• ×

05:06 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

اطلالة على البيروسترويكا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

البيروسترويكا
أ. محمد بن سالم بن سليمان الفيفي

البيروسترويكا بالروسية: перестройка، وتعني "إعادة البناء" هي برنامج للإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها رئيس للإتحاد السوفييتي، "ميخائيل غورباتشوف" وتشير إلى إعادة بناء اقتصاد الإتحاد السوفيتي. صاحبت البيروسترويكا سياسة "الجلاسنوست" والتي تعني الشفافية. فأدت السياستان معاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه سنة 1991م.

برنامج البيروسترويكا
خلال الفترة الأولى من وصول "ميخائيل غورباتشوف" إلى السلطة وبالتحديد من عام (1985م) إلى عام (1987)، تحدث عن تعديل التخطيط، ولكنه لم يقم بأي تغيرات جذرية حقيقية. بعدها قدّم "غورباتشوف" وفريقه من المستشارين الاقتصاديين إصلاحات أكثر فعالية، عرفت باسم البيروسترويكا (إعادة الهيكلة الاقتصادية).
في يونيو سنة (1987م) وفي الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي قدم "غورباتشوف" أطروحته الأساسية، التي قدمت القاعدة السياسية للإصلاح الاقتصادي للفترة المتبقية لوجود الإتحاد السوفييتي.
وفي يوليو سنة (1987م)، وافق "السوفييت الأعلى"، وهو أعلى هيئة تشريعية سوفييتية، على مشروع "التزام الدولة" أو "مقاولات الدولة". نص القانون على أن "التزام الدولة" لها حرية تحديد مستويات الإنتاج بناء على طلب المستهلكين من الأفراد ومن الجهات الملتزمة الأخرى. كانت الجهات الملتزمة عليها تطبيق أوامر الدولة، ولها كذالك الحرية في تقرير مصير المنتج المتبقي. اشترت الالتزامات المواد والمؤن من الموردين بعقود بأسعار متفق عليها بين الطرفين. وبحسب القانون أصبحت مقاولات الدولة ذاتية التوليد لدخلها؛ فأصبح عليها تغطية التكاليف (الرواتب، الضرائب، المواد الأساسية، والقروض وفوائدها) من عائداتها. ولم تعد الحكومة تتدخل لإنقاذ الالتزامات التي لم تكن مربحة وواجهت خطر الإفلاس.
وأخيراً، نَقل القانون الجديد السيطرة على المقاولات من الوزارات إلى تجمعات عمّالية منتخبة، وكانت مسؤوليات لجنة التخطيط الحكومي تنحصر في تحديد الخطوط العريضة والتوجيهات العامّة وأولويات الاستثمار القومي، وليس صياغة خطط الإنتاج التفصيلية.
ربما كان قانون التعاونيات الذي سن في مايو سنة (1988م) أكثر الإصلاحات راديكالية خلال الفترة الأولى لحكم "غورباتشوف". ولأول مرة منذ "سياسة "لينين" الاقتصادية الجديدة" سمح القانون بالملكية الخاصّة للمصالح في قطاعات الخدمات بالتصنيع والتجارة الخارجية. فرض القانون في البدء ضرائب عالية وشروطاً للتوظيف، ولكن تم مراجعة كل ذلك لاحقاً لتجنب تثبيط نشاط القطاع الخاص. وبموجب هذا المرسوم، أصبحت المطاعم التعاونية، الدكاكين والمصنعين سوفيتية.

مؤسس البيروسترويكا
هو: ميخائيل سيرجيفيتش غورباتشوف، ولد في 2/3/1931م، في قرية بريفولي في مقاطعة ستافروبوليا. وهو من عائلة تعمل بالفلاحة أباً عن جد.

منهج البيروسترويكا
جلب "غورباتشوف" إعادة الهيكلة لقطاع الاقتصاد الدولي في الإتحاد السوفييتي باستعدادات بدت جسورة للاقتصاديين السوفييت في ذلك الحين. فقام برنامجه بإلغاء احتكار وزارة التجارة الخارجية للعمليات التجارية. وسمح لوزارات الفروع الاقتصادية والزراعية المتنوعة بأداء عمليات تجارية خارجية في القطاعات التابعة لها؛ بعكس ما كان عليه الحال من تواصل غير مباشر عبر بيروقراطية مؤسسات وزارة التجارة. بالإضافة إلى ذلك، أصبح بإمكان ملتزموا الدولة من كل الجهات سواءً المناطق أو المحلية وحتى الأفراد القيام بعمليات تجارية خارجية.
هذا التغيير كان محاولة لتقليل القصور في نظام التجارة الخارجية السوفييتية، وكان يتمثل هذا القصور في انعدام التواصل بين المستهلك السوفييتي والمورد، وبين شريكهم الأجنبي- الخارجي.
التعديل الأكثر تأثيراً الذي أدخله "غورباتشوف" على قطاع الاقتصاد الخارجي هو سماحه للأجانب بالاستثمار في الإتحاد السوفييتي على شكل مشاريع مشتركة مع الوزارات السوفييتية ومع ملتزموا الدولة. وهذه هي النسخة الأصلية من قانون المشاريع السوفييتي، والذي دخل حيز التنفيذ في يونيو سنة (1987م)، حدد نسبة مشاركة الأجانب بما لا يزيد عن 49 % واشترط أن يشغل مواطنون سوفييت مواقع الرئاسة والإدارة العامة لهذه المشاريع. ولكن تذمر شركاء غربيين من هذه الشروط دفع بالحكومة إلى مراجعة الشروط والسماح بملكية أغلبية المشاريع والسيطرة عليها لجهات أجنبية. وبموجب بنود قانون المشاريع المشتركة، وقدم الشركاء السوفييت القوى العاملة، البنية التحتية وأسواق محلية محتملة كبيرة. وقدم للشركاء الأجانب رأس المال، والتكنولوجيا، والخبرات، وفي كثير من الحالات قدم منتجات وخدمات بجودة تنافس عالمياً.
لم تفعل التغييرات الاقتصادية التي أدخلها "غورباتشوف" الكثير لإعادة تنشيط اقتصاد الدولة المتدهور في نهاية الثمانيات. ولكن قللت الإصلاحات من المركزية إلى حد ما، وبقي التحكم في الأسعار قائماً، وكذلك عدم إمكانية تحويل الروبل، وبقيت سيطرة الحكومة على معظم وسائل الإنتاج.
بحلول 1990م كانت الحكومة قد خسرت السيطرة على الظروف الاقتصادية. وازدادت نفقات الدولة بشكل كبير بسبب ازدياد عدد المقاولات الخاسرة التي قامت بها الدولة لمعونة ودعم البضائع للمستهلكين.
انخفضت عائدات الضرائب بسبب امتناع سلطات الجمهوريات والسلطات المحلية عن تقديمها للحكومة المركزية بسبب الحكم الذاتي المناطقي المتنامي. وبسبب إنهاء السيطرة المركزية على قرارات الإنتاج، وخاصة في قطاع البضائع الاستهلاكية، وبالتالي كسرت علاقة العرض والطلب التقليدية، دون المساهمة في بناء علاقة عرض وطلب جديدة، وبدل أن تؤدي سياسات اللامركزية التي قدمها "غورباتشوف" إلى سلاسة النظام الاقتصادي، خلقت هذه السياسات معيقات إنتاجية جديدة.

أهم مراحل وتطورات الواقعية في الفكر الماركسي والبيروسترويكا
1- الفترة الواقعة ما بين عامي (1917م - 1921م).
" اصطلح المؤرخون المحدثون على تسميتها بفترة (حرب الشيوعية). فترة فرض تطبيق مبادئ "ماركس" و"لينين" المتطرفة والمتشددة بالقوة، ولكن لم تستطع أن تمضي بذلك طويلاً، للمقاومة التي أبداها الشعب، فاضطر "لينين" إلى التراجع.
2- فترة التراجع الواقعة ما بين عامي (1921م - 1929م).
حيث أعلن "لينين" تراجعه قائلاً: "إن هذا التراجع ينطوي على خطة موضوعة. فإن العودة إلى النظام البرجوازي أمر تمليه الضرورة الاقتصادية في بعض الأحيان" ولكن كانت العودة إلى النظام البرجوازي مقننة وضيقة جداً، فسمح بالتجارة الحرة والإنتاج الفردي والملكية الفردية، فظهر نوع من الرخاء النسبي وارتفع مستوى المعيشة بعض الشيء، وعلى الرغم من هذه التراجعات في إعادة البناء إلا أن أمراً مهماً لم يتغير، إنه وسيلة الحكم، اعتقالات، أحكام دكتاتورية، ولم يكن تراجعهم سوى خطة لينينية (خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف).
3- الفترة الواقعة ما بين عامي (1929م - 1956م).
وهي فترة حكم "ستالين"، حيث أعاد فرض (المزارع الجماعية) على الشعب بالحديد والنار مرة أخرى، وانتشر الموت جوعاً حتى سميت الفترة ما بين عامي (1929م 1933م) بفترة (المجاعة المنظمة) وأبيدت كل أنواع المقاومة الشعبية بالفتك والإعدامات والاعتقالات، حتى طالت الشيوعيين أتباع "تروتسكي" المعارضين لسياسته. فكانت فترة حكمه قاسية وتجددت فيها الانتقادات اللاذعة للحكم الشيوعي. وعفا الزمن على السياسات القديمة، فحان موعد التطوير والتخفيف مرة أخرى. بل حان موعد الدجل من جديد.
4- الفترة الواقعة ما بين عامي (1956م 1964م).
وهي فترة حكم "خروتشوف"، وتعتبر الفترة التي لعب فيها "خروتشوف" الدور الرئيسي كمرحلة حاسمة في تاريخ الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الشيوعي بوجه خاص، ومن أبرز سمات حكمه:
- التقدم في مجال الفضاء، والصواريخ عابرة القارات.
- تصفية الستالينية وظهور اتجاه ليبرالي في البلاد لأول مرة.
- التوسع في إنتاج السلع الاستهلاكية.
- إعلان سياسة التعايش السلمي مع الغرب.
- التوسع باطراد في دعم الحركات الثورية الاشتراكية في العالم باسم تقديم المساعدات الاقتصادية للدول النامية.
يقول "صلاح نصر" عن إعلان سياسة التعايش السلمي مع الغرب: "إن ما يلفت النظر هو تلك التوليفة التي أخرجها "خروتشوف" تحت عنوان (التعايش السلمي) كأساس للتعايش بين النظم الاجتماعية المتباينة، فهي شكل من خداع الطبقة بين الشيوعية والرأسمالية. ذلك أن التعايش السلمي لا يعني مصالحة بين الأيديولوجيتين الشيوعية والبرجوازية. إنما على العكس يعمد إلى تكثيف حدة صراع الطبقة العاملة، وصراع جميع الأحزاب الشيوعية لنصرة الأفكار الشيوعية".
ويقول سياسي عربي شيوعي لم يذكر اسمه: "وقد بدأت مرحلة جديدة في سياسة السوفيت الخارجية منذ انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي العشرين، في شهر شباط عام (1956م). ولقد كان من نتيجة ذلك المؤتمر البدء باتباع سياسة خارجية أكثر ليونة، وفقا للمبدأ اللينيني القائم على أساس ما يسمى بسياسة التعايش السلمي، بيد أن تلك السياسة لا تعني في الواقع أي تغيير في الفكرة الأساسية القائمة على الصراع الطبقي أو إشعال نيران الحروب والثورات في البلدان الأخرى. إن تلك السياسة تعني مجرد ضرورة المحافظة، مؤقتاً، على السلام بين الكتلتين القائمتين في العالم، إلى أن يحين الوقت المناسب الذي تشعر فيه الكتلة السوفيتية بتفوقها أولاً، وبحتمية انتصارها ثانياً، فتشن هي، بدون أي سابق إنذار، حرباً لا هوادة فيها لاكتساح العالم اجمع وضمه إلى حظيرتها".

انطلاقة البيروسترويكا
هل كانت مراسم دفن "تشيرنينكو" طبيعية؟
نقل "تشيرنينكو" إلى قبره في الساحة الحمراء يوم (13/3/1985م)، فهل كانت مراسم الدفن طبيعية؟ وهل كانت تلك المراسم مشابهة لمثيلاتها عندما نقلت جنائز قادة الحزب الشيوعي السابقين؟ وهل خرجت حالة "تشيرنينكو" عن البروتوكول المتبع؟
عندما نقل جثمان "تشيرنينكو" إلى الساحة الحمراء فأن أول كف تراب أهيلت على الجنازة جاءت من يد "غورباتشوف" وبعد ذلك قام أعضاء المكتب السياسي الآخرون بإهالت التراب على جثمان رفيقهم.
وبعد مراسم الدفن مباشرة توجه "غورباتشوف" إلى الكرملين وانتصب في قاعة الجغرافيا. وهذه القاعة هي إحدى القاعات الكبرى التي تحمل سقوفها أعمدة مرمرية منصبة، وعلى جدرانها البيضاء نقشت أسماء كافة الذين خدموا الجيش الروسي من الضباط البارزين منذ الحروب النابليونية.
لقد وقف "غورباتشوف" والى جانبه ثلاثة من كبار المسؤولين السوفيت. واستغلت أجهزة الإعلام الغربية هذه الوقفة وركزت على عامل العمر إذ أظهرت "غورباتشوف" والذي كان عمره حين ذاك (54) سنة وكأنه شاب يافع، وهي تردد بان القيادات السوفيتية غالباً ما تكون من الطاعنين في السن وكأنهم (أحياء متحجرة)، أما الثلاثة الذين وقفوا إلى جانب ( الشاب اليافع) فهم:
رئيس الوزراء السوفيتي "تيخونوف" 79 سنة.
سكرتير اللجنة المركزية "بونو مارييف" 80 سنة.
نائب رئيس الدولة السوفيتية "كوزينيتسوف" 80 سنة.
أما "غورباتشوف" فانه قبل أن يصل إلى الحكم بثمانية أيام كان قد أكمل عامه الرابع والخمسين وهو أصغر عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، وهو أصغر سناً من كل أعضاء الحكومة الذين وقفوا بصف طويل أمام سلالم المدخل الأسفل للكرملين.
وحضرت مئات الوفود من مختلف أنحاء العالم ليقدموا التعازي والتهاني في نفس الوقت لحاكم الكرملين الجديد.
ومن الطبيعي أن يكون رؤساء الدول الصديقة قادة الدول الأعضاء في حلف "وارسو" في مقدمة ذلك الطابور الكبير من المعزين.
وعندما بدأت عملية تقديم التعازي ظهرت مؤشرات غير طبيعية وكانت مراسم هذه الجنازة كشفاً لما سيحصل في الدولة السوفيتية.
كان أول المعزين (الرفيق) "جيفكوف" الذي فتح ذراعيه من مكان بعيد من موقع وقوف "غورباتشوف"، ولكن هذا الأخير استقبل "جيفكوف" بصورة عادية جداً.
وفعل "غورباتشوف" الشيء نفسه مع بقية (الرفاق) مثل "هونيكر" و"تشاوتشسكو" و"هوساك". ولكن من الملاحظات الواضحة أنه استقبل ضيوفه الغربيين بحرارة عالية جداً.
فقد أمضى وقتاً طويلاً نسبياً مع رئيسة الوزراء البريطانية "مارغريت تاتشر" وعاملها بشكل يوحي للناظر بأنه يرتبط معها بعلاقات صداقة قديمة. وهذا يختلف تماماً عن الأسلوب الذي قابل به القادة الآخرين؛ إذ لم يقبل أحداً منهم لا في الاستقبال ولا في التوديع كما كان يفعل أسلافه من قبل.
ومما يذكر أن "بريجينيف" كان يتبع تقليداً روسياً قديماً حيث يصافح حلفائه ويطبع قبلتين على الخدود والثالثة على الفم. ولكن مثل هذا الشيء لم يحصل في حالة "غورباتشوف" وكأنه يعلم مقدماً بأن الأيام القادمة، وبسبب ما ستفعله سياسته، سوف تؤدي بحلفائه إلى السجون وهم مكبلون بالقيود أو يساقون إلى ساحات الإعدام كما في حالة "نيقولاي تشاوتشكو".
استقبل "غورباتشوف" في الأيام التالية ليوم (13/3/1985م) كبار المسؤولين الأجانب، فقد استقبل "جورج بوش" نائب رئيس الولايات المتحدة (وقتذاك) وكذلك استقبل المستشار الألماني "كول" والرئيس الفرنسي "فرانسوا ميتران" وآخرين.
وأثناء التعزية كانت هناك صورة فوتغرافية مؤطرة بإطار اسود لـــ" تشيرنينكو" وضعت في نهاية القاعة التي يمر من جانبها ممثلو الدول دون توقف. وخلافاً للعادات المتبعة نشرت صحيفة "البرافدا" على الصفحة الأولى صورة "غورباتشوف" وسيرة حياته ووضعت على الصفحة الثانية صورة الرئيس الراحل.
وبعيداً عن التشبث بنظرية المؤامرة فمن خلال ما تقدم من المؤشرات البسيطة يمكن للمراقب أن يكشف حقيقة ما سيحل بالاتحاد السوفيتي على يد هذا الرجل بغض النظر عن حسن أو سوء نواياه التي أدت إلى تحطيم إمبراطورية البلاشفة منذ اللحظات الأولى لتوليه السلطة.
ولكن قبل هذا التاريخ وقبل موت "تشيرنينكو" كانت لدى "غورباتشوف" بعض التصرفات التي حاول من خلالها جذب انتباه الإعلام الغربي إليه، مثال ذلك:
- زار "غورباتشوف" إيطاليا في شهر (يونيو) من صيف عام (1984م) على رأس وفد حزبي للمشاركة في تشييع جنازة "برلينغور" الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي. وكانت العلاقة بين الحزبين سيئة للغاية إذ أن الحزب الشيوعي الإيطالي بقيادة "برلينغور" قد انتقد بشدة السياسة الخارجية السوفيتية وعلى وجه الخصوص التدخل السوفيتي في "أفغانستان".
وكان الحزبين يتراشقان فيما بينهما الاتهامات والعبارات الجارحة، وكل طرف من الطرفين يدعي التمسك بالأيديولوجية الماركسية اللينينية ويتهم الطرف الآخر بالانحراف وخيانة المبادئ الشيوعية مع ميلان الطليان إلى اليوروشيوعية.
في جو كهذا مشحون بالعداء العقائدي يفاجأ "غورباتشوف" الصحفيين بتصريحاته في روما بقوله: (إن الانتقادات التي أطلقها "برلينغور" لم تؤسس على فراغ).
وذهب "غورباتشوف" إلى بريطانياً في الأيام الأخيرة من عام (1984م) على رأس وفد برلماني ورافقته في هذه الزيارة زوجته "رايتسا". وقد ركزت عليه بشكل ملفت للنظر معظم كبريات وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية وهو يتحدث بالإنجليزية. ومن المعروف أن المسؤوليين السوفيت يتحدثون الروسية فقط أينما ذهبوا حتى في حالة معرفتهم باللغة الأجنبية. ولكن هذه ليست القضية الوحيدة التي حصلت في بريطانيا؛ بل إنه أدلى بتصريح غريب بعد زيارته لمتحف التاريخ البريطاني ومشاهدة الجزء المخصص لـــ "كارل ماركس" عندما كتب الجزء الأول من كتابه الشهير (رأس المال) في بريطانيا.
قال "غورباتشوف": (على الناس الذين لا يحبون الماركسية تقديم شكوى ضد المتحف البريطاني).
ربما يعتقد بعض الناس أن هذا الكلام يمكن أن يحسب من باب خفة الدم أو المزاح الذي يلجأ إليه بعض المسؤولين، ولكن الموضوع هنا يختلف فالمتحدث هو عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ويتحدث فوق أرض بريطانية، فكل خطواته وحتى أنفاسه محسوبة عليه.
وفي مقابلة صحفية في لندن سأله أحد الصحفيين: أين "ساخاروف"؟ ومعلوم أن "ساخاروف" عالم فيزياء سوفيتي معارض أعلت من شأنه وسائل الإعلام الغربية تحت عنوان حقوق الإنسان.
فعندما سئل ذلك السؤال المتعلق بــــ"ساخاروف" أجاب "غورباتشوف" باختصار: (إن هناك خرقاً لحقوق الإنسان في أيرلندا الشمالية).
إن هذا الجواب غير متوقع من مسؤول روسي أو سوفيتي فهو يعني في الظاهر لماذا تسألون عن "ساخاروف" وهو شخص واحد ولديكم أيها الإنجليز خرق لحقوق الإنسان لشعب كامل في أيرلندا الشمالية. وفي الوقت نفسه هناك معان كثيرة بين السطور، من بينها أنه يعترف بخرق حقوق الإنسان في داخل نظامه السياسي لأن السائل لم يسأله عن حقوق الإنسان وإنما سأله عن فرد واحد معارض وعند إجابته قام بإدخال قضية حقوق الإنسان.
يوحي جواب "غورباتشوف" للسامع أن هناك خرقاً لحقوق الإنسان ليس في الاتحاد السوفيتي وحده بل حتى في أيرلندا الشمالية وينبغي إيقاف هذا الخرق هنا وهناك.
إن تصرفات "غورباتشوف" قبل استلامه السلطة وبعد استلامه لها أعطت مؤشرات ودلالات واضحة بأن على يد هذا الرجل سوف تنتهي الدولة السوفيتية العملاقة. ولكن هبوب رياح البيروسترويكا واستغلال الغرب لها لم تستطع أن تلوي ذراع الأمة الروسية التي تعد من الأمم الحية.

التوازنات العالمية والإقليمية في فترة أحادية القطبية
أولاً: الطريق نحو أحادية القطبية عالمياً:
شهد العالم بعد ما حدث خلال فترة الوفاق بين القطبين بعض نوايا تحولات جذرية وعميقة في النظام السياسي العالمي، وقد بدأت هذه التحولات بوصول "غورباتشوف" إلى السلطة في الاتحاد السوفيتي. وقد وُلد "جورباتشوف" عام (1931م)، وتولى منصب رئيس اللجنة الإقليمية للحزب الشيوعي في ستافروبول عام (1970م)، وفي عام (1978م) عُين سكرتيراً للحزب للشؤون الزراعية، واختير رئيساً للحزب الشيوعي عام (1985م)، ثم في عام (1988م) صار رئيساً للجنة التنفيذية الدائمة لمجلس السوفيت الأعلى، والذي عُرف بعد ذلك برئاسة مجلس السوفيت الأعلى. وفي مارس عام (1990م)، ابتدع منصب رئيس جمهوريات الاتحاد السوفيتي، إلى أن استقال في ديسمبر (1991م) ليصبح الاتحاد السوفيتي في عالم الماضي تاريخياً، حيث تكونت دول الكومنولث المستقلة.

البيروسترويكا والجلاسنوست ومقدمات الانهيار السوفيتي:
أ- البيروسترويكا "التفكير الجديد للسوفيت وللعالم أجمع":
البيروسترويكا تعبير خرج به "غورباتشوف" على العالم بشكل عام، وعلى الشعب السوفيتي بوجه خاص - وعَدّه كما أسماه في كتابه الذي أصدره يحمل هذا الاسم - أنه تفكير جديد لبلاده وللعالم. ورأى "غورباتشوف" أن البيروسترويكا ضرورة ملحة لتطوير المجتمع، الذي كان يمثل واحدة من أقوى الدول في العالم. ثم في مرحلة معينة، وبالتحديد في النصف الأخير من السبعينيات، بدأت البلاد تفقد قوة اندفاعها، وتكرر الإخفاق الاقتصادي بصورة أوسع، وبدأت الصعوبات تتراكم والمشاكل تتضاعف، وبدأ في الظهور ما يُسمى بالركود وتباطؤ في النمو الاقتصادي وتدهور في معدلات نمو الدخل القومي. وبدأت بحلول الثمانينيات تحدث فجوة في غير صالح الاتحاد السوفيتي في كفاءة الإنتاج وجودة المنتجات، والتطور العلمي والتكنولوجي، وبينما صواريخه كانت تطير إلى كوكب الزهرة بدقة عالية، كان هناك نمو هابط أثر سلباً بشكل خطير على المجال الاجتماعي.
ب- الجلاسنوست "الانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي":
إن ممارسة البيروسترويكا من خلال توفير المعلومات كافة والانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي لأداء الحزب الشيوعي السوفيتي، فيما عرف بالجلاسنوست، جعل كلاً من الحزب والشعب يضعان تقييماً عميقاً وموضوعياً بما يؤدي إلى التعجيل بالتطور الاجتماعي والاقتصادي.
ويُعَدّ الجلاسنوست من وجهة النظر الحزبية الشيوعية شرطاً حتمياً للتعبير عن الجوهر الديموقراطي للنظام الاشتراكي وهو شرط لممارسة الحقوق الدستورية وحريات المواطنين، وهي أداة لتشكيل علاقات دولية حديثة، وتعكس علانية النظام السياسي للمجتمع.

الانهيار الكبير للاتحاد السوفيتي:
أ- الأسباب السياسية:
أفاض "غورباتشوف" في شرح الفوضى في النظام الاجتماعي والسياسي، وجاهد للتحول، وقدم عدداً من الاقتراحات لتغيير الأنشطة السياسية والاجتماعية وجعلها أكثر انفتاحاً وديمقراطية. ونادى بالحد من سلطة الحزب الشيوعي، إلا أن المسؤولين الذين كانوا يقاومون التغييرات التي تحد من سلطاتهم وامتيازاتهم حاولوا إعاقة تطبيق تلك الإصلاحات، بينما طالب مسئولون آخرون بديموقراطية أكثر مما اقترحها "غورباتشوف". واحتج أعضاء المجموعات العرقية في بعض الجمهوريات السوفيتية، وطالبوا بتوسيع الحكم الذاتي أو الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، وقد شكل كل هذا بما فيه من أحداث للعنف مشكلة كبيرة لــــ"غورباتشوف".
أُقيم الكومنولث المكون من جمهوريات مستقلة، وتنحى "غورباتشوف"، وانهار الاتحاد السوفيتي السابق. وبدأ الغرب يمد يد العون لهذا الكومنولث الجديد، طالما يلتزم باقتصاديات السوق وبالديموقراطية الغربية. وثبت أن الغرب لم يقبل بعالم ثنائي القطبية حتى مع تعاون القطب الشيوعي ومحاولته الوفاق.
ب- الأسباب الأيديولوجية:
تحولت الأيديولوجية الشيوعية الماركسية إلى مؤسسات وأدوات تقهر الجماهير وأن مطالب وتطلعات الجماهير السوفيتية تُعَدّ انحرافاً عن الأيديولوجية السليمة. ونشأت طبقة المنتفعين بالمؤسسات الاشتراكية، وأصبح التخطيط الاشتراكي ينطوي على عملية الانحدار إلى مستوى الفقر بدلاً من عملية الارتفاع بالمستوى لزيادة الثراء. وكان واضحاً أن المؤسسات الوحيدة التي استمرت في المحافظة على كيان الاتحاد السوفيتي هي الحزب والمخابرات والجيش، وكلها أدوات قمع. وإلى جانب ذلك، تعددت صور التفكك لأسباب قومية ودينية، واختفى عنصر التماسك الذي كان من المفترض أن يكون موجوداً طبقاً للأيديولوجية والعقائد الشيوعية.
ج- الأسباب الاقتصادية:
فشلت مدرسة "غورباتشوف" للإصلاح نتيجة عدم التوازن بين السياسة الخارجية، التي ركز عليها "غورباتشوف"، والإصلاح الداخلي الذي لم يحظّ إلا بكل إهمال، حتى بدا وكأنه نوع من "الرازستوريكا" أو الهدم وليس "البيروسترويكا" أو إعادة البناء. وقد ظهر ذلك واضحاً في شعبية "غورباتشوف" الخارجية وتناقضها مع شعبيته الداخلية. وعملية الهدم هذه لم تكن متعمدة، ولكنها تعبر عن فشل إدارة "غورباتشوف" في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

أحادية القطبية والهيمنة الأمريكية:
بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتحوله إلى كومنولث، أصبح المسرح العالمي للسياسة الدولية مُهَيَّئاً لاستقبال الولايات المتحدة الأمريكية، لتفرض هيمنتها وسيطرتها على العالم وتحكمه من خلال القيام بدور شرطي العالم أو قاضي الصلح. وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم ، التي تحاول فرض السيطرة على العالم في المجالات كافة، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وثقافياً وعسكرياً. كما تحاول فرض قواعد نظام عالمي جديد يتفق مع الأهداف الإستراتيجية الأمريكية، تدعمها أدواتها الحربية والتكنولوجية والمادية.
إن الولايات المتحدة الأمريكية، طبقاً لمؤهلاتها المتعددة وخاصة في مجال الآلة الحربية، استطاعت بالفعل فرض هيمنتها على الكون بوصفها القوة الوحيدة الكبرى في العالم. فمن حرب الخليج إلى البوسنة، إلى الصراع في الشرق الأوسط، إلى صربيا وكوسوفا، ومن أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية إلى أفغانستان إلى محور الشر، ففي كل هذه العناوين للصراعات الدائرة في العالم نجد أن واشنطن تحتل فيها موقعاً مفروضاً على العالم. وهو موقع له بريقه وهيمنته، إلى جانب أقطاب أخرى أقل بروزاً، فأوروبا والصين وروسيا وبلاد العالم الثالث يمكن أن يكون لها دور مساعد، لكنه يظل حتى الآن أقل من الدور الأمريكي بكثير.
والقدرة العسكرية تنسب أساساً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتأتي القدرة الاقتصادية لنجدها أيضاً لدى الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يشترك معها في هذه القدرة كل من اليابان وأوروبا، ويمكن أن تنضم إليها الصين أيضاً، إلا أنه في مجال الهيمنة على العالم فالولايات المتحدة الأمريكية لا تريد إلا نفسها. وكما قال "جيل كوتيرو" (Gilles Cottereau) رئيس جامعة لوفين: "لا يوجد في الوقت الحالي أبسط مما يُسمى بالحاكم الآمر العالمي"، ويعني بها الولايات المتحدة الأمريكية.
بعض المتخصصين ورجال السياسة الأمريكية، ومنهم "باسكال بونيفاس"، لا يؤمنون بعالم أحادي أو متعدد القطبية، وإنما كل ما يعنيهم هو أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تحمل قيماً عالمية رفيعة لا يجب أن يعارضها أو يناصبها العداء قوى أو أقطاب أخرى، فروسيا وفرنسا واليابان وبعض الدول المارقة أو حتى الأمم المتحدة ليست إلا معوقات تعرقل المسيرة الأمريكية لتطبيق هذه القيم تطبيقاً سليماً.
والولايات المتحدة الأمريكية تجد أن ما يصلح لها لابد وأن يصير صالحاً لباقي دول العالم، وأن أمركة ثقافتها وطرق معيشتها يجب أن تُملى وتُفرض على الجميع في أنحاء العالم، بصفتها مسئولة عن الإدارة والإشراف على الشؤون والقضايا العالمية، ودورها كشرطي لهذا الكون.
لهذه الأسباب، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تفعل ما تريد، فهي تشن غاراتها على العراق دون موافقة الأمم المتحدة، ولجأت للضغط بشن غارات في مشكلة صربيا وكوسوفا، عندما قامت، في (24 مارس 1999م)، بقيادة 19 دولة من دول حلف شمال الأطلسي بشن غارات على يوغسلافيا، كما أن إعداد وزارة الخارجية الأمريكية لقائمة الدول الإرهابية منها ليبيا وإيران وكوريا الشمالية وسورية قد تمارس عليها تدخلات بواسطة واشنطن.
والولايات المتحدة مقتنعة تماماً بأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم دون منافس، كما أنها تمكنت من تنمية وتطوير إستراتيجيتها لكي تظل القوة العظمى الوحيدة في هذا الكون.
وتقول "مادلين أولبرايت" وزيرة خارجيتها السابقة: "نحن أمة لا غنى عنها، حيث تعمل واشنطن ما بوسعها لكي لا تظهر قوى أخرى تهدد أو تنافس هذه الهيمنة، فعلى المدى القريب لا وجود لمثل هذا التهديد، ولكن ربما على المدى البعيد يمكن أن تحدث منافسة من جانب أوروبا أو روسيا أو الصين".
ولذلك تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على عدم استقطاب روسيا لأي دولة في العالم، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال قوة اقتصادية روسية لا تتمناها الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك تقدم المعونات لروسيا بصورة محسوبة بعناية.
كما أن إعادة تشكيل حلف شمال الأطلسي وتقويته بهدف الحفاظ على النفوذ الأمريكي في القارة الأوروبية عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن توسيع دائرته بضم دول شرق أوروبا، خاصة بعد حل حلف وارسو عام (1991م).
إن القرن الأمريكي الجديد ليس مجرد تعبير عابر صاغه الرئيس السابق "كلينتون"، ولكنه رؤية إستراتيجية كاملة بهدف استمرار الهيمنة منفردة على قمة النظام العالمي. ومن أجل تعظيم مكاسب "الإمبراطورية الجديدة"، على العالم أن يدفع الثمن من خصوصيته وسيادته، وفي سبيل ذلك، لابد أن تتغير الأدوار والمفاهيم والموازين. ومن هذا المنطلق كان للولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجية قومية مبنية على عدد من الأسس والسياسات واضعة في حسبانها المتغيرات والظروف والصراعات في العالم أجمع.

نظرة أعمق للبيروسترويكا
أظهر الرئيس السابق للاتحاد السوفييتي "ميخائيل غورباتشوف" من وجهة نظره الأسباب التي أدت إلى سقوط الاتحاد الشيوعي أو الكتلة الاشتراكية السوفيتية, وكان من بينها حسب قوله أسباب سياسية, واقتصادية عالمية, واجتماعية أخلاقية, أدت إلى تداعي وانهيار هذا الصرح الاشتراكي, سَنورد بعض ما قاله؛ ولنبحث عن أسباب أكثر عمقاً كمحاولة للفهم.
لنبحث عن الآثار السلبية التي لحقت ببلدان عربية من جراء دخولها في دائرة الكتلة الاشتراكية, وحيث لحقها أضرار الأنظمة السلطوية الشمولية. إذ كان النموذج السوفييتي هو المثال الذي احتذت به تلك البلدان العربية, وما زالت. ولا تزال روافد تلك التوجهات, الغير معقولة, والغير إنسانية, بل الدموية والإجرامية ماثلة, وتتجرع شعوبنا تلك المرارات وتئن تحت وطئتها, ونتج عنها الهزائم، والجمود، والتخلف في أكثر من ميدان.
أولاً: عبادة الرموز السياسية وتقديسها وعدم السماح بنقدها:
يعتبر "غورباتشوف" أن من بين الشخصيات السياسية التي عبدها وقدسها السوفيت شخصية "جوزيف ستالين" والكثير يعلم من هي تلك الشخصية بكل ما تحملها من معاني القسوة والجبروت.
فيقول "جوربا": "لماذا حدث كل ما جعل البيروسترويكا ضرورية؟
ولماذا تأخرت؟
ولماذا استمرت أساليب العمل القديمة فترة طويلة؟
وكيف حدث التزمت العقائدي في وعينا الاجتماعي وفي النظرية؟
كل هذه التساؤلات تحتاج إلى تفسير.
كان المؤتمر العشرون - أي مؤتمر الحزب الشيوعي السوفييتي من 14 - 25 فبراير 1956م - معلماً هاماً في تاريخنا. فلقد قدم إسهاماً كبيراً لنظرية وممارسة البناء الاشتراكي، وخلال المؤتمر وبعده, بذلت محاولة هامة لتحويل دفة تقدم البلاد, وإعطاء دفعة للتحرر من الجوانب السلبية للحياة الاجتماعية - السياسية التي ولدتها عبادة شخص ستالين".
ثانياً: تقوم البيروسترويكا أو إعادة البناء على الاحتلال - أي أنها تعتبر من الانجازات التي حققها الماركسيون الأوائل ومن المفاخر لدى السوفييت المعاصرين.
فيقول "جوربا": "خلال العقود السبعة الماضية اجتازت بلادنا تاريخاً يعادل قروناً, وقامت واحدة من أقوى الدول في العالم لتحل محل الإمبراطورية الروسية (القيصرية القديمة) المتخلفة شبه الإقطاعية وشبه المستعمرة, إن لدينا ثقافة رفيعة ومجتمعاً فريداً يضم ما يزيد على مائة أمة وقومية ورعاية اجتماعية راسخة لـــ280مليوناً من البشر فوق منطقة تشكل سدس الكرة الأرضية وهذه هي منجزاتنا التي لا تمارى والتي يفخر بها الشعب السوفييتي عن حق".
أي تحقيق وحدة الأمم السوفيتية من خلال فكرة الأممية التي تقهر الشعوب. فما تزال هذه الفكرة تراودهم إلى الآن.
ثالثاً: استخدام وسائل الإعلام لفرض الإيديولوجية الماركسية: على الجماهير, عن طريق الإعلام ذي النمط الغير تعددي, والذي هو بطبيعة الحال يقوم بتخدير العوام من الناس بالشعارات الجوفاء. وعلى الجانب الآخر يؤدي أسلوب السلطة القمعية إلى عدم السماح بالنقد من أي رأي كان؛ سواء من جانب المفكرين أو النقاد, واضطهاد أهل العلم, و الرأي والكلمة الحرة, ومن ثم تنعدم الثقة بين الجماهير تجاهها رويداً رويداً, لمخالفة الأقوال للأفعال.
فيقول "جوربا": "وكان لتقديم الواقع الخالي من المشاكل آثاره العكسية: فقد حدث انفصال بين القول والعمل, مما حفز على السلبية العامة وعلى عدم تصديق الشعارات التي تعلن وكان من الطبيعي تماماً أن يؤدي هذا الوضع إلى فجوة في المصداقية, وأصبح كل ما يعلن من فوق المنابر ويطبع في الصحف والكتب الدراسية مثار شك وتساؤل, وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة. وزاد إدمان الخمور والجرائم, وتغلغلت القوالب الجامدة للثقافة الجماهيرية الغريبة علينا, مما أدى إلى السوقية والأذواق الهابطة وزاد من الجدب الأيديولوجي".
وقال أيضاً: "وظهرت في بعض المستويات الإدارية عدم احترام القانون وتشجيع للكلام المضلل والرشوة, والخنوع والتمجيد. وكانت الجماهير العامة ساخطة بحق على سلوك الأشخاص الذين يحظون بالثقة, ومع ذلك يسيئون استخدام السلطة, ويقمعون النقد, ويجمعون الثروات, والذين تحولوا حتى إلى شركاء في أعمال إجرامية, إن لم يكونوا منظمين لها".
رابعاً: هناك اعتراف ضمنيا بأن الأيديولوجية الماركسية قد خلت من القيم الديمقراطية, واستحوذ عليها الأنماط الشمولية, ولهذا يسعى "غورباتشوف" إلى المزاوجة بين المنظومة العقدية والفلسفية للماركسية وبين الديمقراطية.
يقول: "ويكمن جوهر البيروسترويكا في حقيقة أنها توحد الاشتراكية مع الديمقراطية, وتبعث إلى الحياة بالمفهوم اللينيني للبناء الاشتراكي من الناحية النظرية والتطبيقية على السواء".
أي كما قلنا أنه يمكن اعتباره اعتراف بشكل غير مباشر بانعدام الديمقراطية ليس فقط على المستوى التطبيقي للنظرية, بل على المستوى النظري لهذه الفكرة أو النظرية. ولنكشف بشكل آخر عن هذا يجب أن نوضح أن مؤسس النظرية "كارل ماركس" قد أكد أن الديكتاتورية هي شرط لازم لتطبيق هذه النظرية الشيوعية.
خامساً: تغير دور المرأة والأسرة في ظل النظام السوفييتي وتحول المرأة إلى شبيه للرجل؛ من خلال الشعارات التي رفعها الماركسيون وهي المناداة بالمساواة الكاملة الغير منطقية, والغير طبيعية, والتي تخالف الحالة البيولوجية بين الجنسين, أي بين المرأة ودورها, وبين الرجل ودوره.
يقول "جوربا": "طوال سنوات تاريخنا البطولي الشاق عجزنا عن أن نُولي اهتماماً لحقوق المرأة الخاصة, واحتياجاتها الناشئة عن دورها كأم وربة منزل ووظيفتها التعليمية التي لا غنى عنها, بالنسبة للأطفال. إن المرأة إذ تعمل في مجال البحث العلمي, وفي مواقع البناء وفي الإنتاج, والخدمات, وتشارك في النشاط الإبداعي, لم يعد لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية في المنزل العمل المنزلي, وتربية الأطفال.
لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا لواضحة في سلوك الأطفال والشباب, وفي معنوياتنا, وثقافتنا وفي الإنتاج تعود جزئياً إلى تدهور العلاقات الأسرية والموقف المتراخي من المسئوليات الأسرية. وهذه نتيجة متناقضة لرغبتنا المخلصة والمبررة سياسياً لمساواة المرأة بالرجل في كل شيء. ولهذا السبب فإننا نجري الآن مناقشات حادة في الصحافة, وفي المنظمات العامة, وفي العمل والمنزل, بخصوص مسألة ما يجب أن نفعله لنسِّهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة. وهناك مشكلة أخرى، وهي استخدام المرأة في الوظائف الشاقة الضارة بصحتها وهذا هو تراث الحرب التي فقدنا فيها أعداداً ضخمة من الرجال".
سادساً: تدعو البيروسترويكا إلى تغيير فكرة أساسية في النظرية الماركسية وهي تدمير الملكية الخاصة.
يتحدث عن هذا المفهوم السائد لدى الشيوعيين "فلاديمير لينين" فيقول: "التاريخ المكتوب حتى أيامنا هذه قد كان تاريخ نضال الطبقات, وتعاقُب سيطرة انتصارات طبقات اجتماعية على طبقات أخرى, وهذه الحالة ستدوم مادامت أسس نضال الطبقات والسيطرة الطبقية قائمة، أي مادامت الملكية الخاصة والإنتاج الاجتماعي تحكمه الفوضى، إن مصالح البروليتاريا تتطلب تدمير هذه الأسس".
ويتناقض مفهوم تدمير الملكية الخاصة الذي تحدث عنه الماركسيون الأوائل لتحقيق الحتمية الاشتراكية من وجهة نظرهم مع التعديلات, التي يتحدث عنها المحدثون من أمثال "غورباتشوف", في أنه يجب إعطاء الفرصة للرأسمالية الصغيرة أو المشروعات الإنتاجية الصغيرة. إذ أن "لينين" كان يقول: أن من أهداف الماركسية قطع العلاقة مع البرجوازية الصغرى لأنها تتعاطف مع البرجوازية الكبرى, وهي بذاتها الأولى البرجوازية الصغيرة تؤدي في النهاية إلى برجوازية أكبر منها, ولهذا يجب الاعتماد على القوى البروليتارية أو الكادحين دون الاعتماد على الفئة الأخرى. أما بالنسبة لما يقوله "غورباتشوف" فيختلف تماماً عما ذهب إليه "لينين".
فيقول "جوربا": "هناك أشياء غير معتادة في بلادنا الآن: تشجيع النشاط الفردي في الإنتاج صغير الحجم, والتجارة وإغلاق الوحدات الغير مربحة والمصانع التي تعمل بخسارة, والمشروعات المشتركة مع الشركات الأجنبية".
نقلاً عن كتاب "البيروسترويكا من منظور إسلامي" لفتحي يكن. بتصرف واختصار.
=========================
المراجع:
1- التحولات الإستراتيجية الخطيرة (البيروسترويكا وحرب الخليج الأولى)، أمين هويدي. دار الشروق.
2- البيروسترويكا من منظور إسلامي، تأليف: فتحي يكن ومنى حداد يكن. الناشر: الشركة المتحدة للنشر والتوزيع.
3- الشيوعية والاستعمار، بقلم ماهر نسيم.
4- موسوعة الهلال الاشتراكية.
5- الحرب الثورية الشيوعية.
6- الشيوعية كما عرفتها.
7- الحوار المتمدن - العدد: 2458 7/11/ 2008م.

 0  0  3263
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:06 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.