• ×

11:38 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

التِقنُقراطية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
التِقنُقراطية
بقلم الأستاذ : محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
--------------------------------------------------------
لا يقال تكنوقراطية وإنما تقصر الواو إلى الضمة كقولهم "ديمُقراطية" بضمة الميم (قاعدة التقاء الساكنين)، ولأن الكاف والقاف حرفان متجانسان لا يجتمعان في كلمة لتقارب مخرجيهما (وهذه قاعدة التقاء متجانسين).

تعريف التِقنُقراطية:
التِقنُقراطية (Technocracy) كلمة أصلها يوناني من كلمتين هما تِكني (فني وتقني) وكراتُس (سلطة وحكم)، وباعتبارها شكلاً من أشكال الحكومة، تعني حرفياً حكومة الفنيين.
التِقنُقراطية حركة بدأت عام 1932م في الولايات المتحدة، وكان التِقنُقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم، ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذه الظواهر، ولأن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة، يجب أن تخضع إدارة الشئون الاقتصادية للعلماء والمهندسين، وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجي.
التِقنُقراطيين هم النخب المثقفة الأكثر علماً وتخصصاً في مجال المهام المنوطة بهم، وهم غالباً غير منتمين للأحزاب. وبذلك يكون معنى التِقنُقراطية حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة.
ومثالاً على ذلك: دكتور متخصص في العلوم السياسية يسند له منصب رئاسة الحكومة, وطبيب معروف وخبير في الطب تسند إليه وزارة الصحة, ودكتور متخصص في الاقتصاد تسند إليه وزارة الاقتصاد والتخطيط, وآخر متخصص في التكنولوجيا تسند إليه وزارة الاتصالات وهكذا.

الحكومة التِقنُقراطية:
الحكومة التِقنُقراطية هي الحكومة المتخصصة غير الحزبية التي تتجنب الانحياز لموقف أي حزب كان، وتستخدم مثل هذه الحكومة في حالة الخلافات السياسية.

من هو التِقنُقراطي؟
التِقنُقراطي هو كما يقول "جان وليام لابيير": هو الخبير المدعو إلى المشاركة في صياغة القرارات التي يفيد منها في ممارسة السلطة الفعلية، إما بتأثيره الغالب على أصحاب السلطة الشرعية، أو بالنيابة عنهم في حلوله محلهم، أو باستيلائه أخيراً على السلطة الصريحة باسم الشرعية العقلية".
ولننتبه إلى مفهوم "الشرعية العقلية" التي هي من امتيازات التِقنُقراطي وهي الشرط الأساس الذي يقوم عليه أي تصور لتحديث المجتمع؛ باعتبار أن التِقنُقراطي هو "عقل مُؤَسس" وليس شخصاً يحتل مركزاً أو وظيفة، ويملك بحكم "عقله" شرعية دستورية وقانونية لان يكون حاكماً. فوجود البنية العقلية المجرِبة والممارِسة في الميدان والتي تولد الخبرة كشرطين أساسيين في توصيف مهمة التِقنُقراطي المعاصرة هما اللتان ترجحان كفة مسؤول عن آخر.
كما علينا أن ننتبه أن التِقنُقراطي يُدعى لشغل منصب ما من قبل السلطة، بمعنى أن كيانه المعنوي دائماً هو خارج السلطات، وكلمة يُدعى، تعني أنه يكلف بمهمة ما محددة ضمن وقت محدد. ولذا لن يكون التِقنُقراطي منتميا لأي حزب أو أيديولوجية كما أنه لن يكون طامحاً باحتلال منصب دائم في الدولة لأنه وهو يشغل منصب وزير مثلاً؛ فتعيينه جاء بناءً على كفاءته وليس على منصبه الحزبي أو العشائري أو القومي.
التِقنُقراطي شريحة اجتماعية اكتسبت الخبرة والكفاءة عن طريق العمل والعقل والانتظام والشرعية القانونية والتعليمية والخبرة الميدانية. وتتحدث إحصائيات كثيرة أن من بين ثلاثة آلاف شخص يتخرجون من كليات الإدارة لا يكون من بينهم تِقنُقراطي إلا بحدود 250 متخرجاً، وهذا يعني أن ليس كل من تخرج من كلية متخصصة يمكنه أن يكون تِقنُقراطياً. فالشهادة ليست إلا عتبة لمدخل غير مأمون العواقب إذا لم تصاحب المتخرج تجربة في الأعمال الميدانية والخبرات العملية والاجتهاد والبحث، والفشل والنجاحات. هذه الخبرة المعملية لا تتوفر إلا لأصحاب رؤوس الأموال، والشركات التي تخصص جزء من ميزانياتها للبحوث المتخصصة لتخريج الكوادر العلمية والتقنية التي تقوم بتحديث المجتمع، مع إشراك كل مدراء الشركات والبنوك والأساتذة المتخصصين بعلم الاجتماع معهم، لجعل هؤلاء المتخرجين في مستوى قيادي يتناسب و"الشرعية العقلية" لأن يكونوا عندما يدعون للمشاركة من قبل السياسيين قادرين على إصدار القرار الصائب في أي مسالة يكلفون بها. فالسلطة السياسية هي التي تدعو التِقنُقراطي للقيام بمهمة ما ضمن سياقها. وبالطبع ستكون الدعوة للتِقنُقراطي مفتوحة أو مؤقتة، ليمارس عبرها سلطته المعرفية بالأمور التي كلف بها مرحلياً. إنه الخبير الذي يوظف خبرته لصياغة قرارات تتلاءم وسياسة الدولة في هذه المرحلة وربط هذه القرارات بالمراحل السابقة لتطوير ميداني؛ ثم فتح آفاق أخرى للمستقبل قياساً على نتائج بحوثه. ومن هنا ونتيجة لكونه مرتبطاً بعجلة التطور يمكنه أن يحل محل القادة في شرح القرار الذي اتخذ من قبل قيادة الدولة. وعليه لا يمكن لرئيس وزراء أن ينصب وزيراً للداخلية في مرحلة ما، ثم يجعله وزيراً للمالية في مرحلة لاحقة لا تفصلها بينهما إلا بضعة أيام دون أن يصطحب معه في قفزته هذه خبراء إداريين وعسكريين وماليين وأصحاب شركات ناجحة بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والدينية والقومية كي يكون - بهم - وزيرا للمالية. أن الوزير ليس شخصاً بل فريق عمل متكامل يستثمر العقول والخبرات والكفاءات. ومن هنا تصبح مهمة أي حزب مشارك في السلطة صعبة عندما لا يجد من بين أعضائه من هو كفء لمهمة وطنية؛ وميزات التِقنُقراطي:
أولاً: التِقنُقراطي رجل دولة.
ثانياً: التِقنُقراطي خبير بعمله يوظف قدراته العقلية والمهنية من أجل إنجاح خطة واضحة المعالم.
ثالثاً: التِقنُقراطي ليس رجلاً حزبياً أو قومياً أو عشائرياً أو طائفياً بوظيفته.
يقال أن رجل السياسة يتمنى أن يحقق برنامجه، بينما التِقنُقراطي بإمكانه أن يحقق تمنيات رجل السياسة. والفرق كبير بين من يتمنى وبين من يتمكن.

ما هي التِقنُقراطية؟
تقوم التِقنُقراطية من حيث المبدأ: "على أن تكون القدرة على التقرير والقيادة في أيدي من يسيطرون على التقنية، والتحديد الأكثر دقة التِقنُقراطية هي: الحكم الذي يمارسه الرجال الأكفاء".
ولهذا فهي جزء من فلسفة الحداثة. وفي أوربا بعد منتصف القرن العشرين وجدت التِقنُقراطية كمنظومة فكرية ومؤسسة علمية لمنع حدوث أي ثورة تقوم بها فئات اجتماعية من غير التقنيين للاستيلاء على السلطة.
بمعنى أن التِقنُقراطية نتاج عصر يمنع الثورات الدينية والقومية والحزبية الضيقة ليس من أجل قمعها، بل لأن هذه الثورات لا تستطيع حل مشكلات المجتمع دون دماء وفساد إداري وسرقات وتضحيات مجانية.
فالتِقنُقراطية فلسفة الانتخابات الديمقراطية التي تأتي بسلطة لا تمارس دور الحكم إلا متى ما استعانت بخبرة المقررين والقياديين لوضع خطط النهوض بالمجتمع. ولكي تحقق التِقنُقراطية القدرة والقرار الصائب تلجأ إلى مراكز البحوث ومؤسسات الأعلام والخبرات العملية والبيانات والإحصاءات وإدارة الشركات وخبرة الأسواق وما لا يمكن صناعته بقرار فوقي. فمادتها السياقات الاجتماعية وتراكم الخبرات، وميدانها القرارات الكبيرة والتخطيط. لان ميدانها الفعلي هو "قيادة التقنية" أو "حكم الأكفاء"، أي هيمنة سلطة العلم وسلطة الكفاية. وقد نجد تعبيراً مناسباً عن مكانة ودور التِقنُقراطي عندما نقول"الرجل المناسب في المكان المناسب".
فنحن هنا نتحدث عن الكفاءة. أما ميدان تطبيق الكفاءة فهو المدينة وليس القرية أو البلدة، ويتركز نشاط عملها في مراكز قرارات السلطة العليا، وليس في الشارع أو الصحافة أو الدرس الأكاديمي فقط، وارتباط مفاهيم التِقنُقراطية بحركة المدينة وبحداثتها، يعني أنها خاضعة للمساءلة، كما أنها مرتبطة بتكوين أيديولوجيا الفئات - وليس الطبقات لأن التِقنُقراطيين ليسو طبقة يقول "سان سيمون": إنهم الفئة الاجتماعية الأكثر قدرة على "التحكم بالاقتصاد".
ويقول "أوغست كونت": إنهم الفئة الاجتماعية الأكثر قدرة على "التحكم بالعلم".
وغالباً ما تكون "أعلى فئة اجتماعية منظمة" دون أن يكون تنظيمها تنظيماً حزبياً، كما يشير إلى ذلك "جان مينو" حيث يقول: "مما يجعلها مرنة الحركة والتغيير، وقد تصلح أخطائها بنفسها".
تكّون التِقنُقراطية واقعاً جديداً في المجتمعات الأوربية كما يقول "جان بيير" عندما جرد الخبراء التِقنُقراطيين من أصحاب الكفاية التقنية، أصحاب السلطة الشرعية من سلطتهم". ولهذا التجريد تاريخ من الصراع الطبقي والسياسي عبر ثلاثة قرون كما يقول "لابيير": لكي تستقر أوربا على أمور البناء الاجتماعي المؤسساتي شكل التِقنُقراطيين القيادات، بينما حكم الساسة عن طريق انتخابات ديمقراطية شؤون البلاد بالاستعانة بهم.
ومن هنا تقوم أحزاب أوربا اليوم على الإيديولوجيا المؤسساتية وليست على الإيديولوجيا السياسية والفكرية، فالاشتراكية ليست ذات نفع للحزب ولمؤيديه ولأعضائه دون أن تكون مؤسسة على برامج علمية يقودها التِقنُقراطيون وعلماء قد لا يؤمنون بالاشتراكية. أما كيف يجرد التِقنُقراطيون الأحزاب الحاكمة من سلطتهم وهم الذين جاءوا بانقلابات أو تغييرات دراماتيكية. فذلك هو جوهر عمل الفكر التِقنُقراطي في المجتمعات الحديثة.
تأتي مرتبة التِقنُقراطيين في النظم القديمة بالمرتبة الثانية بعد الكهان، خاصة في المجتمعات الدينية القديمة، وقد تنبه "أفلاطون" لأهميتهم في بناء الجمهورية ووضع أسساً لوجودهم في الجمهورية قائمة على الكفاءة القانونية والفلسفية. وهو ما مكنه من أن يوازن بين أساليب الحكم واستحقاق المواطن. في حين أن التِقنُقراطي في المجتمعات الحديثة، قد أصبح سلطة من غير جيوش، أما في المجتمعات النامية ودول العالم الثالث، فنرى ضموراً مقصوداً لهذه الفئة من الخبراء وإقصاءً متعمداً لهم من شغل مراكز مهمة، بل وقتلا لهم، ومطاردة ولفظاً لخارج الحدود كما يحدث مع التِقنُقراطي الخبرات العلمية الأخرى. وأن حدث وجرى تشخيص لهم في تلك المجتمعات، قيل: إن الأحزاب الحاكمة تملك من الخبراء التِقنُقراطيين ما يكفيها؛ فهم قادرون على أن يكونوا وزراء وإداريين وقادة، وقد ثبت فشل هؤلاء وإن كانوا التِقنُقراطيين حينما فضلوا ارتباطهم بأحزابهم الطائفية والقومية على مهنتهم العلمية والكفاءة المؤسساتية.

ميدان عمل التِقنُقراطية:
يحدد ميدان عمل التِقنُقراطية في المجتمعات الحديثة بأربع دوائر مهمة هي عصب الدولة الحديثة:
1- الدائرة الاقتصادية. أي الشركات والخبرات العملية في الإدارة المدنية العليا. وتعتمد على الكفاية الاقتصادية والمالية أو القضائية وخاصة الأعمال الصناعية والزراعية، وهيأة التفتيش المالي.
2- الدائرة السياسية. فن إدارة الأزمات واتخاذ القرارات بناء على توصيات الخبراء في كل المرافق.
3- الدائرة التقنية. فن تأسيس الإدارة في المجتمعات الحديثة. أي الانتماء إلى النخبة العلمية الحديثة.
4- الدائرة الأمنية والعسكرية. وهي فن الاستفادة من التِقنُقراطيين العسكريين في ربط أزمات الأمن بأزمات الاقتصاد وبإدارة الأموال والبنوك وبالقرار السياسي، أي رئاسة الأركان العسكرية. لقد أصبح الدفاع الوطني فعالية عامة مشتركة بين كل القطاعات، لان الحرب الحديثة والإعداد لها يعبئان الأمة كلها، ولن تصبح الحرب أو السلم قراراً سياسياً للخارجية أو الدفاع، بل أصبح السلم والحرب قراراً اقتصادياً ومالياً وإدارة وتربية وتعليماً وبحثاً علمياً. أما أحلال المليشيات بدلاً من العسكريين فهو الطامة الكبرى لأي دولة تريد بناء نفسها من جديد.
=======================
المراجع:
1- الثورة التِقنُقراطية، تأليف: جان وليم لابيير.
2- الحوار المتمدن - العدد: 1748 - 28/11/ 2006م.
3- الحرية والتنظيم في عالم اليوم، تأليف: مجموعة من الباحثين. ترجمة: تيسير شيخ الأرض.


 3  0  1888
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:38 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.