• ×

05:20 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

إطلالة على البراجماتية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
[justify][font=Times New Roman][size=4][b]
إطلالة على البراجماتية
بقلم . أ . محمد بن سالم الفيفي

تعريف البراجماتية:
البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني "براجما" ومعناه العمل، وهي مذهب فلسفي سياسي يعتبر نجاح العمل المعيار الوحيد للحقيقة؛ فالسياسي البراجماتي يدعّي دائماً بأنه يتصرف ويعمل من خلال النظر إلى النتائج العملية المثمرة التي قد يؤدي إليها قراره، وهو لا يتخذ قراره بوحي من فكرة مسبقة أو أيديولوجية سياسية محددة، وإنما من خلال النتيجة المتوقعة لعمل. والبراجماتيون لا يعترفون بوجود أنظمة ديمقراطية مثالية إلا أنهم في الواقع ينادون بأيديولوجية مثالية مستترة قائمة على الحرية المطلقة، ومعاداة كل النظريات الشمولية وأولها الماركسية.

نبذة عن البراجماتية:
البراجماتية (Pragmatism) مدرسة من إحدى مدارس الفلسفة نشأت في الولايات المتحدة في أواخر سنة (1800م).
وتعارض البراجماتية الرأي القائل بأن المبادئ الإنسانية والفكر وحدهما يمثلان الحقيقة بدقة، وهما مدرستي الشكلية والعقلانية من مدارس الفلسفة. ووفقاً للبرجماتية فان النظريات والمعلومات لا يصبح لها أهمية إلا من خلال الصراع ما بين الكائنات الذكية مع البيئة المحيطة بها.
ويعتبر مؤسسها "تشارلز ساندرس بيرس" (Charles Sanders Peirce) والذي عاش مابين (1839م 1914م)، أول من ابتكر كلمة البراجماتية في الفلسفة المعاصرة، وهو صاحب فكرة وضع (العمل) مبدأ مطلقًا؛ في مثل قوله: "إن تصورنا لموضوع ما هو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر".
وهو أشهر فلاسفة البراجماتية؛ تدرج في اهتماماته العلمية والفلسفية التي تلقاها في معاهد وجامعات أوربية وأمريكية حتى حصل على درجة "الدكتوراه" في الطب من جامعة هارفارد سنة (1870م)، وعين أستاذاً للفسيولوجية والتشريح بها، ثم أستاذاً لعلم النفس فبرز فيه وهو أول من أدخل لفظ البراجماتية في الفلسفة في مقال له بعنوان: "كيف نجعل أفكارنا واضحة" حيث ذكر فيه أنه لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما فإننا لا نحتاج إلا إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع.
أما "جون ديوي" (John Dewey‏ ) والذي عاش ما بين (1859م - 1952م) فقد وصف البراجماتية بأنها: "فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع".
وذهب "وليام جيمس" الذي عاش مابين (1842م - 1910م) إلى أن المنفعة العملية هي المقياس لصحة هذا الشيء. وذهب الفيلسوف الأمريكي "جون ديوي" إلى أن العقل ليس أداة للمعرفة وإنما هو أداة لتطور الحياة وتنميتها؛ فليس من وظيفة العقل أن يعرف ... وإنما عمل العقل هو خدمة الحياة.
ويقول "وليام جيمس" عن البراجماتية: "إنها تعني الهواء الطلق وإمكانيات الطبيعة المتاحة، ضد الموثوقية التعسفية واليقينية الجازمة والاصطناعية وادعاء النهائية في الحقيقة بإغلاق باب البحث والاجتهاد. وهي في نفس الوقت لا تدعي أو تناحر أو تمثل أو تنوب عن أية نتائج خاصة، إنها مجرد طريقة فحسب، مجرد منهج فقط.
وكما يؤكد "جيمس" الذي طور هذا الفكر ونظّر لها في كتابه "البراجماتية" Pragmatism، بأنها لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشياء مستقلة عنها. فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير، كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك؛ فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد؛ فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقه، بل ربما أمكننا أن نقول: إنها خاطئة.
ويتوسع في دائرة العمل بحيث يشمل المادي والخلقي أو التصور، وتثمر هذه النظرة للعمل اتساع العالم أمامنا، إنه عالم مرن، نستطيع التأثير فيه وتشكيله، وما تصوراتنا إلا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل.
أما أشهر فلاسفة البراجماتية فإنه "وليام جيمس" الذي تدرج في اهتماماته العلمية والفلسفية التي تلقاها في معاهد وجامعات أوربية وأمريكية، ويتبين من ترجمة حياته أن سبب اتجاهه إلى الفلسفة يرجع إلى سماعه لمحاضرة فلسفية ألقاها "تشارلز بيرس" الذي كان يعرض فيها مذهبه، فشعر "وليام جيمس" على أثرها وكأنه ألقى عليه رسالة محدده، وهى تفسير رسالة "البراجماتية".
ويُعرف "وليام جيمس" الحقيقة بأنها: "مطابقة الأشياء لمنفعتنا، لا مطابقة الفكر للأشياء".
ولاختصار الإحاطة بهذه الفلسفة فإن مدخل دراستها يقتضي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية في النظم والقيم، فنحن أمام مقولتين:
الأولي: ازدراء الفكر أو النظر.
الثانية: إنكار الحقائق والقيم.
أي بعبارة أخرى أكثر وضوحاً، فإن العمل عند "جيمس" مقياس الحقيقة، "فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة. ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها".
وقد نبتت فلسفته منذ بداية اهتماماته بها من حاجاته الشخصية، إذ عندما أصيب في فترة من عمره بمرض خطير، استطاع بجهوده بعد الله أن يرد نفسه إلى الصحة، فاعتقد أن خلاص الإنسان رهن بإرادته، وكان الموحي إليه بالفكرة المفكر الفرنسي "رنوفيير" الذي عرف الإرادة الحرة بأنها: "تأييد فكرة لأن المرء يختار تأييدها بإرادته حين يستطيع أن تكون له أفكار أخرى".
وكانت تجربة شفائه من المرض قد هدته إلى أهمية العمل ورجحت عنده الاجتهاد في العمل بدلاً من الاستغراق في التأمل "لأن العمل هو الإرادة البشرية استحالت حياة".
وتشكل هذه الفلسفة نظرة أتباعها إلى العالم. فإن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات، بل هو شيء كائن، وهو في الحق مجموعة من أشياء كثيرة، وليس من شيء يقال له الحق دون سواه.
إن الذي ندعوه بالحق إنما هو فرض عملي، أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام. ويلزم من هذا التعريف للعالم، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال "فما كان حقاً بالأمس - أي ما كان أداة صالحة أمس - قد لا يكون اليوم حقاً؛ ذلك بأن الحقائق القديمة، كالأسلحة القديمة؛ تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع".

معنى البراجماتية:
تهدف البراجماتية إلى إثبات أن المبادئ البشرية والذكاء البشري يعبران عن الواقع، وعلى هذا فهي تقف ضد مفاهيم المدارس الفلسفية التي تؤمن بالمنهجية والعقلانية.
يطلق على البراجماتية أحيانا "النفعية"، ذلك أنه يعتقد أنها تؤمن بأن الشيء النافع أو المفيد بطريقة عملية هو فقط الشيء الحقيقي أو الذي يجب وضعه في الاعتبار، وهو أيضاً أي شيء يمكن أن يساعدنا على البقاء على قيد الحياة في المدى القصير. ذلك الاعتقاد غير دقيق في الحقيقة، ذلك أن البراجماتيين يعتقدون أن ما يمكن وصفه بالحقيقي هو ما يمكن أن يساهم في جعل أكثرية البشر في حالة جيدة لأطول فترة زمنية ممكنة. كما تختلط البراجماتية أحياناً مع العقلانية، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً بينهما: حيث تعتبر البراجماتية أن الحقيقة أو التجربة أو الواقع يتغير، بينما ترى العقلانية أن الحقيقة قائمة منذ الأزل.
البراجماتية لا تعتقد بوجود حقيقة مستقلة، فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير، فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد؛ كما أن المنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقة، بل ربما أمكننا أن نقول: إنها خاطئة.
ويعني ذلك أن البراجماتية لا تقوم على معانٍ عقلية راسخة أو تصورات مسبقة. فهي لا تدعي وجود معتقدات ثابتة تزعم أنها وحدها هي الصحيحة دون ما عداها، وإنما ترتبط بالواقع التجريبي، وتنظر بعين الاعتبار إلى ما هو جزئي بدلاً من الاقتصار على النظر إلى الكليات. فالفلسفة البراجماتية لا تهتم بالانتهاء إلى نتائج فلسفية معينة، بقدر ما تهتم بطريقة البحث الفلسفي نفسه. إنها ليست فلسفة ذات معتقدات ثابتة أو مبادئ محددة لا تحيد عها.
تضع البراجماتية وزناً للاعتبارات الشخصية في عمليات المعرفة كافة، وترى أن المنطق يستند في الأساس إلى علم النفس. هذا الموقف الذي يقيم وزناً رئيساً للعامل الشخصي في عملية المعرفة يتناقض والنظرية التقليدية في المعرفة التي تصر على أن عملية الإدراك مستقلة ولا تستند بالضرورة إلى رغبات وغايات الفرد، رغم أنها لا تنكر وجود هذه الرغبات والغايات.
وترى البراجماتية أن التفكير لا يبدأ إلا حيث توجد مشكلة يراد حلها. فالتفكير ليس مجرد عملية تلقائية، لأنه لا يوجد إلا حيث تكون هناك حاجة ومناسبة تدعو إليه. ومقياس نجاحه هو في مقدار قدرته في التغلب على المشكلة أو قدرته على أن يبدد الشك والحيرة.
والوظيفة الأولى للتفكير هي حل المشكلة التي نواجهها، فإن الأفكار هي أدوات ننجز بواسطتها بعض النتائج المرغوب فيها. فالأفكار تساعدنا على أن نعمل شيئاً، أقرب إلى النجاح أفضل مما لو كنا نعتمد على الغريزة أو الاندفاع العاطفي وحدهما. مما يعني أن الأفكار لا تكون أفكاراً حقيقية إلا إذا كانت أدوات نستعين بها في حل المشكلات.
يعتبرها البعض امتدادا لأفكار "تشارلز روبرت داروين" (Charles Robert Darwin) عن التطور، ولعلم الإحصاء الذي استطاع أن يثبت أن هناك نوعاً من النظام في الأمور التي تبدو فوضوية وعشوائية. والملاحظ أن هناك الكثير من أوجه التشابه بين البراجماتية ومذهب البوذية، خاصة مفهوم "الكارما". لكن الشيء المؤكد هو أنه على مدى التاريخ، كانت البراجماتية هي الإسهام الأمريكي الوحيد في علم الفلسفة.

الفلسفة البراجماتية:
يعد الفكر الفلسفي الأمريكي نسيجاً من خامات متعددة مستوردة من مختلف أصقاع العالم، حمل بذورها أناس رحلوا عن بلدانهم باحثين عن الثروة والحرية، ويمثل هؤلاء الناس شريحة منتقاة من المتعلمين والمغامرين والرأسماليين.
وحمل هؤلاء معهم من ضمن ما حملوا أفكاراً تبشيرية وتأملات دينية ونبوءات توراتية وفنوناً جميلة وفلسفات متنوعة. وكل هذه وغيرها قد لعبت أدوارها في تشكيل الفكر الأمريكي.
وقد ورثت الأجيال المتأخرة من المهاجرين عن المهاجرين الرواد الجرأة والإقدام، والاعتماد على النفس، وحب المغامرة، والتحرر من التقاليد، وتوظيف العقل في تطويع الطبيعة، واعتبار التقدم المنجز والنجاح المادي الملموس دليلاً واضحاً على صحة السبل والوسائل التي يتبعونها، وهذه السمة تمثل جوهر الفلسفة البراجماتية.
لقد أثارت التركيبة السكانية للولايات المتحدة الأمريكية جدلاً عميقاً حول المفاضلة بين الأجناس التي كونتها، وقدرة البوتقة الأمريكية على صهر وتحليل هذه الأجناس واستيعابها، وإخراج عجينة أمريكية جديدة وسليمة ديمغرافياً واقتصادياً وسياسياً. من هذه العجينة نشأ جيلٌ جديدٌ ترك خلفه نقائصه وعيوبه، وراح يعمل وفق قواعد جديدة، بعيداً عن الكسل والفراغ، والاستسلام للفقر والعبودية.
في ظل هذا المجتمع الجديد، نشأت البراجماتية التي تؤمن بأن ظروف الحياة يمكن تحسينها بالتصميم على العمل المستنير بالعقل، وأن المثل الأخلاقية فارغة وعقيمة إذا انفصلت عن وسائل تحقيقها، وأن الحقيقة ليست ثابتة، بل هي في تغير دائم، وأن الإنسان قادر على إعادة تشكيل الظروف بعزمه وإرادته.
ظهرت البراجماتية كفلسفة أمريكية تمقت البحث النظري العقيم الذي يركز على كنه الأشياء ومصادرها، وأخذت تركز على نتائج الأعمال وعواقبها، وأجازت للإنسان أن يتخذ من أفكاره وآرائه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولاً، ثم السير بالحياة نحو السمو والكمال ثانياً.
وظهرت كردة فعل لموجات الفلسفة المثالية التي حملها المهاجرون الألمان، ووجدت صداها عند نفر من الشعراء والكتاب الأمريكيين مثل "إمرسن". ثم انتقلت بعد ذلك إلى نفر من الأساتذة الجامعيين المختصين في الدراسات الفلسفية، ومن أبرزهم "جوزيا رويس"، الذي كان أستاذاً للفلسفة في جامعة "هارفرد".
لقد أحس "جون ديوي" بقوة الأشكال المتنافرة للبيولوجيا الفلسفية، واستخدمها استخداماً نقدياً، ومن ثم راح يعد مذهبه الخاص في علم النفس، والذي ظهر كنص سنة 1887م. وشعر جماعة من خريجي "هارفرد" بضرورة التوجه نحو الفعل ونحو المستقبل وما سيتبعه من مسؤوليات كبيرة، فأمنوا بمنهج العلم التجريبي، واعتبروه منهجاً سليماً في التفكير، وقالوا: أن الفلسفة لا بد لها أن تقوم على أساس من العمل والخبرة والتجريب، ومنهم "تشارلز بيرس" و"وليام جيمس".
لقد عرف "بيرس" مصطلح البراجماتية من دراسة للفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" (Immanuel Kant) الذي كان يميز بين ما هو براجماتي وما هو عملي، فالعملي ينطبق على القوانين الأخلاقية، بينما البراجماتي ينطبق على قواعد الفن وأسلوب التناول، اللذين يعتمدان على الخبرة. وكان "بيرس" تجريبياً مشبعاً بعقلية المعمل، واهتم بالتفكير المنطقي وطرائقه في إيضاح المدركات العقلية.
أما "وليام جيمس" فيرى أن مصطلح البراجماتية مشتق من الكلمة اليونانية pragma التي تعني المزاولة والعمل، والطابع الذي ألبسه "جيمس" للبراجماتية هو الطابع النفعي، فكان يتعامل مع صدقية الأفكار من منطلق القيمة الفورية، وكان يقول: إن الفكرة كورقة النقد تظل صالحة للتعامل إلى أن يعترضها معترض ويثبت زيفها وبطلانها. وتستمر صدقيتها ما دامت سارية المفعول فنحقق بها ما نريد من أغراض.
أما "جون ديوي" فقد عُرف اتجاهه بــــ (الوسيلة) أو (الأداتية)، والوسيلة هي محاولة لتكوين نظرية منطقية دقيقة للمدركات العقلية، والأحكام والاستنباطات في شتى صورها، وتحاول إقامة تمييزات وقواعد منطقية تلقى تأييداً عاماً عن طريق استخلاصها من وظيفة العقل من حيث هو وسيط ومن حيث هو بناء.

الأصول الفلسفية للنظرية:
إذا كانت كل فلسفة لا بد لها من تربية تحيلها من معانٍ وأفكار في أدمغة الفلاسفة إلى سلوك وإجراءات يسير وفقها الإنسان في حياته، فإننا لا نستطيع فهم وجهات نظر البراجماتية التربوية ما لم نقف على المعالم الرئيسية لنظرتها الفلسفية. فالبراجماتية تعد منهجاً في التفكير أكثر منها نظرية عامة تتكون من أفكار ومواقف تجاه موضوعات وقضايا فلسفية، كالإنسان والقيم والمعرفة، وسوف تكون الصورة واضحة عند مؤسسي البراجماتية الرئيسيين، وهم: "بيرس" و"وليام جيمس" و"ديوي".

التفسير الإجرائي للمعنى عند بيرس:
على الرغم من تعدد وجهات النظر حول المقصود بالمعنى، فإنها تكاد تلتقي جميعاً عند معنى واحد وهو: أن شيئاً يرمز إلى شيءٍ آخر، وكلا الشيئين يكونان من كائنات العالم الواقع، فقد يلاحظ الإنسان ارتباطاً بين ظاهرتين طبيعيتين، بحيث إذا حدثت إحداهما تحدث الأخرى، كارتباط البرودة بالانكماش، والحرارة بالتمدد. فكما أن العلة قد تكون معنى للمعلول، فقد يكون المعلول معنى للعلة.
وأول فيلسوف بحث في المعنى بحثاً جدياً هو "سقراط"، الذي وجه جهده الأكبر لمناقشة المعاني المختلفة للمبادئ العقلية الكامنة وراء الظواهر السلوكية، للوقوف على المعنى الواضح السليم لتلك المبادئ والمفاهيم التي تصدر عن الناس في سلوكهم. واستمر الفلاسفة يتناقشون في مشكلة المعنى، واتجهوا اتجاهات شتى منها:
المدرسة الشيئية: التي تجعل المعنى حقيقة قائمة بذاتها في العالم الخارجي.
المدرسة التصورية: التي تجعل المعنى تصوراً ذهنياً قائماً في عقل الإنسان.
المدرسة الاسمية: التي تجعل المعنى كائناً في دلالة اللفظ على مسمياته الجزئية.
المدرسة البراجماتية: التي تجعل المعنى قائماً في طريقة السلوك إزاء لفظ معين، فإذا كان هناك تجريدٌ فإنه يكون لطريقة السلوك، وليس لصفات الأشياء.

معالم فكر جون ديوي:
يعتقد "جون ديوي" بتعذر الفصل بين الطبيعة البشرية والتجربة، فالتجربة جانب مهم من جوانب الطبيعة البشرية، أما الطبيعة فهي مصدر معرفتنا والأساس الذي تصدر عنه تصرفاتنا وتجاربنا، لذلك ألحّ على ضرورة اهتمام الفلسفة بمشكلات الإنسان في عالم يتغير باستمرار، واعتبرَ الأفكار أدوات لحل المشكلات الإنسانية، ووَصفَ خمسَ مراحل لحلّ المشكلة، وهي:
الإحساس بوجود مشكلة تستحق الدراسة.
التعريف بالمشكلة وتحديدها.
اقتراح حلول ممكنة للمشكلة، أو صياغة عدد من الفرضيات كحلول مؤقتة لها.
استنباط النتائج المُمكنة فكرياً.
التحقق مِن التجربة مِن أجل تأكيدها أو رفضها.
وأطلق "ديوي" على منطقه اسم (نظرية البحث)، وبها يعارض سائر النظريات المنطقية قديمها وحديثها، معتبراً أنّ أساس العلم في عصره قد تغير عما كان عليه سابقاً، فالعلم القديم كان يقوم على أساس الصفات الكيفية لا على أساس المقادير الكمية، والعِلم الحديث يهتم بالعلاقات القائمة بين الظواهر المختلفة، وينظر إلى الحركة على أنها ظاهرة متجانسة بشتى صورها وأشكالها. ونعَتَ مذهبَه بالوظيفي لاعتباره أنّ المعرفة آلة ينبغي توظيفها في خدمة متطلبات الحياة، وأنّ أهم ما يميز الخبرة اتصالها واستمراريتها، فتيارها متصل، يفضي كل جزء منها إلى الجزء الذي يليه. واهتمّ بالطريقة أكثر من اهتمامه بالإجابات المجردة، وقال: يجب عدم توقع إجابات نهائية وثابتة، والأفضل التعامل مع كل مشكلة إنسانية وقت ظهورها، لكي تطرح الحلول الممكنة في ظل مواقف الحياة الفعلية، وهو يرى أنّ معيار صحة الفكرة أو خطئها يكمن في فاعليتها ونتائجها في النشاط الإنساني، أي اختبارها في بوتقة الواقع، وأن وظيفة البحث ليست الوصف، بل التغيير لخدمة الأغراض الإنسانية.
وفي كتابه (الديمقراطية والتربية) لم ينقد "ديوي" النظرية الفردية، كما فَعَلَ "جان جاك روسو" في كتابه (إيميل)، كما أنه لم يقم بنقد (النظرية الاجتماعية) كما فَعَلَ "هيجل"، ولكنه دافع عن مجتمع ديمقراطي تتوازن فيه قيمة الفرد وقيمة الجماعة، والجماعة النموذجية هي التي تتصف بالمرونة التي تساعد على نمو شامل للفرد لا رضوخه لسلطة مطلقة، باسم مصلحة المؤسسة تارة أو باسم السياسة العليا تارة أخرى، وقال: إنه لا تتم تغذية القدرات الاجتماعية والفردية عند الأطفال إلا في ظل مجتمع ديمقراطي، واعتبر أنّ المجتمع الديمقراطي لا يمكن أنْ يتحقق في ظلِّ أديان تمارس التمييز والتفرقة بين الناس. واهتمّ بالتربية اهتماماً كبيراً في فكره وممارساته، وقال: إنّ الحياة تسعى إلى دوام وجودها عن طريق التجدد المستمر، والتربية أداة لنقل أهداف المجتمع ومعارفه من جيل إلى جيل، فهي التجدد المستمر بعينه، وهي عملية نمو لا هدف لها إلا المزيد من النمو، بل إنها الحياة نفسها.
لقد صوّرَ "ديوي" تطوّر تفكيره في أربعة أمور هي:
1- الاهتمام بالعملية التربوية نظرياً وتطبيقياً، لأنّ التربية تشكل جوهر اهتمامات الإنسانية جمعاء.
2- إخراج منطق واقعي لا صوري، يلغي الثنائية الموجودة بين منهج العلوم ومنهج الأخلاق، فالعلم هو التفكير النظري والأخلاق هي السلوك العملي في الحياة.
3- تخليص عِلم النفس ممّا عَلِقَ به من أفكار ميتافيزيقية، والتركيز على الشعور والوعي وتطبيق علوم الحياة على نفسية البشر.
4- تطبيق مبادئ العِلم الحديث ومناهجه وطرقه على العلوم الإنسانية.
لقد نجَحَت البراجماتية في أمريكا لأنها كانت بمثابة جدل قائم بين المثالية الأمريكية والوضعية الفرنسية والتطورية البريطانية. وكانت تحاول التقاط الأيدلوجية المبعثرة التي بشرَ بها مفكرو ما قبل "الداروينية"، رافضة كل أنواع "اليوتوبيا" والحقائق النهائية المطلقة، مؤكدة على المجتمع التعددي والذكاء الذرائعي، وقرنت الفلسفة بالحياة واعتبرتها أسلوباً لحلّ المشكلات الإنسانية، واعتبرت أنّ الإنسان بمقدوره تطويع الواقع وفقاً لأهدافه وحاجاته، وشجّعتْ تبريرَ المواقف بذريعة أنها تأتي بالمنفعة على صاحبها.

رواد الفلسفة البراجماتية:
1- تشارلز ساندرس بيرس. اتجه إلى الفلسفة عن طريق قراءته لـ"شيلر"، ثم سيطر عليه "كانت". أسس فلسفته على المشكلة المركزية في نظرية المعرفة الحديثة التي تدور حول التوفيق بين الطبيعة الذاتية للفكر وبين دعوانا بأننا نعرف ما هو خارج أفكارنا. وهو من صاغ فلسفة البراجماتية في بذرتها الأولى. وضع بيرس تصنيفا لأوجه الحقيقة الرئيسية عن طريق نظرية في المقولات تختلف عن مقولات أرسطو الموضوعية؛ بأنها تعبر عن جوانب العالم تعبيراً مستمداً من الخبرة الحسية المباشرة فصاغ ثلاث مقولات مباشرة.
أ- مقولة الرتبة الأولى: المظهر التلقائي للأشياء وتتمثل بجيشان العقل الحر وهو يصوغ الفروض العلمية وتشير إلى ما في الكون من تنوع ونمو.
ب- مقولة الرتبة الثانية: عنصر الثنائية في الخبرة، وتتلخص بان الخبرة تتأتى من خلال مقاومة كائن ثاني أو شيء أخر. لان الشيء بلا معارضات لا يكون له وجود بحكم الأمر الواقع.
ج- مقولة الرتبة الثالثة: الاستمرار، وبخاصة في الفكر الذي يكشف لنا عن الضروب التي عسى أن نجدها في النواحي الأخرى، ويطلق "بيرس" على هذه المقولة اسم القانون.
2- جون ديوي. هو مربي وفيلسوف وعالم نفس أمريكي، وزعيم من زعماء الفلسفة البراجماتية ويعتبر من أوائل المؤسسين لها. ويقال أنه هو من أطال عمر هذه الفلسفة واستطاع أن يستخدم بلياقة كلمتين قريبتين من الشعب الأمريكي هما "العلم" و"الديمقراطية".
ولد "جون ديوي" بمدينة برلنجتون في ولاية فيرمونت في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تلقى تعليمه في جامعة فيرمونت ثم انتقل إلى جامعة جون هوبكنز فحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1884م. وفي عام 1894م انتقل إلى جامعة شيكاغو التي كانت قد تأسست وقتئذ وعين فيها رئيسا لقسم الفلسفة وعلم النفس والتربية.
لقد كانت حياة جون ديوي تعج بالنشاط والحركة، حيث تعدى تأثيره الولايات المتحدة الأمريكية وامتد إلى بقية العالم فترجمت كتبه إلى لغات عديدة، واستشارته الحكومة الروسية عقب ثورتها ليضع نظامها التعليمي على أسس تقدمية، وزار محاضراً كلاً من اليابان، الصين، تركيا، المكسيك، وكانت لنظرياته وطرائقه أعمق الأثر في توجه التربية في سائر الأمم الناطقة باللغة الإنكليزية والمتأثرة بثقافتها.
3- وليام جيمس. فيلسوف أمريكي ومن رواد علم النفس الحديث. كتب كتباً مؤثرة في علم النفس الحديث وعلم النفس التربوي، وعلم النفس الديني والتصوف، والفلسفة البراجماتية. وكان شقيق الروائي المعروف "هنري جيمس"، و"أليس جيمس" كاتب اليوميات. وليام جيمس ولد في مدينة نيويورك وهو فيلسوف الحرية له العديد من المؤلفات منها: الإرادة، الاعتقاد، مبادئ علم النفس، البراجماتية، وهو صاحب المقولة:
إن الاكتشاف الأعظم الذي شهده جيلي والذي يقارن بالثورة الحديثة في الطب كثورة البنسلين هو معرفة البشر أن بمقدورهم تغيير حياتهم عبر تغيير مواقفهم الذهنية.
ومن أقواله أيضاً: "إن أعمق مبدأ في الطبيعة الإنسانية هي التماس التقدير".

نقد البراجماتية:
المذهب البراجماتي؛ هو المحرك الأول للسياسة الأمريكية في عصرنا هذا؛ لاسيما وقد كانت نشأته الأولى على أرضها.
يقول الدكتور "سماح رافع محمد" في كتابه "المذاهب الفكرية المعاصرة": البراجماتية فلسفة عملية انبثقت من الروح المادية للقرن العشرين ... وهي أمريكية النشأة، رأسمالية الاتجاه.
وكلمة البراجماتية في أصلها اللغوي مشتقة من كلمة يونانية تعني العمل النافع، أو المزاولة المجدية، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي" أو "المذهب النفعي".
ويقول الدكتور مصطفى حلمي الذي يقول في كتابه "الفكر الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي": تنسب "البراجماتية" كفرع فلسفي إلى أصل شجرتها المسماة بـ "الوضعية"، فيجب أن نعرف أولاً بالوضعية ليسهل علينا بعد ذلك فهم معالم الفلسفة البراجماتية.
إن الوضعية "هي اتجاه فكرى يقتنع بما هو كائن ويفسره ويرفض: أن ينبغي أن يكون"، ثم أخذت الوضعية الشكل الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية واسمه "البراجماتية"، هذا الشكل الجديد يحدده الدكتور توفيق الطويل بقوله: "إذا كانت الوضعية قد رفضت التسليم بالحقائق المطلقة والقضايا الميتافيزيقية، فإن الفلسفة العملية لا تتردد في قبولها واعتبارها صادقة متى كانت مفضية إلى نفع يتحقق في حياة الناس".

نقد البرجماتية من وجهة النظر الفلسفية:
1- في نقدنا لهذه الفلسفة، سنبدأ بالمنهج المقارن حيث يتبين أنها في جوهرها الفلسفة هي الرواقية القديمة، التي أسسها "زينون" عام 270م.
فإذا أباح "وليام جميس" لنفسه بعث الحياة فيها من جديد، فإن ذلك يقوض دعائم فكرته عن استبعاد "الحق القديم" كما سنوضح بعد قليل.
2- الحق قيمة مطلقة - وليست نسبية - وإلا فإن المجتمع يصاب بالفوضى المدمرة لكيانه وبعلاقاته مع غيره من المجتمعات بسبب الحرب.
وبغير الاعتقاد في ثبات المبادئ، فإننا لسنا أمام فلسفة جديدة وإن بدت كذلك، ولكنها مجرد إعادة للنظرية الرواقية القديمة "مضافاً إليها الروح النضالية الحديثة" فإن الخير الحقيقي عند الرواقي القديم في حكمة الاختيار وحدها وليس في الشيء المختار الذي يصطفيه "مثله كمثل ضارب القوس يهدف إلى عين الثور فغايته ليست في إصابة الهدف نفسه، بل إظهار مهارته في إصابته"
إن تعليق الحكمة هنا في مظهرها العملي - أي على النجاح في ذاته بصرف النظر عن إصابة الهدف - تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضاً إذ تتنافس على "التفوق" و"الغلبة" ولا تتفق إرادتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة: كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة في ذاتها.
فهل نحن مرة أخرى أمام دليل جديد يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم ؟
3- يرى "وليام جيمس" أن "الحق" إنما هو فرض عملي، أي مجرد أداة يختبر بها "تصوره" السابق، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة.
والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة: أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابتة خارج مقولتي (الزمان) و(المكان).
ونراه أيضًا يخلط خلطاً معيباُ بين المبادئ والأهداف حيث يصبها في قالب "المنفعة"، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولاً عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات، فضلاً عن افتقاد "المنافع" وهذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام.
يقول الدكتور "توفيق الطويل" في تقييم هذه الفلسفة: "ويكفي أن تعتبر البراجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلاً، فالحق فيما يقول "جيمس" كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها، ولم يجد أصحاب البراجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفى الأخلاق وفى السياسة وفى كل مجال".
ونضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة. ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح - كما يرى الدكتور "فؤاد زكريا" - في ثلاثة أمور:
أ- اللاأخلاقية: بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد ولكنها - كفضائل - ليست مقصودة لذاتها، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير، وتظهر "اللاأخلاقية" بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام.
ب- الارتباط الوثيق بالحروب.
ج- الانحرافات السلوكية: وأظهرها الإجرام، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف، ويتضح الانحراف بصورة أخرى في شرب المسكرات والمخدرات وعقارات الهلوسة وغيرها "وتفسيرها أنها ظاهرة هروبية من واقع العنف والمنافسة المريرة التي لا ترحم".
4- ولم يسلم (الدين) أيضاً من التفسير (النفعي) في ضوء الفلسفة البراجماتية، "فإن اعتبار شروط وجود الدين وأصوله ونشأته لا أهمية لها عند من يسأل عن قيمة الدين؛ لأن قيمته فيما ينتجه".

الفرق بين نظرته للدين وعقيدتنا الإسلامية:
لم يكن "الدين" عند "وليام جيمس" كموضوع للبحث في ذاته، ولكن في آثار الانفعال الديني، وهل هذه الآثار حسنة تحقق الأمل؟ وهل يمكن الحصول عليها بطريق آخر خلاف الديني؟
إنه يرى أن للدين أثراً أخلاقياً، كما أنه يتفوق على أي مصدر آخر للحث على النشاط والمثابرة وفعاليته تظهر بإيحائه المؤثر في الغالب أكثر من الأساليب المادية، ويضرب على ذلك مثالاً بالطبيب الذي يعترف بأن شفاء المريض لا يتحقق بالعلاج المادي وحده، بل بالإيحاء الناجم عن قوة الإيمان.
وهذا الرأي - كما يقول "برتراند رسل" - لا يقنع مؤمناً مخلصاً في إيمانه، لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وإيمانه، إن المؤمن لا يقول: إني إذ آمنت بالله سعدت - ولكنه يقول: إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد .... إن الاعتقاد بوجود الله تعالى في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتمل أن يترتب على وجوده من نتائج وآثار".

موقف الإسلامية النظرية البراجماتية:
أما نحن معشر المسلمين فإننا - بحمد الله - نمتلك أعظم ثروة للعقيدة والقيم تضمنها كتاب الله عز وجل ونفذها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث حقق في عقيدته وسلوكه وأخلاقياته الأسوة الحسنة - وجمع بين "الحق" عقيدة وإيماناً، و"العمل" أخلاقاً وسلوكاً، وحدد الأهداف، ووضع المنهج وأحصى القيم، مبيناً الطريق الذي يجتازه المسلمون من دنياهم إلى أخراهم، وقد ألف علماؤنا رحمهم الله مجلدات في هذه الأغراض كلها. ولكن يكفينا أن نسجل بهذه المناسبة بعض التعليقات التي تصلح لعلاج آفات "البراجماتية"، التي تبرهن على أن العقل البشرى لا يستطيع الوقوف وحده بغير عون من الوحي:

أولاً: أن الخير بيد الله فيجب التسليم له سبحانه وتعالى.
أ*- إن الخير هو الذي يحدد الشرع ويستمد إلزامه منه للتسليم بأن الله تعالى هو العليم الحكيم. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) {البقرة:216}
يفسر ابن كثير هذه الآية ببيان وجوب الجهاد وآثار قتال أعداء الإسلام من النصر والظفر ثم يمضي في تفسير قوله تعالى: (وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) فيذكر أن: "هذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
ب*- كذلك قد يجهل الإنسان الفروق المرجحة لما يفيده مما يضره، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) {البقرة:219}.
أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، ولكن هذه المصالح لا توازي المضرة والمفسدة الراجحة لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة للتحريم على البتات كما في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) {المائدة:90-91}.

ثانياً: ضرورة التنافس والتسابق للنجاح.
إن النجاح مطلوب، والسعي والتنافس على فعل الخيرات مرغوب؛ فإن المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، ولكن ينبغي أن يستظل السعي هدفاً وطريقاً بأوامر الشرع والالتزام بآدابه.

ثالثاُ : ضرورة أعمال الخير لإقامة المجتمعات الإنسانية.
إن إقامة المجتمع على موازين المكسب والخسارة وحدهما كفيل بهدمه مادامت العلاقات بين أفراده لا تقوم إلا على أساس المصلحة، والكسب المادي، فكم من علاقات أخرى تقوم على الإيثار والتضحية وحب الخير لذاته، وهي التي تكفل تحقيق السعادة للمجتمع؛ لأن التعاطف والتعاون هما الرائدان في حركة المجتمع الإنساني، وإلا تحول إلى غابة من الغابات التي يأكل فيها القوى الضعيف.
ومن الصعب - بل يتعذر - إقناع النفوس بأعمال الخير، التي لا تقوم بالمال، إلا بناءً على عقيدة إيمانية راسخة تتحقق أعمالاً خيرة، وتسعى لاكتساب فضائل أخلاقية وتنميها ابتغاء مثوبة الله تعالى وجنته.
أما الدكتور إبراهيم مصطفى إبراهيم فيقول في كتابه "نقد المذاهب المعاصرة": يمكن توجيه سهام النقد لفلسفة "جيمس" الدينية في النقاط الآتية:
1- بدأ "جيمس" آراءه الدينية بقوله: إن الذي يكون صميم الدين ليس الطقوس ولا الفرائض ولا المعتقدات بل يكون صميم الدين العاطفة والشعور الديني.
ولكن هذا الرأي يحتاج إلى وقفة: فالإيمان لا يتوقف فقط على العاطفة؛ ذلك لأن العاطفة والوجدان من المعروف عنهما أنهما عواطف متقلبة دائماً، وبالتالي فالإنسان سوف يؤمن في حالة مزاجية عاطفية وجدانية، ويعود إلى الإلحاد عندما تتغير حالته المزاجية.
وبالطبع فالإيمان ليس كذلك؛ إنما هو صرح يقوم على أسس عقائدية يؤمن الإنسان ويلتزم بها ويسلم بها لأنها تأتيه من الله تعالى لصالحه.
2- يذهب "جيمس" إلى أن التجربة الدينية تشارك الله تعالى في خلقها، وهذا ما يتنافى مع الوحدانية التي لله تعالى. فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا خالق إلا هو، سبحانه وتعالى.
3- يذهب "جيمس" إلى أن الله تعالى شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان.
سبحان الله، أي إله هذا الذي يتكلم عنه "جيمس"؟ تعالى الله.
إن الإنسان يتصف بالتناهي والنقص والضعف، والله تعالى عكس ذلك تماماً؛ فهو الكامل القادر والقاهر فوق عباده، عنت له الوجوه ودانت له رقاب العباد والبلاد، فسبحان الله عما يصفون.
4- يقول "جيمس": إن الله تعالى لا يستطيع أن يضمن لنا خيرية العالم. ولن أرد هنا على "جيمس" بل سأدع القرآن يرد عليه ويبين بعض خير الله النازل على عباده: يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) {الواقعة: 57-74}.
5- ترى البراجماتية بوجه عام وبراجماتية "بيرس" و"جيمس" بوجه خاص أن الاعتقاد لا الإيمان لا ينفصل عن الشك، ومن ثم فالإيمان على مذهب البراجماتيين لا يفارقه الشك.
6- من الخطأ في زعم "جيمس" التمسك الدائم بالمعتقدات، فالإيمان الراسخ عنده يحجب عن الإنسان المعرفة الصحيحة، وهذه مقولة يطرب لها الملاحدة والعلمانيون والمنافقون أينما ثقفوا.
7- لذلك فإنه يلزم - فيما يزعم "جيمس" - اختبار صحة العقائد من وقت لآخر، واستبعاد ما يتضح للمرء عدم صحته منها أو عدم صلاحيته.
إن معيار اختيار صحة العقائد عند جيمس ومن حذا حذوه هو إخضاعها لمحك التجربة، فهي التي تميز الحق من الباطل وليس حكم الله تعالى.
فإذا أردنا أن نطبق المنهج البراجماتي على إحدى العقائد، كاعتقادنا أن الله تعالى هو الرازق على سبيل المثال، فلا ينبغي على مذهب "جيمس" البراجماتي أن نظل متمسكين دائماً بهذه العقيدة، وإنما يتعين علينا اختبارها تجريبياً، فإذا تبين لأحدنا أن الله تعالى قدر عليه رزقه، ولم يعطه ما سأل من رزق في أي صورة من صوره، فعليه أن يتخلى فوراً عن هذه العقيدة، لأن التجربة أثبتت عدم جدواها، وهكذا يكون المؤمن على طريق البراجماتية إنه كمن يعبد الله على حرف.
إن المسلم الحق لا يضع عقيدته موضع الشك، ولا يجعل إيمانه بالله تعالى موضع اختيار، بل على العكس تماماً، يؤمن بأن الله عز وجل يختبر عباده. والله تعالى يبتلي العباد بالنعم كما يبتليهم بالنقم، فلقد خلق الله الإنسان ليبتليه ليرى هل يصبر أو يكفر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم.
أما الدكتور محمد مهران رشوان فيقول في كتابه "مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة": الفلسفة البراجماتية اسم يطلق على عدد من الفلسفات المختلفة التي تشترك في مبدأ عام؛ وهو أن صحة الفكرة تعتمد على ما تؤديه هذه الفكرة من نفع أياً كان نوع هذا النفع، أو على ما تؤدي إليه من نتائج عملية ناجحة في الحياة.

أهم الانتقادات التي توجه إلى البراجماتية:
1- أن البراجماتية لا تقدم لنا بحثاً إيجابيا عن الحقيقة. إذ إنها مجرد منهج لاكتشاف الأفكار الخاطئة، وهي التي ليست لها آثار عملية. وهذا منهج سلبي لا إيجابي، لأنها لا تهدف إلا إلى استبعاد الأفكار الخاطئة، تلك التي لا تكون لها هذه الآثار العملية. والاستبعاد - كما هو واضح - منهج سلبي للكشف عن الحقيقة وليس إيجابيا بحال من الأحوال.
2- يلاحظ بعض الباحثين ذلك الامتداد غير المشروع لفكرة المنفعة، فقد كان "جيمس" والبراجماتيون يفخرون باتساع أفقهم، ولكن الحق أن هذه الروح الفضفاضة تبلغ حداً يؤدي إلى القضاء على كل معني لكلمة "النافع" عندما كانوا يعرفون الحقيقة عن طريق المنفعة. فالنافع في اللغة المتداولة هو ما يفي بحاجة "حيوية"؛ إلا أن البراجماتيين قد أضفوا على كلمة الحاجة معان بلغت من الكثرة حداً لم تعد معه تدل على شي ، حتى ولا كلمه "النافع" ذاتها.
فهناك حاجات ترمي إلى حفظ الحياة والعمل على استمرارها، ولكن من الممكن أن نطلق اسم "الحاجة" على ما يعبر عن أكثر الميول الوجدانية تنوعاً: فالمرء بحاجة إلى أن يكون محترماً، محبوباً، كما أنه بحاجة إلى أن يحب، والى أن يرى من يحبهم سعداء. والغيورون الحاقدون بحاجة إلى أن يروا الآخرين تعساء وأقل سعادة منهم. والمرء بحاجة إلى الإيمان بوجود الله، وخلود النفس. كما أن هناك حاجات عاطفية وعقلية كالحاجة إلى المعرفة والفهم ... وهكذا نلاحظ أن "حاجات" الإنسان و"المنافع" التي تناظرها تبلغ من التنوع حداً يجعل كل تعريف للحقيقة بالمنفعة ينتهي آخر الأمر إلى أنه لا يوضح من طبيعتها أي شيء.
3- لا شك في أن "الحقيقي" نافع على نحو ما، إلا أن ذلك لا يستتبع القول بأن المنفعة هي أساس لتعريف الحقيقة. فالحقيقي نافع لأنه "حقيقي" قبل أي اعتبار للمنفعة. وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المذهب البراجماتي يعرف الحقيقة بأنها ما يفي بالحاجة، غير أن أول ما نحتاج إليه عندما نبحث عن الحقيقة هو ألا نكون براجماتيين.
ومعنى ذلك أن القاعدة الأساسية التي نضعها عندما نشغل أنفسنا بالكشف عن الحقيقة هي أن نصرف كل اعتبار للمنفعة، ولو تطرق الشك إلى نفوسنا وآمنا بشيء لأننا بحاجة إلى هذا الإيمان، لفقد الإيمان إذن كل قيمة له. ومرة أخرى نقول: "إن الحقيقي نافع لأنه حقيقي، وليس حقيقياً لأنه نافع".
ولنتصور الحالة العقلية لمريض يقول لطبيبه: " لا تقل لي سوى ما أحتاج إلى تصديقه"، ألا يكون قوله هذا توسلا إليه أن يكذب؟
وهكذا ينتهي الأمر بالبراجماتية إلى أن تكون نظرية الأكذوبة الحيوية التي تقوم على أساس من نزعة الشك.
إن "جيمس" - ومعه بقية البراجماتيين - يلعبون لعبة خاسرة مع الحقيقة. فهو إذ يجعل من الحقيقة: حقناً في الاستمرار في الاعتقاد بما ينفعنا، إنما يرفض مفهوم الحقيقة بأسره. إن وضع الفكرة ذات النتائج المرضية مكان مفهوم الحقيقة معناه فتح الباب لأي خيال لذيذ. فماذا يمكن أن يرضي الإنسان أكثر من استمراره في الاعتقاد بأنه ذكي بينما هو في الواقع أبله؟ إن العالم مليء بالكثير من السخف الذي يستشعر معه الإنسان قسطاً من المتعة.
وإذا كان تقديم الأفكار يتم على أساس ما تؤدي إليه من نتائج عملية، فعند أي حد نستطيع أن نحكم على فكرة معينة بناء على هذا الأساس؟ فلو كان هناك شخص يعتقد أن الطريقة لحل مشكلاته الاقتصادية هي السيطرة على أحد البنوك، لكانت هذه الفكرة صحيحة أحياناً، لما يترتب عليها من نتائج عملية. إلا أن البراجماتيين يصرون على أن المرء لا بد أن يضع في حسبانه لا مجرد النتائج المباشرة التي تترتب على الفكرة، بل آثارها البعيدة أيضاً.
وهنا قد نقول إننا لا نستطيع أن نعرف النتائج العملية لهذه الفكرة، مادامت النتائج البعيدة قد تستمر إلى غير ما حد. فقد تعمل الفكرة بنجاح في وقت معين، ثم تفشل في وقت آخر، ثم تعود للنجاح بعد ذلك. ومعنى هذا أننا ينبغي علينا أن ننتظر بلا نهاية لكي نتمكن من تقييم نتائج أي اعتقاد، ومن تقرير ما إذا كانت له نتائج عملية أم أنه يفتقر إلى مثل هذه النتائج.
4- أما تطبيق النظرية البراجماتية عن الحقيقة في مجال العلم، وما ذهب إليه "جيمس" والبراجماتيون من أن قضايا العلم قضايا حقيقية لأنها مفيدة عملياً، فيبدو نسفاً للحقائق العلمية من أساسها.
إن قبول نظرية معينة واعتبارها صحيحة بدون برهان ولمجرد أنها نافعة أو أنها ترضينا من ناحية ما، هو نقيض الموقف العلمي تماماً. إن الفرض المرضي فحسب هو في أغلب الأحيان أقرب الفروض إلى الخطأ.
5- أما تطبيق الفكر البراجماتي على المعتقدات الدينية، فيبدو بالنسبة لنا كارثة، فإننا لا نسلم بالحقائق الدينية لمجرد أنها نافعة في نظرنا القاصر، بل لأنها حقائق في ذاتها بصرف النظر عن فائدتها ونتائجها العملية الناجحة بحسب النظرة القاصرة. لأننا لو سلمنا بهذا المعيار البراجماتي - كما فعل "جيمس" - لكانت أية عقيدة - مهما تكن أسباب إنكارنا لها - حقيقة لمن يرى أنها نافعة له، فتستوي بذلك النحل والبدع والديانات المحرفة مع الدين الحق الإسلام.
لقد تنفس "جيمس" الصعداء لاستطاعته إزالة العراقيل التي كانت تقف في طريق معتقداته الدينية، ولكنه كما قال "سنتايانا" بقسوة: "لم يكن يؤمن حقيقة، كان يؤمن بأن من حق الإنسان أن يؤمن بأنه يمكن أن يكون على حق لو آمن"
إننا لو قلنا لشخص ما: "إنني أعتبر عقيدتك خرافة، ولكن إذا كانت مفيدة لك فهي عقيدة حقيقة بالنسبة لك". أليس في ذلك سخرية به؟
6- إن البراجماتية تركز على الفرد، وتعلي من "الفردية" إلى أقصى حد. وهي بذلك تعكس الفردية الممزقة التي سادت أمريكا في القرن التاسع عشر. وهذه الفردية بما يرتبط بها من فوضى وغموض تجعل الأفراد عاجزين عن تحمل النظام والرقابة والمهام الاجتماعية.
إن هذه الفردية هي التي جعلت أواصر قربى بين البراجماتيين وبين الفيلسوف السوفسطائي "بروتا جوراس" حين قال: "إن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً".
وقد كتب "شيلر" يقول: "ينبغي علينا أن نعود مرة أخرى إلى ما فعله "بروتا جوراس"، فنتخذ الأحكام الفردية لأشخاص مفردين نقطة بدء لنا".
لكن ليس لنا أن ننسى أن "بروتا جوراس" هو أحد هؤلاء الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل، لكي يتصيد في الماء العكر ما هو زائف ومريح، ويشيد صرح الخطابة على أنقاض الفلسفة. لقد لاحظ "أفلاطون" بحق في "ثيتاتوس" أننا لو سلمنا بمبدأ "بروتا جوراس"، لكان معنى ذلك التسليم بأن حجج المجنون تعادل في صدقها حجج العاقل، وأن أحط الحيوانات شأنا قد يكون له رأي في الكون لا يقل حصافة عن رأي الإنسان الحكيم.
وبعد ... إن البراجماتية قد تصلح لأولئك الذين يتمتعون بروح عدوانية، تسعى إلى السيطرة النابليونية. أما بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بالروح الإنسانية، ويتمسكون بالمثل العليا، والقيم الدينية، فإن البراجماتية تبدو لهم ضيقة الأفق، محدودة الإطار، مخيبة للآمال.

====================================

المراجع:
1- مصادر المذاهب الفكرية المعاصرة، سماح رافع.
2- الفكر الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي، مصطفى حلمي.
3- نقد المذاهب المعاصرة، إبراهيم مصطفى.
4- مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة، محمد مهران.
5- فلسفة الأخلاق، توفيق الطويل.
6- مدخل إلى التربية، عمر أحمد الهمشري. دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان - الأردن.
7- الفلسفة وتطبيقاتها التربوية، نعيم حبيب جعنيني. دار وائل للنشر, عمان- الأردن.
8- فلسفات تربوية معاصرة، سعيد إسماعيل علي. عالم المعرفة، ال

 1  0  5812
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:20 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.