• ×

05:53 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

صفات مثالية لقاض و صاحب قضية (4)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
القضايا الانهائية وأسلوب القاضي في نظرها
أما القضايا الانهائية فهي أغلب قضايا الناس في المحاكم الشرعية، وهي أكثرها ملامسة لحياتهم ومصالحهم وحاجاتهم لأنها تتعلق بإثبات الحالات التي يتطلب الأمر إثباتها بصكوك رسمية صادرة من المحاكم كإثبات الولادة ، والنسب ، والزوجية ، والقرابة ، والوفاة ، والإرث ، والوصية ، والوقف ، والولاية ، والبلوغ والرشد ، والإعالة ، والتملك وغير ذلك .
لذلك فاهتمام القاضي بانجازها هو من أداء الأمانة ، ومن تيسير أمور الناس وقضاء حاجاتهم التي حث عليها ديننا الحنيف كحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ] . متفق عليه ، وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ] . متفق عليه ، وقد يتضح وقع التيسير لدى صاحب القضية لو فرض القاضي أنه صاحب القضية ألا يحب إنجازها وتيسير نظرها بأفضل طريق وأسهله . ؟ .
وتيسير أمور المسلمين في إنجاز قضاياهم ، هو مما يثاب عليه المسئول ، والعكس بالعكس ، ومما يدل عليه حديث أبي مريم الأزدي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لمعاوية : ـ رضي الله عنه ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين ، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة ، فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس ] . رواه أبو داود والترمذي ، وما جاء في حديث أبي يعلى معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ] . متفق عليه ، وحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا : [ اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا ، فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ] . رواه مسلم .

إجراءات القضايا الانهائية
القضايا الإنهائية أغلب إجراءات صكوكها تتم بتعبئة نماذج معينة أعدت لذلك ، وهي متشابهة بحيث يستطيع معاون القاضي من الكتبة المتمرسين القيام بذلك بعد توجيهه وتعليمه من القاضي ، لا سيما وأن بعض الكتبة عندهم خبرة كبيرة في مجال عملهم قد تفوق خبرة القاضي ، فيبقى دور القاضي هو توزيع العمل على الموظفين مع الإشراف والتوجيه والمراقبة حتى يضمن سير العمل على الوجه المطلوب .
ما هي حجج الاستحكام . ؟ .
إن حجج الاستحكام من أهم القضايا الانهئية فصك حجة الاستحكام شرط في قبول تصرف صاحب العقار في عقاره بالبيع والشراء والرهن والتأجير والعمران والاستثمار وطلب الحصول على القروض والتعويضات ، وفي قسمة التركات وغير ذلك من التصرفات ، وحجج الاستحكام على نوعين حسب نوع التملك للعقار وهما :
النوع الأول ـ طلب حجة استحكام على أملاك مملوكة أصلا لطالب الحجة ، وشواهد ملكيته لها مشاهد محسوس كالركبان الزراعية والآبار والمدرجات الزراعية والبيوت التي عمرت عليها ، وكل ما يدل على التملك كالأشجار المعمرة التي يغرسها الإنسان ليستفيد منها .
وهذا النوع من طلب حجج الاستحكام هو الغالبية العظمى والصك الذي يحصل عليه المواطن هو إجراء رسمي يتطلبه التنظيم الحاضر ، وحينئذ يكون الصك كاشفاً لحقيقة التملك مثبتاً له رسمياً بموجب الإجراء الشرعي والرسمي معتمداً مصدره على الآثار التي تدل على درجان التملك على العقار ، وعلى البينة التي يحضرها المنهي .
وهذا النوع لا تتعرض له الدولة عادة ، وإنما صدر النظام بتنظيم الإجراءات فيه وكيفية إثباته كما جاء في المادة ( 85 ) من النظام القديم ، أو ما بينته المواد ( 251 و 252 و 253 و254 ) من اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية وبما جاء تفصيلا في لوائحها .
وإذا كان ما طلب عليه حجة استحكام أرضاً شاسعة قد اندرست معالم الإحياء فيها ، مما يحتمل أن تكون مواتا ، فإن المادة ( 86 ) من النظام القديم لحجج الاستحكام نظمته ، ووضحت كيفية الإجراء فيه المادة (255 ) من اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية حيث جاء فيها : إذا طلب منه ـ أي من القاضي ـ عمل حجة استحكام للأرض الفضاء أن يكتب بذلك إلى المقام السامي ، وفي لائحة هذه الفقرة ( 1 ) قالت : يرفع طلب الاستئذان إلى المقام السامي عن طريق وزارة العدل مع بيان وجهة نظر القاضي حيال طلب المنهي .
النوع الثاني ـ طلب حجة استحكام على أرض بدعوى إحيائها ، وهذا قليل وجوده ، وخصوصا في المناطق التي لا يوجد فيها أراضي بور شاسعة ممتدة ، أو تكون جبلية حيازاتها عبارة عن مدرجات زراعية أثرية قديمة ، وإن وجدت أراضي بور فهي في السفوح ، ومساحاتها محدودة .
وهذا النوع من حجج الاستحكام هو الذي تعنيه الأوامر السامية التي صدرت سابقاً ولاحقاً بقصد الحد من التعدي على الأراضي الحكومية بدعوى الإحياء ، لأن التعدي على الأراضي البور يحول دون التمدد العمراني الطبيعي للمدن ، وينتج عنه العمران العشوائي الذي يفتقر إلى التنظيم وإيجاد المرافق العامة ، والتعدي على الأراضي البور يحول دون وجود أراض يمكن منحها من ولي الأمر للمحتاجين للسكن بعد تخطيطها وتنظيمها .
.....................
تعريف الإحياء
والإحياء يفيد التملك الشرعي بشروطه ، ولولي الأمر التدخل لتنظيمه من باب رعاية المصلحة العامة ، قال في نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ( ج 2 صحيفة 275 ) في تعريفه : الموات اصطلاحا : الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم ، فمن أحيا أرضا لا مالك لها ، بأن لم يجر عليها ملك لأحد ، ولم يجد فيها أثر عمارة أو شك في جريان ملك معصوم عليها ، أو كان بها أثر ولو غير جاهلي كالخرابات التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ... الخ .
وقال في الحاشية : قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : قد حدد الفقهاء ضابطا لما يملك بالإحياء فقالوا : هي الأرض الخالية من الاختصاصات ، وعن ملك المعصومين ، فدخل في هذا كله أرض لا مالك لها ، وليس لها اختصاص بالأملاك ، ولا للناس فيها اشتراك ، وخرج من هذا ما لا يملك ، فالأرض المملوكة التي جرى عليها ملك لمعصوم معلوم لا تملك بالإحياء حتى ولو كانت دارسة عائدة مواتا . الخ .
وقال في المقنع ( ج 2 صحيفة 286 ) : هي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت ، فإن كان فيها آثار الملك ولا يعلم لها مالك فعلى روايتين .
لكن نظرا لتوسع الناس وخصوصا من الذين لديهم إمكانيات في الاستيلاء على الأراضي بدعوى الإحياء مما ينتج عنه الإضرار بالناس ، وحصول الفوضى في عمران المدن ، وحرمان المحتاجين من الحصول على منح لبناء مساكن لهم فقد صدرت الأوامر السامية التي تحد من ذلك ، وطاعة ولي الأمر في ذلك واجبة .
فرق بين إثبات التملك وإثبات الإحياء
إذاً فهناك فرق بين إثبات التملك ، وإثبات الإحياء قد لا يفرق المواطن العادي ومن ليس لديه خبرة بالقضاء بين طلب إثبات الإحياء ، وبين طلب إثبات التملك ، بل إن بعضهم قد يذكر في طلبه إثبات التملك بأنه أحيا ما يريد إثباته قبل عام كذا وكذا يريد التهرب من أن تنطبق عليه أوامر منع حجج الاستحكام بعد ذلك التاريخ ، مع أن ما طلب عليه حجة استحكام مملوك له أصلا آل إليه بالإرث من الآباء والأجداد .
وهذا خلط بين أمرين غير متطابقين ، فالثاني وهو دعوى الإحياء للأرض الميتة هو الذي تنطبق عليه الأوامر المنظمة للإحياء .
وعلى كل فالنظام الذي أشرت لفقراته آنفا قد بين كيفية النظر في طلب حجج الاستحكام ، سواء بطلب حجة استحكام على ملك ثابت ، أو طلب حجة استحكام على إثبات التملك بالإحياء وقد بين النظام الجهات الرسمية التي يجب تبلغيها بطلبات حجج الاستحكام ، وهذه الجهات هي التي تدافع عن مصالح الدولة ، وعن الأراضي الحكومية وبالأخص البلديات والزراعة ، وهي الجهة الرسمية التي تمثل الدولة أمام القضاء ، ويكفي القاضي أن يبلغ تلك الجهات بطلبات حجج الاستحكام ، وفي حال المعارضة يطلب حضور مندوب عنها ويسمع معارضتها بمواجهة طالب الحجة ، ويحكم على ضوء ما يسمع وما يدلى به إليه ، وهو الطريق السليم المبرئ للذمة القاطع للنزاع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القضايا الجنائية والأسلوب الأمثل في نظرها
القضايا الجنائية لها حالتان في أسلوب نظرها :

الحالة الأولى : في سماع الدعوى والإجابة سواء كان المدعي فيها يدعي بالحق الخاص ، أو كان يمثل الادعاء بالحق العام ، وفي هذه الحالة والمرحلة من نظر القضية يتبع القاضي في نظر القضية الخطوات التالية :
1 ـ يعدل القاضي بين المدعي والمدعى عليه في مجلسه ولحظه وكلامه وتعامله ، ولا ينبغي للقاضي أن يذل المدعى عليه في أسلوب نظر القضية وإن كان يحاكم على جريمة ارتكبها لأن مهمة القاضي هو النظر في ثبوت الجريمة من عدم ذلك ، والأصل براءة المتهم حتى تثبت إدانته .
2 ـ يسمع في البداية دعوى المدعي ، ويطلب منه تحرير الدعوى تحريرا واضحا قبل طلب الجواب عليها .
3 ـ يعرض الدعوى على المدعى عليه ويطلب منه جوابا محررا ملاقيا للدعوى غير خارج عنها إلا إذا كان الخروج يتضمن دفعا أو توضيحا .
4 ـ يتيح القاضي الفرصة لكل طرف بأن يدلي بحجته ويقدم ما عنده بشرط أن يكون في موضوع القضية وليس خارجا عنها .
5 ـ إذا استكمل القاضي سماع ما لدى الطرفين يعرض الصلح فيما يتعلق بالحق الخاص إذا كان ممكنا ويبين للطرفين ما في الصلح من الخير فإذا توصل إليه وثقه .
الحالة الثانية : إذا تهيأت القضية الجنائية للحكم يأتي دور النظر والتأمل من القاضي في الحكم المناسب للقضية آخذا في الاعتبار نوع الجريمة وحجمها ، وحال مرتكبها ، والآثار المترتبة على ارتكاب الجريمة بحيث يكون العقاب مناسبا من حيث التشديد أو التخفيف لنوع الجريمة حجمها ، ويعلم ذلك إذا علمنا بأن القضايا الجنائية تنقسم إلى قسمين هما :
القسم الأول : قضايا لها عقوبة محددة في الشرع ، وهي قضايا الحدود ، وهذا القسم من الجنايات إذا لم يتعد ضرره مرتكب الجريمة ، وكان مرتكبها مستترا فلا يجوز البحث عنه وكشف ستره إلا من باب النصيحة بطريقة سرية ليس فيها فضيحة ، لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من المسلمين وهو في المسجد فناداه ، فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه ، فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه حتى ثنى عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون . ؟ قال : لا ، قال : فهل أحصنت . ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه. متفق عليه ، وكان صلى الله عليه وسلم يلقن المعترف بالحد شبهات يدرأ بها الحد لعله يرجع عن اعترافه ، من ذلك ما جاء في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له : لعلك قبلت أو غمزت أو لمست أو نظرت . ؟ قال : لا يا رسول الله . رواه البخاري ، وينبغي لمن اطلع على معصية من أخيه المسلم من هذا القبيل أن يستر على مرتكبها ، ولا يشيع خبر معصيته بين الناس ، ويكتفي بنصحه سرا ، وأن يبين له خطأ فعله وخطر ما حصل منه ، لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة . رواه مسلم ، ولما رواه الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ستر أخاه المسلم في الدنيا فلم يفضحه ستره الله يوم القيامة . ، قال الألباني : حديث صحيح . ، فهذان الحديثان وما في معناهما يدلان على أن من علم بمعصية شخص معين فإنه ينبغي له ألا يبلغ عنه ولي الأمر ، وعما رأى من معصيته مما علم به وخفي على غيره ، ويدل عليه بوضوح : ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله ـ أي يتركه ويطلقه ـ فقال : لا حتى أبلغ السلطان ، فقال الزبير : إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع . ، وما رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة . ، وما رواه ابن ماجة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعا : من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه الله في بيته .
لكنني أرى بأن من المصلحة أن يعظ من اطلع على المعصية الناس موعظة عامة ، ويذكرهم بخطر الجرائم التي ترتكب في المجتمع من باب التذكير والإرشاد والتوعية دون أن يسمي شخصا بعينه أو يصفه بوصف يعرف بها ، كقوله : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ، وذلك من باب إياك أعني واسمعي يا جارة ،
أما إذا جاء مرتكب الجريمة إلى الحاكم باختياره رغبة منه في تطهير نفسه ، أو اشتكى متضرر من فعله ، وثبت عليه ذلك ، وجب حينئذ إقامة الحد عليه ، ولا تجوز الشفاعة لإسقاط الحد لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن قريشا أهمتهم المخزومية التي سرقت ، قالوا : من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتشفع في حد من حدود الله . ؟ ثم قام فخطب فقال : يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها . متفق عليه .

بم تثبت الحدود . ؟ .
لا يقام الحد إلا على من ثبت ارتكابه له باعتراف صحيح صريح لا شبهة فيه ، أو ببينة موصلة عادلة كاملة ، وينبغي ألا يبحث عن مرتكب الحد ، وإذا أتى مرتكب الحد لولي الأمر معترفا بذنبه فالأولى الإعراض عنه أسوة بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أعرض عمن أتى إليه معترفا بالزنا ، بل كان صلى الله عليه وسلم يلقن المعترف بالحد شبهات يدرأ بها الحد لعله يرجع عن اعترافه كما سبق الدليل على ذلك ، والزنا إذا أثبت بالبينة لا بد من شهادة أربعة شهود يشهدون بحقيقة الزنا ، فلو شهد ثلاثة من الشهود والرابع لم يشهد بحقيقة الزنا وهو الإيلاج لا يقام الحد على المشهود عليه ، بل يقام حد القذف على الشهود الثلاثة الذين شهدوا بحقيقة الزنا ولم تكتمل البينة بشهادة الرابع كما فعل ذلك عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لما شهد عنده ثلاثة شهود بزنا المغيرة بن شعبة ، وكانت شهادة الرابع غير صريحة في حصول الإيلاج حيث قال : يا أمير المؤمنين رأيت إستا تنبو ، ونفسا يعلو ، ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار ولا أدري ما وراء ذلك . ؟ فقال عمر : الله أكبر وأمر بالثلاثة الشهود الذين شهدوا بحقيقة الزنا فضربوا ـ أي حد القذف ـ انظر المغني لابن قدامة [ ج 8 صحيفة 202 ] .
ولا شك أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان من أغير الناس على محارم الله أن تنتهك ، ومن أحرص الناس على إنكار المنكر وإقامة الحدود ، ولكنه رأى بأن حفظ أعراض الناس ، والستر عليهم ، وعدم إشاعة الفاحشة هو ألزم وأحكم وأولى ، وهو ما يتفق مع قاعدة : الأصل البراءة حتى يثبت ضدها .
ويقاس على الزنا الفواحش والمنكرات الأخرى التي تتعلق بالشخص نفسه ولم يُلْحِق مرتكبُها ضررا بالغير ، ولم يدع عليه أحد إلى ولي الأمر يطلب إنصافه منه وأخذ الحق له كاللواط ، وشرب المسكرات واستعمال المخدرات .

الحدود تدرأ بالشبهات
وإذا ثبت الحد ، وقام موجبه باعتراف أو بينة ، ثم وجدت شبهة فإن الحد يدرأ بتلك الشبهة كالرجوع عن الاعتراف ، أو دعوى الإكراه ، ولا يقام الحد مع وجود الشبهة لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة . رواه ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم في المستدرك ، وللبيهقي في شعب الإيمان .

 3  0  1759
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:53 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.