكل الناس ونزاعاتهم أن يتحلى بذلك لأنه يخالف ما كان عليه قضاة السلف والخلف من هذه الأمة ، وهو يدل على قلة العلم والحكمة ، وضعف الشخصية .
إن القاضي يتعامل مع طبقات المجتمع على اختلاف أحوالهم ، فمنهم المتعلم والجاهل ، والكبير والصغير ، والرجل والمرأة ، ومع ذي الهيئة والوضيع ، ومع العاقل وضعيف العقل ، بل مع التقي والفاجر ، والمسلم والكافر ، والمعاملة الحسنة ، والعدل والإنصاف لا يخص بها القاضي أحداً دون أحد لقول الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ المائدة: ٨ . بل ربما كلمة طيبة وحسن خلق ومعاملة حسنة تكون سبباً لسرعة حل مشاكل معينة حيث تختصر الوقت والجهد ، ويقنع الناس ويرتاحون لأسلوب القاضي في حل النزاع فيما بينهم .
والقاضي الذي يتعالى على الناس ، ولا يحس بمشاكلهم ، ويسيء التعامل معهم ، ولا يقدر ظروفهم ، ولا ينزلهم منازلهم قد يكره من عامة الناس ويكون هدفاً لذكر مثالبه ومساوئه ، وربما الدعاء عليه إذا شعر أحد بالظلم ، وهذا ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة ] رواه الحاكم ، وقال الألباني حديث صحيح ، وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنها ليس دونها حجاب ] . رواه أحمد في مسنده ، وأبي يعلى في مسنده والضياء ، قال الألباني : حديث صحيح .

وينبغي للقاضي ألا يخضع لمزاجه وأحاسيسه البشرية

مما لا شك فيه أن القاضي بشر يحب ويكره ، يغضب ويرضى ، وهذه أحاسيس ومزاج بشري ينبغي للقاضي إذا جلس للحكم بين الناس أن ينسى هذه الأحاسيس والمشاعر حتى يستطيع العدل والإنصاف في حكمه ، ومن أجل ذلك نهي القاضي أن يقبل الهدية من أحد الخصوم ، أو أن يحكم بعلمه أو بظنه ، أو أن يحكم لقريب له ، أو لمن له صلة به بصهر أو مصلحة دنيوية حتى لا يدفعه ذلك للميل والمحاباة وعدم العدل في حكمه ، أو يتهم بذلك ، وإذا حصل له عرض يؤثر على مزاجه من مرض وحر وبرد وجوع وظمئ فإنه ينبغي له أن يؤجل الحكم حتى تزول تلك الأعراض ، يقول في كتاب المقنع صحيفة ( 610 / 3 ) : لا يقضي القاضي وهو غضبان ، ولا حاقن ، ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج . الخ ، وينبغي للقاضي أن يعلم بأنه في مجلس حكم يمثل العدل والإنصاف والحيادية التامة بين المتنازعين أمامه ، وأن أحكامه تبنى على ما يسمع من الطرفين ـ المدعي والمدعى عليه ـ وعلى ما يقدمانه من بينات ومستندات تتعلق بالقضية ، ولا يبني حكمه على الظواهر الموجودة في المجتمع ، ولا على الظن والشبهات وخصوصاً في الجنح التي فيها عقوبات ، وقد عزز ذلك نظام الإجراءات الجزائية ، تقول المادة [ 2 ] منه : لا يجوز القبض على أي إنسان ، أو تفتيشه ، أو توقبفه ، أو سجنه إلا في الأحوال المنصوص عليها نظاماً ... ، وتقول المادة [ 3 ] : لا يجوز توقيع عقوبة جزائية على أي شخص إلا على أمر محظور ومعاقب عليه شرعاً أو نظاماً وبعد ثبوت إدانته بناء على حكم نهائي بعد محاكمة تجري وفقاً للوجه الشرعي ) ، وينبغي للقاضي ألا تستفزه قوة الدعوى ولا كبر الجريمة المدعى بها فيخرج عن طور العدل والإنصاف ، بل ينبغي ـن ينصب همه على ثبوت القضية من عدمه مستصحباً في نفس الوقت قاعدة : البراءة الأصلية ، وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته ، وينبغي ألا يتأثر بكثرة الجرائم في المجتمع وخشية انتشارها فيه فيشتد في حكمه بدون بينة لأنه لا يصح أن يبني أحكامه على مجرد كره الجرائم والمجرمين فيكون ذلك سبباً لاستفزازه فيتحمس في الحكم قبل أن يتثبت من ثبوت التهمة ، ولا ينبغي أن يكتفي بالقرائن والشبهات وشواهد حال المجتمع لإدانة المتهم ، والتشدد في العقاب وعدم الاعتدال فيه بقصد ردع المتهم بالجريمة ، وجعله عبرة لغيره ، ومن الخطأ وعدم العدل أن يسبب القاضي لحكمه على المتهم بقوله مثلاً : نظراً لكثرة انتشار مثل هذه الجريمة في المجتمع مما يدعو للحزم والشدة في العقوبة ، وهذا التعليل للحكم من القاضي يتعارض مع قول الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ المائدة: ٨
هذه هي المواصفات المثالية للقاضي التي ينبغي له أن يحرص على التحلي بها ، وفق الله الجميع للحق والصواب .



 0  0  1001
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:08 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.